رشا الأمير
Jan 23, 2018

■ لا تحتاج هدى بركات، وهي مَنْ هي بين الروائيين والرِّوائيات العرب، في «بريد الليل» الصادرة حديثا، (دار الآداب 2018)، أن تُخْفي خطتها على القارئ – القارئة، أو أنْ تزعم بأنَّ خِطَّةَ هذا الكتاب فَتْحٌ غَيْرُ مسبوق في دنيا الرِّواية.
فـ«بريد الليل»، للوهلة الأولى، يُقَفّي على آثار سلالة عريقة يرتفع نسبُها أعلى عليين مِنَ الأعمال الأدبية التي اصطنعت «الرسالة »، أو الرسائل المتبادلة، صيغة أو ذريعة أو حتى بنية سردية. والرواية المكثّفة القصيرة تستلهم للوهلة الأولى أسلوبا فَنِّيا، عابرا للصناعات (صناعة الرسم، السينما، الكتابة)، قوامه التَّضْمين ــ تضمين أجزاء من لوحة، مثلا، في اللوحة نفسها أو إنشاء لوحة، مِنْ أجزاء لكلٍّ واحد منها، إذا ما قيس بمقياس التمام، كفاية من نفسه، ومن أشهر الأمثلة على هذا الأسلوب لوحة «وجه الحرب» لسلفادور دالي، حيث تنزل الجمجمة التي هي عامود اللوحة، مع بعض التصرف، محلَّ الفكين والأسنان من الفم، ومحل العينين من المحجرين.
نعم، كِلْتا الوهلَتَيْن الأوليين هاتَيْن في محلّهما، ولا تكادان أن تطلبا دليلا يستدل به على صحتهما، ولكنَّ «بريد الليل» النصّ المكثّف لا يكتفي أنْ يأخذ من أدب التراسل بطرف، ومن أسلوب التَّضمين بطرف آخر، وأن ينام على هذا الحَسَب العريق والنسب، وهذا ما يجعل منه كتابا على حدة، وينفي عما تقدم من وصفه صفة المبالغة أو التهويل!
بالورقة والقلم، يتألّف الكتاب من ثلاثة فصول: قوام الأول المعنون «خلف النافذة» خمس رسائل على أن تفهم كلمة رسالة هنا بالمعنى الأوسع للكلمة. فإذ تبدأ الرسالة الأولى بـ «عزيزتي،» سرعان ما تنقضّ هدى بركات على هذا المطلع فتعلق عليه ساخرة بأنَّ افتتاحها الكتاب – الرسالة الأولى منه بـ«عزيزتي،» إنما يُساير العرف الذي يريد أن تبدأ الرسائل على هذا النحو، وأنَّ «عزيزتي،» هذه لا تعني ما تقول، أو تعني أكثر من ذلك بكثير، وأنها بَدَلٌ عن كلمة ضائعة لا أمَلَ، على الأرجح، بالعثور عليها. وإذْ يَجري هذا التحفّظ الابْتِدائيُّ على كل الذين – اللواتي يفترض أن تتوجّه إلَيْهِم- إلَيْهِنَّ رسائِلُ الكِتابِ الخَمْسُ، فـ«عزيزتي،» ليست أيَّ كلمة: إنَّها مُخاطَبُ المرسل (سلة) ومخاطبَتُه، وعليه فان التَّشْكيكَ، من أوَّلِ الأمر، بهوية هذا المخاطب (ـبة)، تشكيك بوجوده، وتشكيك بأنَّ الرسالة مرسلة إليه (إليها). بانية على هذا التَّحَفُّظِ – التَّشْكيكِ الأصلي بأنَّ هذه الرسائِلَ رسائلُ، وبأنَّ المخاطَبَ (ـطَـبَةَ) في كل واحدة منها هو المرسَلُ إليه أو المرسَلَةُ – إليها. لا تحتاج بركات، بعد الرسالة الأولى إلى كثير لتمضي في لعبة التضمين التي لا تستقيم إلا بأنْ يحلّ شخوص في شخوص، وليس مَحَلَّ شخوص، وبأن تحلَّ أمكنة في أمكنة، وليس مَحَلَّ أمكنة، وبأن تَحلَّ علاقات بشريَّة وعواطف متبادَلَة، (وفي كثير من الأحيان غير متبادلة)، في علاقات وعواطف، وليس محلها وهكذا.. وبمقدار ما يستجيب الشُّخوصُ والأمكنةُ تحت قلم هدى بركات لِداعِيَةِ الحلول مَنْ في مَنْ وما في ما، تتسارع الوتيرة ــ وتيرةُ الحلولِ والتَّضْمين ــ إلى حَدٍّ لا انتقاصَ معه من الكتاب أنْ يُقالَ بأنَّهُ يرهق القارئ ويقطع النَّفَسَ منه.
عليك، مَثَلا، بالرسالة الثانية: امرأة، بمفردها، في غرفة فندقها في عاصمة أوروبية ــ امرأة بمفردها لا تنتظر أحدا ويجافيها النعاس فتملأ ليلها بتفقد المكان «مسكة باب الخزانة تشبه ما كنت رأيته عند عمتي» وإذ تنتهي من المسكة تلك تنتقل للتحديق «في درفة الخزانة وتعرجات الخشب» وهكذا إلى أن يصل بها الفضول إلى تصفّح دليل الفندق الذي يذهب بها الافتراضُ إلى أنه لا حاجة له أصلا «في فندق صغير كهذا» ولا في زمن الهواتف الذكية، ولكن، كما يتفق، للَّـهِ أنْ يستودع سره في أضعف خلقه، ففي هذه المطبوعةِ المفتقدة لكل الأسباب الموجبة لأن تقبع في «درج الطاولة الصغيرة إلى جانب السرير» تعثر النزيلة على الرسالة التي سوف تؤثِّثُ ليلها. ولكن رسالة كاملة الأوصاف، أي تامة ومعروفة المرسل والمرسل إليه لا تكفي لأنْ تعبّر على متنها المرأةُ المُسْتَوْحِشَةُ في غرفة فندقها اللَّيلَ كُلَّه… مِنْ ثَمَّ تحكم بركات على الرسالة أن تكون «ناقصة، بلا خاتمة»، واستطرادا بابا على نهايات شتّى لا رُجَحانَ لواحِدَةٍ منها على أخرى، ولكن ليس هذا فحسب! فاعتلالُ آخِرِ الرسالة لا يحول دون أن يدعو القسمُ السالمُ منها إلى الحيرة… فالرسالة «تتحدث عن شاب كان كتبها في غرفة مفروشة رخيصة الإيجار في شارع شعبي قريب، فكيف وصلت إلى هنا؟». وعلى هذا النحو من التتالي تسير بنا المرأةُ المتوحدة التي يستبد بها الأرق في غرفة فندق متواضع، التي لا نعرف، حتى الآن، من أمرها شيئا إلى الانهماكِ بقصة ذلك الشاب الذي أنس من نفسه ذات يوم، في الشقة المفروشة التي كان يقطن فيها، أن يكتب رسالة، ولا يتمها، للمرأة التي يحب! ولا تدع المرأة إياها، القارئ يشاركها في فك لغز ذلك الشاب حتى تباشر، هي نفسها، خَلَلَ الشُّقوقِ التي في قصة الشاب، بالحديث، على نحو المراسلة أو المخاطبة، إلى مجهول كان بينها وبينه ما كان..
على هذه الوَتيرةِ من السَّرْدِ القاطِعِ للأنفاسِ يجري كلُّ واحدٍ مِنَ الفُصولِ الخَمْسَةِ من القِسْمِ الأوَّلِ من الكتاب مجراه؛ وإذ يطوي القارئُ هذا القسمَ كما لو أنَّهُ كتاب تَمَّ، وإذ تتعمد بركات أن يكون مِسْكُهُ «أرجو ألّا تتأخر في الرَّدِّ»، في غمزة لا تخفى إلى «عزيزتي،» التي يُفْتَتَحُ بها، يستقبل القارئ قسما ثانيا تحت عنوان «في المطار». عشرون صفحة، بل أقلُّ، قوام هذا القِسْمِ الموزع بدوره على خمسة فصول. لا إشارةَ صريحة إلى أن هذه الخمسة مرادفات على الخمس الرسائل التي يضمّها القسم الأول ولكن حسب القارئ أن يثق بأنْ التَّوارد في فصول القسمين ليس من العفو في شيء ليتبيّن أن هذا القسم الثاني من الكتاب أشبه بملحق «الحلول» الذي يلي أحيانا صفحات المسائل من بعض الكتب المدرسية. ولكن حذارِ الظنَّ بأنَّ ملحق الحلول هذا هو الجزاء الحسن الذي تُكافئ به بركاتُ قرّاءَها (وقارئاتها) الذين يُثْبِتونَ طول نفس يعبر بهم، بِسلام أو في الحد الأدنى بأقَلَّ خسائر ممكنة، مَفازَةَ الرسائل الخمس ومتاهاتها المنتسجة نسجا عنكبوتِيّا محكما. صحيح أنَّ بعض فصول القسم الثاني قد تبدو وكأنها تقولُ أشياءَ سكتت عنه الرَّسائل، أعني تقترح إضافات على قِصَصٍ أبقتها الرسائل معلّقة، غير أن هذه الأشياءَ والإضافاتِ لا تَسْتَتِمُّ الرَّسائِلَ، ولا تُفْرِج عن كُلِّ ما وراءَها مِنْ أسرار مخبوءة، أو ما يظنه أصحابها أسرارا مخبوءة. يمكن للقارئ أن يلهو قدر ما يشاء محاولا الربط بين الرسائل الخمس، كما بين الملاحق الخمسة وتلك الرسائل، وله أن يُعيدَ المحاولة المرة تلو المرة، مآله، على الأرجح، أن يكتشف بلا كلل، وأن يعيد الاكتشاف، بأنَّ البوح، مهما بدا مسترسلا، ومهما عَوَّلَ عليه صاحبه، سابِعُ المستحيلات وبأنَّ الرسالة، وإن بدأت بـ«عزيزتي» واختتمت بـ«لا تتأخر في الرد»، تبقى ناقصة، فالفراغ، كما تقرر بركات على لسان إحدى بطلاتها، هو «سيّد الخيال والمعاني» وفي هذا الفراغِ، بوصفه من أسماء للنقصان، يُنادي على الرسائل أن تكتب. ولكن ما الخير من رسالة كتبت في جَوْفِ الليل ولا تَجِدُ من يُؤَدّيها؟
على سبيل الخاتمة، بل قل على سبيل الدّعابة السَّوداء، تغلق هدى بركات روايتها على فصل، (قَصير)، لا تتحرّى له عنوانا أصرح من «موت البوسطجي». ولكن، هنا أيضا، حذار العناوين المضللة: ليس هذا الفصل بنعي للبوسطجيِّ ولا بمرثيةٍ تُعَدِّدُ مآثره. ففي جعبة البوسطجي، آخِرِ الأحياءِ في بِلادٍ الحَروبِ الماضِيَةِ قدما، مُفَهْرِسِ الرَّسائِل، كاتِبِــها لربما، خَبَرٌ أسْوَأُ مِنَ المَوتِ، أو حتّى مِنْ موتِهِ هو: لا ناس هُنا بَعْدُ ولا عناوين… رسائل فقط!

٭ روائيّة لبنانيّة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*