سرّ منصور الرحباني

سرّ منصور الرحباني

محمود الزيباوي|السبت20/01/2018

Almodon.com

منصور الرحباني 1956
في الذكرى التاسعة لرحيله، يبقى منصور الرحباني حاضرًا بأعماله الفنية الحاضرة أبدا، ويبقى اسمه مرتبطا باسم أخيه عاصي الذي شكل معه ثنائيا استثنائيا حمل اسم “الأخوين رحباني” منذ البداية. رحل عاصي في صيف 1986، ورحل منصور في شتاء 2009، وبقي اسم “الأخوين” ثابتا وواحدا، كما ظهر في ظهوره الأول عام 1948، يوم سبق عاصي أخيه في الدخول إلى الإذاعة اللبنانية.


في حوار نشر في مطلع حزيران/يونيو 2001 في مجلة “الفنون”، تحدث منصور إلى روز شاهين، وتطرّق إلى شراكته في العمل مع عاصي، وقال: “أحيانا كان عاصي يعمل القطعة وحده تأليفا وتلحينا، ونناقشها مع بعضنا البعض ثم نضع التوقيع “الأخوين رحباني”، وبالعكس، أحيانا كنت أنا أؤلف وألحن وأوزع، ثم نناقش العمل ويكون التوقيع الأخوين رحباني. أحيانا أخرى، كان يكون التأليف من عندي والتلحين من عاصي، وأرجع أوزع الأغنية بنفسي. بمعنى أنه لم يكن هناك قاعدة، أما التوقيع فكان دوما الأخوين رحباني. اليوم، لا يعرف أحد ماذا على عاصي وماذا قدم منصور، وهذه الحكاية ستظل في ضمير التاريخ على الرغم من بعض المحاولات التي ترمي إلى فصل عاصي ومنصور. كأنهم يريدون أن يفصلوا الوردة عن عطرها”.

بعدها، تطرّق منصور إلى خصوصية شخصية توأمه الفني، وقال: “عاصي لم يكن يطيق العزلة. بعكسي انا، إذ كنت أحب العزلة كثيرا. هكذا تركت له كل الأشياء الاجتماعية، من التصريح للصحف والتلفزيون. الآن يمكن الناس صاروا يشاهدونني وأنا احكي. أنا منذ مدة أصبحت أحكي، لأنه بعدما مرض عاصي، اضطررت ان افعل ذلك. كان عاصي الناطق الاجتماعي، وقد تركت له هذه المهمات وانعزلت أكتب وألحن، لأن ذلك هو متعتي في الحياة: التأمل والوحدة. أما هو فكان يحب المجتمع، يحب أن يجادل، ويعطي تصريحات إلى هذا وذاك”. تختصر هذه الكلمات سر شراكة الأخوين رحباني، وتسلّط الضوء على فرادة كل من عاصي ومنصور. كان عاصي يؤلف ويلحن ويوزع. وكان منصور يؤلف ويلحن ويوزع. وكان الأخوان يشتركان في التأليف والتلحين والتوزيع، ويوقعان دائما باسمهما الجامع. كان عاصي الناطق الرسمي باسم الأخوين، كما انه كان الناطق باسم فيروز التي كانت “هادئة لا تتكلّم ولا تعطي رأيا، وإنما تجلس لتستمع إلى ما يجري حولها، وإذا تكلمت فلتوافق على كلام عاصي”، كما كتبت “الشبكة” في آذار/مارس 1956.

اتبع الأخوان وفيروز هذا النهج في الخمسينات، وساروا عليه في الستينات، يوم بلغوا قمة النجومية، وحين زاروا مصر بدعوة رسمية من الحكومة المصرية، نقل “ملحق النهار” خبرا يقول: “سُئلت فيروز في القاهرة: نرى أن عاصي يتكلّم باسم الكل، فهل سكوتك وسكوت منصور جعلا عاصي يدعي أنه وحده آل رحباني؟ فأجابت: أنا ما بعرف احكي ولا بحب احكي. منصور بيعرف يحكي وما بيحب يحكي. أما عاصي فبيعرف يحكي وبيحب يحكي، ولهيك رسمناه الحكوجي تبعنا”. قبلها، في حديث أجرته مجلة “الأحد” في شباط/فبراير في نفس العام، تحدّث عاصي عن عمله مع منصور، وقال: “كل واحد منا ينظم ويلحن. عادة أعمال منصور مشغولة أكثر وفيها عمق. أما أعمالي فتمتاز بالبساطة. أنا أسرع في التلحين والنظم، أما منصور فأعمق ومتأمّل أكثر مني. أنا حكوجي، ومنصور متأمل. انا اتصيد الكلمات الحلوة من الناس البسطاء. أنا قليل المطالعة. وأستغل كلام زملائي عن مطالعاتهم فأنصت لها جيدا ثم آخذها عنهم. أنا صياد أفكار”. على النقيض، قال منصور يومها أنه يطالع “كتب الفلسفة والتاريخ والدين”. تكتمل الصورة في حديث آخر لمنصور نقله الصحفي المصري محمد رفعت في حديث أجري في القاهرة نُشر في مجلة “الكواكب”. سأل الصحافي الأخوين عن كيفية سير التعاون في عملهما المشترك، وأجاب منصور: “أنا أكتب الأعمق وعاصي يكتب الأشفّ والأحسّ والأكثر شعبية، والتلحين نمتزج فيه”.

ظلّ منصور في الظل، تاركاً الكلام لشقيقه “الحكوجي”، ولم يتحدث بشكل منفرد إلا نادراً. في نهاية أيار-مايو 1972، حاول رياض شرارة الدخول إلى عالم منصور بعيدا عن عاصي في حديث نُشر في “الشبكة”، واستهل كلامه بالقول: “في كل الأعمال الرحبانية يقف أمامه اثنان: الصمت وأخوه الأكبر عاصي. فمنصور التي تكاد تصريحاته الصحافية تعدّ على أصابع اليد الواحدة منذ أن بدأ حياته الفنية، يفضل أن يكون دائما الصوت الصامت في العائلة الرحبانية. يعمل بصمت. يتكلم بصمت. يلحن بصمت. من هنا كانت الرحلة البعيدة معه تتخذ شكلا آخر، وأهمية أخرى كذلك، لأن كشف أوراقه عملية تحتاج إلى شجاعتين، الأولى إقناعه بالكلام، والثانية إقناعه بأهمية الكلام وجدواه”. رأى رياض شرارة ان منصور “لا يجد فائدة من الظهور، كما انه لا يؤمن بحوار الانسان مع الآخرين لأنه سيكون كحوار الطرشان، لذلك فان الذي يريد قوله يقوله على الورق فقط”، وتساءل: هل يكون تكليف عاصي بمهمة النطق باسم الأخوين هو بمثابة الوصاية، فردّ منصور: “هي نوع من الهرب من جانبي، وتحميل عاصي مسؤوليات أكبر”، أهمها “مؤتمرات الحكي والجدل”، وهذه المسألة تتوافق مع طبيعته الشخصية، و”ليس ليس لها أي علاقة بالإنتاج”.

تابع منصور الكلام، وأضاف موضحاً: “اننا نؤلف ونلحن معا. مرات كثيرة ألحن ما ألفه عاصي، ومرات أؤلف وألحن لوحدي، ومرات أيضا عاصي يؤلف ويلحن منفردا، وهكذا دواليك. أحيانا يسألني الأصدقاء عن أغنية على أساس ان عاصي صاحبها، فتكون النتيجة انني انا الذي ألّفتها ولحّنتها، او اشتركنا في تلحينها. صحيح أن كل عمل يحمل هوية صاحبه، لكن في النهاية اسم الأخوين رحباني هو الذي يظهر للعالم، ولم أصرّح لأحد بأن هذه الأغنية من تلحيني أو تلحين عاصي كي يعرف الناس طبيعي الخاص من طابعه الخاص، انما الناس تحب ان تنسج الحكايات لأنها تحب الفنان، وتحب ان تصل الى ابعاده الخاصة، كي تكوّن من خلال اللحن أو من خلال الكلمات فكرة عن شخصيته”.

يعود هذه الحديث إلى ربيع 1972، قبل انفجار دماغ عاصي يوم الأربعاء 27 أيلول/سبتمبر، وقد تبدّلت الأمور بعد هذه النكبة. كان عاصي يقود الأوركسترا في الحفلات العامة، وكان منصور يقودها في البروفات، واثناء التسجيلات في الاستديو، وبعد مرض عاصي، اضطر منصور إلى الخروج من الظل إلى الواجهة. نُقل عاصي إلى باريس، وقام من الموت بأعجوبة، لكنه قام متعبا. وعانى من تورم في المجرى الهوائي، ونُقل من جديد إلى باريس لإكمال العلاج، وعاد إلى موطنه ليتابع مع احدى المعلمات الاختصاصيات أخذ دروس خاصة في القراءة والكتابة وتعليم أسماء كل الأشياء من جديد بعد اصابته بما يشبه فقدان الذاكرة، كما راح يتمرن على العزف على البزق من جديد. أثناء هذه الحقبة العصيبة، خرجت “المحطة” إلى النور على خشبة مسرح “البيكاديللي” في نهاية شباط/فبراير 1973 في غياب عاصي، وكتبت “الشبكة” قبل عرضها: “ما هو دور عاصي الرحباني في “المحطة” الرحبانية؟ هل سيواجه الجمهور عملا رحبانيا غاب عنه كبير الرحابنة؟ الجواب هو ان عاصي لم يغب عن “المحطة” التي اشترك في تأليفها مع شقيقه منصور منذ حوالي سنتين، كما اشترك مؤخرا بوضع لحن فيها بعد شفائه”، والمقصود هو لحن “ليالي الشمال الحزينة”.

بعد العرض، وجّه جورج إبراهيم خوري إلى منصور كلمة تقول: “لن أقول لك: اعذرني إذا صارحتك بأن الناس كانوا يعتقدون في السابق ان اسم الأخوين رحباني لم يكن يعني سوى عاصي الرحباني. لن أطلب الاعتذار لأن هذه هي الحقيقة التي كانت في نظرهم. أما في نظرنا نحن، فالحقيقة تختلف. نحن نعرف ان اسم الأخوين رحباني يعني عاصي ومنصور، وأن الثقل والوزن والكفاح يتقاسمانه مناصفة. لكن، لماذا كان الناس يأخذون هذه الفكرة عنك؟ لأنك، بكل بساطة، كنت تختبئ دائماً في ظلّ أخيك، ولم يكن أحد يطرح سؤالا عليك الا وتجيبه: اسأل عاصي. أنت نفسك قلّصت نفسك بنفسك. وقد آن الأوان لأن تخرج إلى النور، وتقول للناس: أنا منصور، وأنا المحطة، وأنا شقيق النجاح”. في نيسان/ابريل، عاد عاصي إلى لبنان، وقام جورج إبراهيم خوري بتهنئته على “المحطة”، فردّ وقال: “لا تهنئني أنا. أنا لا دخل لي فيها. انها من شغل الأخوين منصور والياس”. بالفعل، يلاحظ المتتبع أن مشاركة الياس في أعمال الأخوين التي سبقت عام 1973 اقتصرت على عناوين معدودة للغاية، وبلغت الثمانية ألحان في “المحطة”. تكرّر هذا الأمر عند تقديم “قصيدة حب” في بعلبك، وخرجت الإعلانات الأولى لأول مرة باسم “الاخوة رحباني”، غير أن هذه الإعلانات اختفت بسرعة البرق. عاد اسم “الأخوين رحباني” ليحل من جديد، وعندما جمع عادل مالك فريق عمل “قصيدة حب” في حوار تلفزيوني، اكتفى عاصي بالقول: “بيقولو إني عملت قطعتين”. بعد “قصيدة حب”، عُرضت مسرحية “لولو” في بيروت في العام التالي، ثم انتقلت كما جرت العادة إلى دمشق حيث شاهدها محمد عبد الوهاب الذي حرص على تهنئة عاصي بالعمل الجديد، فردّ وقال: “منصور هو صاحب لولو قصة وحوارا وشعرا ولحنا”، كما نقل شفيق نعمة في “الشبكة”.

رغم خروجه عن النهج السابق، واضطراره إلى لعب دور “الحكوجي” بسبب مرض شقيقه، ظل منصور أميناً على النهج السابق، متشبثاً باسم “الأخوين رحباني”. في كانون الثاني/ ديسمبر 1977، خرق عبد الغني المحظور وسأل منصور الرحباني: “الحقيقة والواقع يقولان عاصي توقف. وأنت تصر على ديمومته. هل من حماسك هذا اعتراف له بجميله السابق وتفوّقه، أم ان هناك سبباً آخر؟”. فقاطعه منصور، وقال: “لا، لا أحب هذا السؤال”. ثم أجاب وهو “يخفي في عينيه لوم الأحبة”: “عاصي ما زال كما كان، وبذهنية جديدة أيضاً، وما زال يحتفظ بقدرته على الابداع والخلق الشعري والموسيقي. الكلام بين الناس حوله مغلوط. عاصي أحسن مني ومنك. لكن بعضهم لا يصدق ذلك، لأنه في نجاته معجزة ربانية. عاصي اشترك في كل المسرحيات التي كتبناها بعد إصابته وكان دوره فعالاً، وأحيانا، أهم من أدوارنا. وقد رآه العديدون على المسرح في الأردن يحرك الممثلين. وقد قاد الأوركسترا الرحبانية في أكثر من مكان. لا تتوهموا، انه بخير”.

واصل المحاول الحديث، وسأل منصور: “في أعمالكم الماضية كنت العسكري المجهول، وبعد إصابة عاصي أصبحت مشهورا، وبجدارة. قيم نفسك؟”. فردّ بالجواب التقليدي المعروف: “عاصي له انتاج منفرد، وأنا لي اتاج منفرد. لكن العمل يأني موحدا تحت اسم الأخوين رحباني. على كل حال، أنا لا أستطيع أن أقيم نفسي فالناس هم الذين يحكمون علينا سليا وايجابا، واعتقد ان الكثيرين يحبوننا ويحرصون علينا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*