شاكر أبو سليمان، تحيّة!

كما اليوم  في 21 تشرين الأول 2000 كان مأتم شاكر أبو سليمان في قريته التي أحب “المتين”

.شاكر أبو سليمان رجل من تلك الطينة اللبنانية التي  وإن تقسو عليها الأيام تتماسك تماسك  السنديان بينما  تبدو طينا سهل العجين

ومن طينته غسان التويني وتقي الدين الصلح ومحمد السماك والبطريرك إلياس الرابع  معوض ابن أرصون  والمطران جورج خضر  والمنسنيور إينياس مارون وكل هؤلاء شكلوا و”فد دولة لبنان” الى المؤتمر الإسلامي في لاهور في باكستان عام 1974.

شاكر لن أتحدث عن مزاياك فقد سبقني  كثيرون وربما هم أدرى بك وبعلمك وشجاعتك وصبرك وانفتاحك وإصرارك على الحوار حتى مع الخصم مهما بلغ الخصام  بل   أهديك هذه المقالة القصيدة التي صاغها  البطريرك الياس معوّض بطريرك العرب والتي نقلها إلينا الأستاذ محمد السمّاك أطال الله عمره.  وما من شك أنك عشت
. قصيدة “الموقف العنيد” لأنك كنت هناك في لاهور كبيرا  الى جانب كبار

شربل نجار

كتب الأستاذ محمد السماك في مجلة الأسبوع العربي الصادرة بتاريخ 2 / 7 / 1979 مقالاً تحت عنوان\” صلاة البطريرك الياس الأخيرة:رجائي أن لا أرى التهامي سفيراً في القدس \”.
وذلك بعد انتقال غبطته بأيام قليلة :

(( في شباط ـ فبراير ـ من عام 1974عقد في مدينة لاهور في باكستان المؤتمر الثاني للقمة الإسلامية , وكان بين الذين حضروا إلى لاهور بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس الياس الرابع , كان حضوره ظاهرة في حد ذاتها .
فهو أولاً ليس رئيس لدولة , والمؤتمر كان على مستوى القمة , أي الملوك والرؤساء في العالم الإسلامي , وهو لم يكن مسلماً , والمؤتمر كان مؤتمراً إسلامياً , وهو لم يكن سياسياً , والمؤتمر لم يكن مؤتمراً لرجال الدين , ومع ذلك أصر البطريرك الياس الرابع على أن يشارك في المؤتمر , وأن يلقي كلمة في جلسة عامة .
كان رئيس الوفد اللبناني إلى المؤتمر رئيس الحكومة في ذلك الوقت تقي الدين الصلح , وقد أخذ على عاتقه قبل مغادرة بيروت إلى لاهور , وبعد سلسلة من الاجتماعات التي لم يعلن عنها , والتي عقدت في القصر الجمهوري بمشاركة الرئيس الأسبق شارل حلو , تسهيل مهمة البطريرك الياس الرابع , ولأن المهمة لم تكن سهلة , فقد رافق البطريرك إلى لاهور غسان تويني سفير لبنان الحالي لدى الأمم المتحدة , كما رافقه المونسنيور مارون , حتى تكون كلمة البطريرك في القمة الإسلامية باســــــم المســـيحـيــيـن العــــرب وليس باسم المسيحيين الأرثوذكس .
الاتصالات التي جرت وراء كواليس المؤتمر قبيل الافتتاح شملت كل الزعماء العرب , بمن فيهم الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز , وكان الرئيس السوري حافظ الأسد أكثر الزعماء تحمساً لمهمة البطريرك , إلا أن العقبة الرئيسية تمثلت في موقف الأمانة العامة للمؤتمر , وفي ذلك الوقت كان الأمين العام حسن التهامي .
برر التهامي معارضته الشديدة لمهمة البطريرك الياس الرابع بحجة أن البطريرك \” يتجاوز حدوده كثيراً \” … وهو \” يعتقد أن القمة الإسلامية مجمع بطاركة \” … و … \” لا يا أفندم … مش ممكن نسمح لسعادته دخول قاعة المؤتمر \” .
وقد حرض التهامي وفود العديد من الدول الإسلامية الأفريقية والآسيوية وحتى العربية ضد البطريرك , وضد مبدأ مشاركته في المؤتمر , وبرر ذلك بقوله : \” ماله ومال المسلمين … ماله … ومال القدس \” , وذهب حسن التهامي إلى حد مطالبته السلطات الباكستانية سحب تأشيرة الدخول التي منحتها له السفارة الباكستانية في بيروت , بحجة أن وجوده يعكر المؤتمر , حتى أن الصحافة الباكستانية تهجمت عليه بطلب من التهامي .
وعلى الرغم من ذلك تم ترتيب لقاء بين البطريرك الياس الرابع وحسن التهامي في إحدى قاعات الفندق الذي خصص للوفود , وخلال ذاك اللقاء , قال البطريرك : أنا لست متطفلاً … ولست طائراً خارج سربه , أنا هنا كمسؤول مسيحي عربي , أريد أن أقول كلمة المسيحيين العرب ليسمعها العالم كله .
فسأله التهامي : ولكن بأية صفة ؟ … إذا فتحنا باب المؤيدين لقضية القدس فإننا سنضطر إلى دعوة الكثيرين من المؤيدين من ممثلي المؤسسات والمنظمات والأحزاب والجمعيات في الشرق والغرب , وإذا كنا نريد أن نفتح الباب للكنيسة الأرثوذكسية كمؤيدة لنا , فإن هناك كنائس أخرى , وأديانا أخرى مؤيدة لنا أيضاً , يجب أن نفتح لها الباب كذلك .
هنا لم يتمالك البطريرك أعصابه , وصرخ بأعلى صوته في وجه حسن التهامي قائلاً : هل تصفني كمؤيد لقضية القدس ؟ إن القدس قضيتي قبل أن تكون قضيتك, إنها لي قبل أن تكون لك , أنا كمسيحي عربي أريد تحرير القدس من الاحتلال الصهيوني الذي يدنس مقدساتنا ويحتل أرضنا , أنا لست مؤيداً , أنا صاحب قضية , وهذا المؤتمر هو منبر لي لرفع صوتي من أجل قضيتي. ً
التهامي : أنا أقدر عواطفك … إنما ده مؤتمر إسلامي مخصص للقدس .. مش مؤتمر مسيحي ..أرجوك أن تفهمني .
البطريرك الياس الرابع :إن كل مؤتمر يهدف إلى تحرير القدس هو مؤتمر لي , أرجو أن تفهمني .
ولكن لا التهامي فهم البطريرك , ولا البطريرك يئـس من مساعيه , وبتدخل من الرئيس حافظ الأسد , أوعز الملك فيصل رحمه الله للتهامي , فدخل البطريرك الياس الرابع قاعة مجلس النواب في لاهور , حيث عقدت القمة الإسلامية , وألقى وهو مجلل بثيابه الكهنوتية الكاملة كلمة المسيحيين العرب في موضوع تحرير القدس .
وكان من الطبيعي أن يثير ظهور البطريرك في القاعة بصلبانه العديدة المعلقة حول عنقه, خصوصاً وأن التلفزيون الباكستاني كان ينقل وقائع الاحتفال مباشرة , صدى اهتمام واسع في الباكستان , فأوفدت كبرى الصحف المحلية ـ باكستان تايمز ـ سكرتير تحريرها لإجراء مقابلة مع البطريرك. وفي جناحه في الفندق جلس البطريرك ينتظر الصحفي بعدما طلب مني ـ رحمه الله ـ أن أتولى الترجمة بينه وبين الصحفي , كان الطقس حاراً , فحرص غبطته على أن يرتدي ملابس خفيفة , ولكن عندما أراد الصحفي الباكستاني أن يلتقط صوراً لغبطته , استمهله البطريرك دقائق قليلة حتى يرتدي ملابسه الدينية الكاملة .
وفيما كان البطريرك يبدل ملابسه في غرفة نومه , كانت مناسبة عرف خلالها الصحفي الباكستاني أنني زميل له في المهنة ولست مرافقاً للبطريرك , وأنني مسلم , وأن اسمي محمد , ولست من أتباع كنيسة البطريرك , ولما عاد غبطته إلى صالون جناحه حيث كنا في انتظاره , كان بهندامه البطريركي الكامل , باستثناء الأيقونات والصلبان الفضية التي يعلقها حول عنقه , وأمام الصحفي الباكستاني طلب مني غبطته أن أساعده على تثبيت حلقاتها ليكون جاهزاً للمصور.

غضب الصحفي الباكستاني واضطرب , وهو يشاهد مسلماً يقوم بهذه العملية , وبدأ يوجه إلي النقد الجارح باللغة الإنكليزية ويتهمني بالكفر والزندقة … وإلى آخره …, ولما طلب مني البطريرك أن أترجم له كلام الصحفي الباكستاني … قلت أنه يبدي إعجاباً بملابس غبطتك , فقال غبطته : ولكن لماذا امتقع لون وجهه هكذا ؟ ولم أستطع إلا أن أقول له الحقيقة , وخلافاً لما كنت أخشى وأتوقع , فقد ألقى غبطته على الصحفي الباكستاني محاضرة في نظرة الإسلام إلى المسيحية , واستشهد بآيات من القرآن الكريم عن المسيح ,والسيدة مريم , والحواريين أنصار الله وقال له : نحن الحواريين أنصار الله .. ولذلك جئت إلى القمة الإسلامية من أجل العمل على تحرير القدس .

منذ ذلك الوقت وأنا أتردد على البطريرك الياس الرابع في مقره في دمشق , وكان آخر لقاء قد حدث بعد التوقيع على اتفاقيتي كمب ديفيد ( أيلول 1978 ) وقبيل التوقيع على المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية ( آذار 1979 ) , وكان دور حسن التهامي في الاتصالات المصرية ـ الإسرائيلية قد أصبح معروفاً .. سواء الاتصالات التي سبقت زيارة السادات لإسرائيل ( تشرين الثاني 1977 ) أو التي أعقبتها .

فسألني البطريرك بحسرة وألم : هل معقول هذا الذي يحدث ؟ وهل يمكن لشخص تولى الأمانة العامة للمؤتمر الإسلامي أن يلعب هذا الدور القذر ؟ قلت له : ياسيدي إن حسن التهامي مرشح ليكون أول سفير لمصر في إسرائيل , فقال : يعني في القدس ؟ قلت :نعم في القدس .. تنهد طويلاً … وكأنه قفز بالذاكرة من دمشق إلى لاهور , واسترجع ماحدث في عام 1974, ثم قال : إني أصلي حتى لا يحقق الله له هذه الأمنية .
الآن … وقد أغمض البطريرك عينيه … هل يستجيب الله إلى صلاته .

محمد السماك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*