19 حكومي


رشيد درباس

       13 آذار 2018
    مناء على طلب من الصحافي راجح خوري أعدنا قراءته اليوم

فكَّرنا الباشا باشا… طلع الباشا زلمي

تطرقْت في مناسبات كثيرة إلى تجربتي في الحكومة السابقة، وكذلك فعل زملاء آخرون كالوزير سجعان قزي الذي أصدر كتاباً بعنوان “وطن في العناية الدائمة”، والنقيب رمزي جريج الذي سيصدر قريباً كتابه “كلمات عابرة”. كما أن الفراغ الدستوري الذي أبقانا في الحكومة زماناً مَرَضِيًّا طويلاً والتجاذبَ الذي اتسم بالتوحش وخلوِّ القلوب من الرحمة الوطنية، حرَّضاني على نظم قصائد كاريكاتورية، جمعتها في كتاب سميته “وزاريات”، وصدَّرتُه بعبارة “شر الحكم ما يضحك”، وذلك تعبيراً عن بَرَمي وخوفي من مزيد من الانحدار.

وكنت أشكو المعاناة لأصدقاء من ذوي الحصافة، كالرئيس فؤاد السنيورة الذي كان كلما حضني على الصمود استشهد بقولِ أبي الطيب:أبدًا أقطع البلاد ونجمي في نحوسٍ وهمتي في سُعودِ

وهو إذ يشرح البيت يفسِّرُ “السعود” بأنه نجم يرمز إلى حسن الحظ، لكن “البرقوقي” في شرحه للديوان يقول إن السعود جمع “سعد”. فإذا كان ذلك كذلك، فلماذا يجشم الفؤاد همته عناء التفتيش بين الكواكب، فيما “السعد” فوق الأرض وفي متناول القلب؟

كان الرئيس السنيورة مؤمناً دائماً بأن الهمة تتغلب على سوء الطالع، ومارس هذه السياسة بامتياز طوال تحمله المسؤولية وبعد تخففه منها، محافظاً على ما يقتنع به، ومتمسكاً بمعالم مسيرة طويلة مع الشهيد رفيق الحريري، معلناً العزوف لا الاعتكاف، أو التخلي عن المؤازرة والدعم والأفكار المنيرة.

والأمر ينطبق على صديق عزيز آخر هو دولة الأخ فريد مكاري، الذي شجع على دخولي إلى الحكومة، وكان لي نعم الناصح، فكلما شكوتُ إليه مرارتي ردَّ بأن الدرب الوعر هو محك الجدارة. لكنه على رغم ما راكمته فيه السنوات من خبرة وشعبية ومحبة ناس، آثر ألا يكون فارساً في هذه المعمعة مع ما له من تأثير على حركة الانتخابات وتوجيه الأصوات، معتصماً بتاريخه الطيب مع الشهيد رفيق الحريري وخلفه العزيز، فاسحاً لنفسه دائرة واسعة من الصداقات خارج قيود التزمت والعداوات.

أما ذهابي، كلما سنحت لي فرصة، إلى سيادة المطران الياس، متروبوليت بيروت الذي أنتمي إلى صداقته منذ الشباب الأول، فلكي يزودني كمية من “الكلوروفيل” النقي عندما كان يلمس الضيق الذي يعتريني فيقول: “الاستقامة دينونة الفساد والعوج”.

وكان يحز في نفسي أن مهابة الحكم خرجت من نفوس الناس، ولا سيما من نفوس أدوات الدولة الذين كانوا يمارسون سلطاتهم وفق كيفية لا تنطبق على مفهوم وحدة السلطات وتناسقها. وكنت قد رويت سابقاً، من باب التفكهة والمزاح، ما حل برقمي الحكومي 19 إذ ظننت أن سيارتي، بمجرد تعليق اللوحة عليها، ستجري عجلاتها بما يتناسب مع “سمو المقام”، فأصيبت السيارة بخيبة كبرى إذ كانت تُزَجُّ ضمن الطوابير المتوقفة أمام الحواجز، فيما تمر سواها بلا توقف عندما تكون مدججة بالمواكب الفخمة والمرافقة الضخمة. بل كانت اللوحة السوداء مجلبة للأذى عندما طوقني المجتمع المدني – ذات حفلة من حفلات النفايات – وانهال تكسيراً على سيارة بائسة، لها صفتا الوحدانية والقدم.

أما عن الحواجز الأمنية، فحدث ولا حرج. بعضها كان يمنعني من العبور بلطف، وبعضها بصلافة. وفي مرة ذهبت للقاء أحد الوزراء، بناءً على طلبه، في منزل سماحة الدكتور مالك الشعار فمنع الحاجز سيارتي من العبور، وسمح لي بالذهاب راجلاً، فما هي إلّا طرفةُ عين حتى كدت أكون طعماً رخيصاً لعجلات موكب… لم يكن معاليه ضمنه.

أكرر أن شر الحكم ما يضحك، لكن الهَزْل هو شعور الوزير بأن جدول الأعمال الذي يزود به قبل الجلسة، لن يكون محط مناقشة موضوعية، بل ساحة للسجال والتعطيل، وأبأس ما يمكن أن يعانيه المرء، هو انتظار نتائج المكالمات الهاتفية التي تجري في خارج القاعة، ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بمسألة خلافية وطنية، كالتخلص من النفايات، عندذاك تصبح الدولة “كونفيديرالية جيولوجية”، ويجهر الوزراء من أولي العزم، بأن مناطقهم لن تستقبل نفايات مناطق أخرى، حفاظاً على “نظافة بيئتهم” ونقاء هوائهم. وفي مرة حاولت أن أْبَسِّطَ الأمر عليهم، فقلت لهم إن التضاريس الجيولوجية، لا تتقيد بالتقسيمات الإدارية للمحافظات والأقضية والبلديات، وإن قانون باطن الأرض أكثرُ رصانة من قانون ما فوقها، ولهذا، فإن ما نطمره هنا قد تظهر آثاره هناك، لكن المسألة ما زالت حتى الآن عصيةً على الحل.

نحن الآن على أبواب انتخابات يذهب فيها المقترعون إلى دهاليز القانون، ليجدوا المرشحين ضائعين في المتاهة ذاتها، وقد قيل لي – والعهدة على الراوي- إن الخبير القانوني الذي صاغ النصوص يستشفي الآن من الكآبة في أحد المصحات النفسية. هذا هو الفصل الأول من المشهد، أما الفصل الأخير فسيتمثل بالنتائج القائمة على التناحر بين أبناء البيت الواحد، كأنه اليوم الذي وصفه الذكر الحكيم:

“يوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ” ص.ع.

ومن أسف أن وجوهاً تشريعية وبرلمانية ستغيب بملء إرادتها عن الندوة الجديدة، وستخلو القبة من رصانة فؤاد السنيورة، وطلاوة فريد مكاري، ولذاعة وليد جنبلاط، وصراحة سليمان فرنجية، وبلاغة غازي العريضي، وفقه روبير غانم، وجدية جان أوغاسبيان، وصلابة أحمد فتفت، بحيث سيصبح لنا مجلس جديد خالٍ من الدسم.

بعد هذه الرحلة مع “19 حكومي” فوق سطور هذا المقال، أصلُ إلى محطةٍ أقول فيها: إن مجلس الوزراء عندما يفقد حق إنتاج القرار، ويتحول من مؤسسة “إنشائية” إلى مؤسسة “إعلانية”، وعندما يصبح التهافت على المقعد النيابي شخصيًّا بحتاً منقحاً من السياسة، فسيجري تجيير الولاء للدولة إلى ولاءات فرعية، فلا يعود الجهاز يدين إلا لرئيسه (المعلم)، ولا تتصرف المؤسسة على أنها جزء من كل، بل وفق انتماء المسؤول عنها، ويكون الأمن وجهات نظر، والسياسة الخارجية (داخليةً جدًّا)، والكهرباء توتراً سياسيًّا يولِّدُ الظلام المستدام.

كنت أظن الوزير وزيراً… فلما صِرْتُهُ، رَثَيْتُ لحالي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*