المفارقات المزمنة للثورة الإيرانية على «حزب رستاخيز»

 


وسام سعادة
Jan 08, 2018

 

 

قامت الثورة الإيرانية 1978 ـ 1979 على مفارقات لم تستطع تصفية الحساب معها إلى اليوم. فهذه الثورة، هي، وإلى حد كبير، رابعة أربعة، في التاريخ الحديث للثورات، إن من حيث اتخاذ الثورة في هذه التجارب سمة انقلاب «تتلاطم» أمواجه، ويشمل المجتمع بأسره، وبأسر كونيّ عميق، وليس فقط الإطاحة بنظام حكم، أو «تعبئة» الشرعية من بعد نضوبها.. أو من حيث وفرة أنماط المحاكاة، في الثورة الإيرانية، لسابقاتها.
وليس المقصود بالمحاكاة هنا «التمثّل»، بل «تناسخ الأرواح»، و»استعادة» أخيلة ومقولات كما لو كانت الثورات فصول لتراجيديا واحدة تتعاقب على المسرح نفسه، ومحكومة بشيء من «رجعة» الشخصيات، بحيث يمكن تعيّن ملامحها من ثورة إلى الثورة، كمثل رصد «انبعاث» روبسبيير ودانتون ومارا بين أحداث وشخصيات الثورة الروسية، أو انبعاث بوخارين وتروتسكي وزينوفييف في مرايا الثورتين الصينية والإيرانية، أو إعادة كتابة «إعلان الحقوق» لإخراجه من «تجريد» المواطن العام، في الحالة الفرنسية، إلى المواطن الشغيل، في الحالة الروسية، إلى المواطن التقي والذي يمكن أن تختزل حقوق إنسانه في الحيّز الدنيوي، في الحالة الإيرانية.
وهنا فارق أساسيّ بين مقال الثورات الفرنسية والروسية والصينية وبين الثورة الروسية. فالتجارب الثلاث اجتمعت على تركة عصر التنوير الفلسفية (إعادة تأسيس العلاقة مع الأشياء على قاعدة حجّية العقل، المستقى بدوره كعقل من عالم الطبيعة، إنما كمقيم لعالمه هو، عالم الحرّية، الدنيوية بشكل ناجز، في وجه الطبيعة)، وعلى تجذير وتوسيع مدارك التنوير (من البرجوازية إلى البروليتاريا، ومن أوروبا إلى آسيا). أما الثورة الإيرانية، فقد تمازجت فيها تركة «تجذير التنوير» هذه، مع تركة نقض أساساته، وهو تمازج يجعلها، إلى جانب المسرح التراجيدي المشترك التي تتنازعه مع الثورات الفرنسية والروسية والصينية، تحاكي أيضاً، على طريقتها، نماذج الثورات التي نبتت على أرضية بروتستانتية، ما قبل عصر التنوير (الثورة الإنكليزية)، أو بالتفاعل عن بعد معه (الثورة الأمريكية)، هذا مع رفعة إسهام هاتين الثورتين الإنكليزية والأمريكية، «الملتبستين» في علاقتهما مع تركة عصر التنوير الفلسفية، الأولى لنشوبها قبل هذا العصر، والإثنتان لأهمية مرجعيتهما الدينية «الإحيائية» لأسفار العهد القديم، أو الباحثة في هذه الأسفار عن «نظرية سياسية». بل أنّ الإسهام الدستوريّ، للثورتين الإنكليزية والأميركية، يزيد أهمية عن الإسهام الدستوريّ لثورات «تجذير وتوسيع» التنوير (الفرنسية، الروسية، الصينية).
ولئن كانت الحالة الإيرانية، لا تقارن أبداً بطبيعة الحال، بالمساهمتين الدستوريتين الكونيتين، للثورتين الإنكليزية والأميركية، إلا أنّ ما يميّزها أيضاً عن «ثورات التنوير وتجذيره»، القاريّة، هو «استقرار» القالب الدستوريّ الذي رست عليه، منذ نهاية السبعينيات إلى اليوم، والمحكوم بالمزاوجة بين نظرية ولاية الفقيه المطلقة الشرائط وبين النظام الرئاسيّ الجمهوريّ، وعدد من المجالس (الشورى، تشخيص مصلحة النظام، مجلس صيانة الدستور، مجلس خبراء القيادة).
بما أنّ الثورة الإيرانية حاكت إلى حد كبير الثورات القاريّة، فقد تشرّبت الكثير من أنساق «تجذير التنوير» في الوقت نفسه التي تجذّر فيها رفض التنوير نفسه، أو بالأحرى تشرّب أنساق «التنوير المضاد» التي تشدّد على الخصوصية بوجه الكونية، بل دفع التنوير المضاد إلى حالة قصوية لم يبلغها في متنه الأوروبي، من خلال إعادة تعريف العقل نفسه، فلا يعود مستقى من عالم الطبيعة، بل من عالم ما ورائها، بل من عالم ما وراء القبر، ومن انتظارات الظهور والرجعة والقيامة والمعاد، أي بإعادة تقييمه كعقل، بوصفه أداة ملكية للمسارات الأخروية (الإسكاتولوجية) بإمتياز. ارتبط ذلك مع إحياء نظرية «الملك ـ الفيلسوف» الأفلاطونية، التي شكّلت الوعاء الميتافيزيقي لنظرية ولاية الفقيه عند الإمام الخميني، بما طرحه هذا من إشكال حقيقي، من أين يؤتى بـ»ملك ـ فيلسوف» في كل مرّة؟
بيد أنّ مفارقة الثورة الإيرانية أواخر السبعينيات لا تنحصر في طابعها الإشكاليّ هذا. مفارقتها أنّ ردّ على «ثورات من فوق» أعلنها الشاه محمد رضا بهلوي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. وهي «ثورات من فوق» قادها الشاه، لكنها لم تكن ثورات «معزولة»، وأكثر، كانت ثورات ممهورة بختم الإمبراطور، إنّما أشبه ما يكون بـ»صراع طبقي». فـ»الثورة البيضاء»، أو «ثورة الملك والشعب»، التي أعلنها الشاه عام 1963 وتضمنت الإصلاح الزراعي، وضعته في مواجهة كبار الملاك العقاريين، أما «ثورته الثانية» في منتصف السبعينيات، فوضعته في مواجهة البرجوازية البلدية، وخصوصاً تجار البازار.
ولعلّ الذروة في هذه «السمة الثورية»، البونابرتية بالأحرى، لمحمد رضا بهلوي، ايثاره، عام 1975، الغاء نظام التعددية الحزبية، وتأسيس «حزب البعث»، أو بالفارسية، «حزب رستاخيز»، الذي اتخذ من ثلاثية «الشاه، الشعب، الثورة» شعاراً له، وجمع في بيانه بين عبارتي «قانون اسلامي» و»نظام شاهنشاهي». تباهى هذا الحزب في الأشهر السابقة على سقوط الشاه بأنّه يضم ما يزيد عن خمسة ملايين منتسب، مثلما لعب الحزب بالفعل دوراً تعبوياً لتظاهرات مؤيدة لإستمرار الشاهنشاهية. لم تكن مشكلته في انقطاع القاعدة الشعبية عنه، بل في «رعب» البرجوازية منه. البرجوازية نفسها التي اعتبرها الزعيم الشيوعي البلغاري جيورجي ديمتروف تأتي بالفاشية عندما تشعر بالخطر على مصالحها ووجودها، بحيث تكون الفاشية بحسب ديمتروف هي الوجه المسعور لديكتاتورية رأس المال، حين لا يعود الشكل البرلماني الدستوري يفي بالواجب. لكن ما حدث في إيران بعد تأسيس «حزب رستاخيز» أنّ البرجوازية هي التي نظرت إلى هذا الحزب الواحد، «الثوري»، التخليطيّ بين الإسلام، والقومية الفارسية الإمبراطورية، والشعبوية البرجوازية الصغيرة، على أنّه «فاشية» ضدّها. لم تخف البرجوازية الإيرانية نهاية السبعينيات من «الشيوعية» كي تستعين بـ»الفاشية»، بقدر ما خافت من «المنعرج الفاشي» للشاه، بعد تأسيس «حزب رستاخيز». هذا الحزب الذي سمّى نفسه بما يفيد البعث والقيامة عجّل بسقوط أسرة آل بهلوي، التي لم تعرف منذ قيام حكمها عام 1925، إلى أي قاعدة إجتماعية ترتكز، وعلى أي طبقة اجتماعية تستند. في المقابل، ما جعل التجربة الخمينية مديدة في إيران، كان تدارك الإمام للأمر، من بعد تأسيس حزب طليعي في البداية، «الحزب الجمهوري الإسلامي»، أي «رستاخيز الخمينية»، ومبادرته قبل سنتين من وفاته، إلى حلّ هذا الحزب، الذي كان من المنظمين له محمد بهشتي وأكبر هاشمي رفسنجاني وعلي خامنئي.
كانت الثورة الإيرانية إذاً «ثورة على ثورات الشاه». لم يكن نظام الشاه «تقليدياً» أو «محافظاً»، كان نظاماً بونابرتياً بامتياز، و»ثورياً» بهذا المنحى. وفي المقابل، وجد همّ أساسي عند الخميني، يحاكي فيه همّ الثورتين الروسية والصينية: كيفية تحاشي وصول الثورة إلى «مرحلة بونابرتية». روضت الدولتان المنبثقتان عن ثورتي روسيا والصين هذا الخطر البونابرتي إلى أبعد حد، فلم يحدث مثلاً أنّ استلمت قيادة الجيش الأحمر زمام الأمور في الاتحاد السوفييتي، و»نابليونات» هذا الجيش، إما أعدموا كتوخاتشيفسكي، أو عزلوا من بعد مجد، كجوكوف. هنا، لعبت مؤسسة الحزب الشيوعي الدور الأساسي في احباط أي احتمال بونابرتي. لكن ماذا عن إيران، وماذا عنها تحديداً اليوم.. برسم الأيام المقبلة قد يكون هذا السؤال. هل يمكن أن تعرف تجربة «حرس الثورة» فيها مآلاً بونابرتياً متأخراً؟ تاريخ إيران في القرن الماضي كان تاريخاً يعج بالنزعات البونابرتية، والانقلابات العسكرية، بل أن وصول آل بهلوي في الأساس إلى السلطة عام 1925، أتى في هذا السياق. كان رضا بهلوي يمني النفس برئاسة جمهورية وقتها، لولا أن رجال الدين جاءوا يطالبونه بإعلان نفسه شاهاً، لأنهم لا يريدون مصطفى كمال علمانوي في ديارهم. بالتأكيد، لا خبز اليوم في إيران، لأي من ذرية رضا بهلوي، لكن هل بالمستطاع القول أنّ لا خبز للمشاريع البونابرتية، ممتزجة بخلفيات مهدوية؟ هل يمكن أن تبقى الأمور تحت سيطرة نظرية «الملك ـ الفيلسوف»، وفي منأى عن اغراءات «الضابط المنقذ»؟ سؤال لسنوات إلى الأمام.

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*