قراءة في كتاب جوزفين كوين الجديد: لا وجود للفينيقيين في التاريخ وهم اختراع هيرودوت

جستان ماروزي
النهار
16012018


اشتهروا في العالم القديم بأنهم كانوا تجّاراً مغامِرين لا يهابون شيئاً – لكن حقيقتهم تبقى عصيّة على الإدراك إلى حد كبير.

إذاً لم يكن للفينيقيين وجود. هيرودوت، ملفِّق الأكاذيب غير الموثوق، اخترع كل شيء في كتابه “تواريخ”. هل هذا فعلاً ما تقوله جوزفين كوين أم أنها مجرد حيلة ماكرة لافتعال ضجة وإثارة غضب فرقة الـ”هيرودوتيين” الآخذة في التناقص؟

لأن كوين، أستاذة التاريخ القديم في جامعة أكسفورد، تعلن أن مهمتها ليست إنقاذ الفينيقيين من “عتمتهم غير المستحَقّة” بقدر ما هي تقديم الحجج على أنه لم يكن هناك وجود لهذا الشعب. فقد كتبت “القومية الحديثة هي التي صنعت الفينيقيين”، مشيرةً إلى مؤرّخين فرنسيين وإنكليز وألمان من القرن التاسع عشر تحدّثوا عن “الشعب” و”الأمة” الفينيقيَّين في عصر الدولة القومية.

الفينيقيون هم الشخصيات الأشد ضبابية والأكثر عصيّة على الإدراك بين شخصيات ما قبل التاريخ، ولعله أمرٌ مفهوم ومبرّر في حالة هذه الجماعة التي عاشت بين عامَي 1500 و300 ق.م.، ولم تترك الكثير من الإثباتات الأدبية أو الأثرية. لا يُعيرهم المؤرّخون الكلاسيكيون الكثير من الاهتمام. الصيف الماضي، كنت موجوداً في محاضرة ألقاها جون يوليوس نورويتش على متن سفينة. وقد كان حديثه عن تاريخ المتوسط، من الأزمنة القديمة إلى التلوّث الذي تتسبب به السفن السياحية اليوم، رائعاً جداً. اعترف بعدم اهتمامه بالفينيقيين، مكتفياً بالتطرق إليهم بصورة شديدة الاختصار. كان يكفي أن تطرف عين الحاضرين قليلاً ليُفوّتوا ما قاله عنهم. لا تزال أمجاد اليونان القديمة وروما القديمة تسيطران على المشهد كاملاً.

ومع ذلك، ها هم الفينيقيون في قلب التاريخ المتوسطي القديم، نوعٌ من اتحاد كونفدرالي مؤلَّف من تجّار ومستكشفين بحريين لا يردعهم شيء، كانوا يتمركزون في شرق المتوسط حيث كانت تقع مدنهم الكبرى بيبلوس وبيروت وصور وصيدا وأرواد. دخلوا المرحلة الأدبية – التاريخية من خلال ذكرهم في الصفحة الأولى من كتاب “تواريخ” لهيرودوت، أب التاريخ الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. كتب هيرودوت أنهم جاؤوا في الأصل من البحر الأحمر، واستقرّوا في المتوسط، وبدأوا على الفور “خوض مغامرات في أسفار طويلة، محمّلين مراكبهم ببضائع من مصر وبلاد آشور”.

كان تأثيرهم واسعاً على الصعيدَين الفكري والجغرافي، ويبدو أنهم علّموا الإغريق الأبجدية وأنشأوا مستعمرة قرطاجة الفينيقية الشهيرة. كتبت كوين: “نُسِب إليهم الفضل في اكتشاف كل شيء من النجمة القطبية إلى القشدة المتخثّرة”، مشيرةً إلى حنكتهم في تجارة خشب الأرز المأخوذ من جبل لبنان، فضلاً عن المعادن والعاج والزجاج المشغولة بأسلوب جميل. يُشيد العهد القديم والإلياذة على السواء بالبراعة الفنية للفينيقيين، من خلال الحديث في العهد القديم عن بناء معهد سليمان في القدس وزخرفته، والإشارة في الإلياذة إلى الإناء الفضّي الأجمل في العالم الذي قُدِّم كجائزة في المسابقات التي رافقت تشييع باتروكلوس.

 يستكشف كتاب “بحثاً عن الفينيقيين – منشورات جامعة برنستون – 2017”  الروابط التي جمعت في المقام الأول بين الشعب واللغة والدين، مع التشديد على غياب الروابط بالاستناد إلى الأمة والإثنية، إلى درجة أنه يمكننا أن نستشفّ أن نظرة الفينيقيين إلى أنفسهم وروابطهم ومجتمعاتهم استندت إلى المدن والعائلات والممارسات الدينية أكثر منه إلى أي شيء آخر. على سبيل المثال، كانت عبادة ملقارت، أحد آلهة مدينة صور، والمعروف بهرقل لدى الإغريق، تشكّل رابطاً بين المستوطنات الفينيقية في مختلف أنحاء المتوسط، فضلاً عن الدياسبورا اليونانية. يبدو أن عبادة بعل حمون (كرونوس باليونانية، وفي شكل عام ساتورن باللاتينية)، التي تقوم على التضحية بالأبناء، لم تنتشر بالدرجة نفسها.

لم يكن أحد يسمّي نفسه “فينيقياً”، لأن كلمة “فينيق”  هي كلمة يونانية تعني شجرة النخيل. وفقاً للأدلة المتوافرة، أول شخص عرّف عن نفسه بأنه فينيقي كان الكاتب هيليودوروس من إميسا (أي مدينة حمص السورية اليوم) في القرن الرابع.

تُحقّق رواية كوين وقعها الأقوى عندما تستخدم الكاتبة نقاط قوّتها كمؤرِّخة وعالمة آثار (تشغل منصب مديرة مشاركة للحفريات في موقع أوتيك أو عتيقة المعاصرة في تونس)، كي تناقش هوية الفينيقيين المحتملة، وتشقّ طريقها عبر مجموعة متنوّعة من الأدلّة الأثرية والفنية واللغوية والأدبية والدينية والنقشية والمتعلقة بالعملة والمسكوكات – أو غياب هذه الأدلة – من أجل التوصل إلى رؤية أوضح عن هذا الشعب المحاط بالغموض. لا تألو كوين جهداً على الإطلاق بحثاً عن أي دليل، بدءاً من الأنقاض الأثرية والنقوش الجنائزية وصولاً إلى الشِّعر والمسرح، في إطار سعيها لفهم كيف أصبح الفينيقيون شعباً، ولعلهم أصبحوا كذلك بعد انقضاء الزمن الذي عاشوا فيه.وتخلص إلى أن العقود الأخيرة شهدت الكثير من العمل “الشيّق” عن الهوية، إنما ليست هناك أعمال وافية عن “مفهوم الهوية”. قد يردّ البعض أن مجال التأمل المفرط في الذات الذي يقوده الأكاديميون هو في أسوأ حالاته على الإطلاق. إن خطر الغرق في نقاش لا ينتهي فصولاً عن الهويات “المتعددة والمجزّأة والمرنة” هو أنه يقودنا بعيداً من السردية التاريخية التي يحبّذها القارئ العام، ويدفع بنا نحو المصطلحات السوسيولوجية التي يحبّذها الاختصاصيون. واللغة هي ذات أهمية. فقد لفتت أوبري دو سيلينكور، وهي من أفضل مَن ترجم كتاب “تواريخ” بأسلوب أنيق، إلى أن “نثر هيرودوت يتّسم بالمرونة والسهولة والسحر التي يتميز بها رجل يتكلم بطريقة رائعة”. قلّة من المؤرّخين تمكّنت من مضاهاة الكتاب.

في نهاية المطاف، كوين محقّة حكماً في مقاومتها لقومية عفا عليها الزمن أُلصِقت بهذه الجماعة القديمة المتنوّعة جغرافياً وثقافياً. لكن يمكن القول بأنها تصرّ اليوم على إعطاء الفينيقيين هوية مطواعة ومرنة بقدر إصرار القوميين الأوروبيين في القرن التاسع عشر على تعريف الفينيقيين بأنهم شعب. وفي ذلك دليل على أننا جميعنا نتاج الزمن الذي نعيش فيه – بدءاً من هيرودوت الشديد الحماسة وصولاً إلى الأكاديميين الحذرين في العصر الراهن.

ترجمة نسرين ناضر

صحافي ومؤرخ إنكليزي

The Spectator – 13-1-2018

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*