2019: رؤية من “عَرْض” البحر الإسرائيلي

جهاد الزين
النهار
10012019

نزيف الكفاءات العالمْثالثية إلى الأوروبيّات والأميركيّتين وأستراليا مستمر. الهجرة الشرعية التي تتم بين أبواب السفارات ومكاتب الجامعات والشركات الكبيرة في العالم. هذا اتجاه هو جزء من تشكيل النظام الدولي، من منظومة التفوق الغربي التي باتت تبدو للأجيال الجديدة في العالم الثالث وكأنها وحدها هي “حصانة” قدرتها على البقاء وتحقيق الطموحات المهنية والحياتية.

لكن في هذه اللحظات نفسها من بداية العام كما الأعوام التي سبقته، لاسيما منذ الانهيارين: السوري الذي فتح ضفة البحر الأبيض المتوسط الشرقية على الهجرة الآسيوية غير الشرعية، و الانهيار الليبي الذي فتح ضفة البحر نفسه الغربية على الهجرة الإفريقية، تعج البحار بحركة مراكب غير شرعية نحو أوروبا لا تتوقف.

بكل بساطة صار التقسيم العام بين شمال وجنوب المتوسط: هنا دول راسخة ومتقدمة وهناك دول مهتزّة وأحيانا فاشلة. باستثناء إسرائيل، في الجنوب، التي لا تزال دولة “مستقبِلة”، كل الدول المحيطة هي دول “طاردة” بشكل أو بآخر. إسرائيل دولة الطرد الأصلية لشعب آخر تصبح بسبب تراجع وانهيار محيطها دولة استقبال! بعنصرية، لعنصر ديني واحد.

أشك أن هؤلاء المهاجرين الذين يتدافعون برعب وأمل إلى مياه البحر ليمتطوا قواربه الهشة قرب مالطا أو قرب إحدى الجزر اليونانية أو على أحد الشواطئ الأسبانية يحملون معهم كتبا غير القرآن، للآتين من المشرق، و غير الإنجيل لبعض الأفارقة الآتين من عمق قارتهم. هؤلاء الذين يشدهم حلمٌ تبيعه مافيات النقل البحري من تركيا أولبنان أو ليبيا ويحرّكهم يأسٌ انتحاري. باستثناء بعض البدايات القليلة جدا على ما يبدو، قرأتُ عنها ولم أقرأها، لم تتكرس هذه الملحمة البحرية المتواصلة بعد في الأدب الكبير، إلا إذا اعتبرناها بعيدا عن الأشكال الجديدة امتدادا لأدوات موسم مختلف من الهجرة إلى الشمال. بهذا المعنى لم يكف عن الحضور أدب الهجرة على يد جيلين من روائيين عرب ولبنانيين. جوهريا، هذه الملحمة، هي استمرار لهذا “الإبحار” كما كتبتُ الأسبوع المنصرم في تفسير قضية بيع الأطفال اللبنانيين الثلاثة إلى عائلات إيطالية قبل ربع قرن، قصة الرحلة المجتازة قسرا و إرادياً، بين عالمين متخلف ومتقدم.

يأتينا العام الجديد ومستقبل دولنا وشعوبنا العالمْثالثية في “عرض البحر” مرةً أخرى، عاماً آخر، بحر الظلمات الحضارية، لكنها ظلمات النزيف الذي يتراءى سعيداً لأنه يفتح آفاقاً حقيقيةً للهاربين.

تعرضت منطقتنا مع الزلزال السوري بصورة خاصة إلى نوع من اختلال المعنى. معنى الدولة ومعنى المجتمع، لم تَنْسَفِك المعاني بل هربت وكأن “الحداثة”، الوافدة أصلاً، أخذت تسترد نفسها إلى بلدان المنشأ.

بعد موجة “المؤرخين الجدد” قبل أكثر من عشرين عاما ونيف، وهي كما هو معروف أكبر موجة تشكيك بالكتابة الرسمية الإسرائيلية لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، اتجهتُ أكثر لقراءة المصادر الإسرائيلية “الموالية” أي الصهيونية لكي يكون، كما قلت لنفسي يومها، بإمكاني أن أقرأ بعض مظاهر وظواهر الحياة العامة ومنها السياسية في إسرائيل بعيدا عن المواقع “الخارجية” أي خارج الإستابلشمنت خصوصا. اليوم عدت لكي أحدّ من ما يمكن أن يصبح “انبهارا” بظاهرة تقدم إسرائيل كدولة حديثة بل كنمر اقتصادي وصناعي، عبر اللجوء إلى كتابات أكاديميين إسرائيليين محترمين وشديدي النقدية لها وللمؤسسة الصهيونية. إيلان بابيه في مقدمة هؤلاء. في كتاب جديد مختصر (125 صفحة من القطع الطويل والحرف الصغير) يحمل عنوانا من كلمة واحدة: إسرائيل.

بابيه يعيد تقييم كل مقومات المجتمع والدولة الإسرائيليين، بعناصر قوتها وضعفها، بمتغيراتها، بتلازم المزيد من عسكرة المجتمع واقتصاد السوق الحرة واتساع قطاع التكنولوجيا العالية الذي يصبح فيه تصدير الأسلحة، عبر العلاقة المتينة مع الولايات المتحدة، أقوى فروع الاقتصاد، وبحيث إسرائيل هي اليوم رابع مصدِّر للأسلحة في العالم. ويقدم بابيه الملاحظة الجوهرية التالية: ارتباط ارتفاع الناتج المحلي من الانخراط الدائم لإسرائيل في أعمال عسكرية مما يدعم قطاع الصناعة العسكرية ويهدد بأن يكون أي سلم دائم مصدرا لازدياد البطالة. ويلاحظ أيضا تضاؤل العطاءات الاجتماعية بما يجعل نصف القوة العاملة محرومة من ضمان اجتماعي.

يتوقف الكاتب عند العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والصين في قطاع التكنولوجيا العالية ويتكلم عن ألف شركة إسرائيلية عاملة في الصين. وعن كون الصين وجهة التصدير الإسرائيلية الثانية بعد الولايات المتحدة. وبأرقام عام 2011 تقدر الاستثمارات الصينية في إسرائيل ب15 مليار دولار. أما مع الهند فتنحصر العلاقة في المجال العسكري والتجارة، لكن بابيه يصف الصناعة العسكرية الإسرائيلية بأنها “حليف استراتيجي للجيش الهندي”.

على المستوى الثقافي يعتبر بابيه أن ما يسميه النيو صهيونية هي هوية ثقافية تنبني عليها في المجتمع الإسرائيلي مقاربة متصلبة، متطرفة، عنصرية لليهودية. وهو اتجاه متصاعد التأثير لكنه يقول أنه من المبكر بعد التكهن بمن ستكون له اليد الطولى التعددية الثقافية – التي تستثني الفلسطينيين – أم هذا الاتجاه الأكثر تصلبا وطنيا؟ يرى أن تطورات المسرح الدولي ستحدد معظم ذلك.

التحليل البنيوي، بما فيه الثقافي الذي يقدمه بابيه، لا يتناقض مع اعترافه بقوة البنية الإسرائيلية رغم بعض عناصر الضعف الدولية والداخلية في نظام أبارتايد. هكذا يخرج القارئ بانطباع يؤكد، ما لا يحتاج إلى تأكيد، وهو دخول إسرائيل إلى عام جديد من القرن الحادي والعشرين وهي على “مسافة” كبيرة بل نقيضة عن المنطقة المحيطة التي تتحدد بضعفها المتعدد المستويات. بينما إسرائيل تتحدد بقوتها لا بعناصر ضعفها الموجودة. يسميها بابيه “أمبراطورية صغيرة”.

هذه رؤية للعام الجديد من “عرض البحر” الممتد بين منصات استخراج الغاز الإسرائيلي إلى مخيمات اللجوء للناجين من السمك الآكل للحوم الهاربين.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*