“فندق صوفر الكبير” أقدم فنادق لبنان: هل يعود؟

 
المصدر: “النهار”

15 كانون الثاني 2017 | 16:55

لم يكن الأديب أمين الريحاني ليكتب في كتابه “قلب لبنان”، عن أوتيل صوفر الكبير في فقرة تحت عنوان “القصر المنيف”، مقدماً وصفاً دقيقاً للفندق، ولحياة البذخ فيه، لو لم يُطرد منه ولم يسمح له بالدخول لأن ثيابه لم تكن رسمية ولائقة. وصف الريحاني جاء دقيقاً لما كان لهذا المعلم السياحي أهمية استثنائية، جمالياً ومعنوياً، في الوقت الذي لم يلقَ فيه حتى الآن اهتماماً يوازي أهميته الوطنية، وثمة أطر فاضحة، لجهة تعاطي المسؤولين مع هذا الأثر العمراني النادر، في جماله وضخامة بنائه، وما يحمل من قيمة فنية، تستحضر فن النحت والبناء الذي كان قائماً قبل نحو مئة سنة، وهو يشكل مزيجاً من حضارات متعددة في مجال البناء، تتوزع بين البناء الشرقي والأوروبي في مزيج نادر، يجعل منه تحفة فنية وأثراً سياحياً من المفترض أن تتبناه وزارة السياحة، ضمن الأبنية التاريخية، كمعلم أثري وسياحي.

يجثم “أوتيل وكازينو صوفر الكبير” بمهابة على الطريق الدولية في صوفر، على الرغم مما يطاله من خراب نتيجة الحرب والإهمال بما يجعله عرضة للانهيار في أية لحظة، لتخسر صوفر ولبنان واحداً من أهم معالمها العمرانية والتراثية العريقة، ومما قد يطاله في حال تمت صفقة بيعه، كما يتم التداول في أوساط كبار المستثمرين، وتحويل طابعه التراثي السياحي المرتبط بحقبة معينة من تاريخ لبنان عن صورتها الحقيقية. وأبعد من ذلك يستغرب الناظر إلى الفندق كيف أن اهتمام وزارة السياحة ومديرية الآثار، لم يرقَ إلى مستوى الحفاظ عليه كمعلم سياحي فندقي وتراثي في لبنان، فهذا المرفق الخاص الذي هو ملكية لآل سرسق وبالتحديد ل” الليدي” إيفون سرسق كوكرن، بعد أن آل إليها بالإرث ومنها الى الورثة الآخرين من أبنائها والفروع، فأضحى “ملكية عامة” لأنه يمثل جزءاً حميماً من ذاكرة صوفر والمنطقة، فالبناء الماثل حتى الآن، لا يمكن أن تبتدعه يد فنان أو بنّاء أو حتى فريق عمل هندسي، لأن ثمة زخارف ومنمنمات في البناء الذي شيد في نهـاية القرن الثامن عشر، ما عاد أحد يتقن عملها، فضلاً عن أن الأسقف الصامدة بعد والتي تجمع بين الحديد والخشب وحجارة القرميد والـ “طوب” الحمراء، انتهت منذ أمد بعيد كتقنيات، بعد أن طغى الإسمنت على معالم البناء، منذ منتصف القرن الماضي.
ثمة محطات تاريخية مهمة ما تزال محفورة في الذاكرة، وماثلة في وجدان أبناء صوفر والجوار، لا سيما أنها أصبحت محطات، تمثل بعضاً من ألق غابر، وحضوراً استثنائياً، لبلدة اصطفاها الموسرون وذوو النفوذ والسلطة والجاه، لتكون موئلاً وملاذاً، وفسحة للابتعاد عن صخب الحياة، في سياق موجات التطور التي شهدتها بدايات القرن المنصرم.
وفي هذا المجال، يكاد “فندق صوفر الكبير” أن يكون الشاهد على أهم هذه المحطات محلياً، عربياً ودولياً، وأهمها، أن هذا الفندق، الصامد بواجهته الخارجية الرائعة، فناً وتراثاً ومنمنات وعظمة بناء، تقارب ما هو قائم في العواصـم الأوروبية العريقة، وشبه المهدمة من الجهة الخلفية، شهد حدثاً عربياً مهماً، ربما يفوق في أهميته القمة العربية التي انعقدت في بيروت مؤخراً، ففي إحدى قاعاته، عقد الاجتماع العربي الذي انبثقت عنه “اللجنة العربية العسكرية المشتركة” عام 1944، والتي شكلت النواة أو المقدمة الموضوعية لقيام “جامعة الدول العربية” في العام التالي.
ويعتبر هذا الاجتماع التاريخي، واحداً من أبرز اللقاءات العربية، كونه جاء نتيجة معطيات سياسية وعسكرية، ولو قدر لجدران الفندق وبقايا الأعمدة الشاخصة، رغم سنوات الحرب والإهمال أن تنطق، لجادت بتفاصيل ومعلومات، عما دار في أروقته من أحاديث، ليس في الاجتماع الذي شهد ولادة اللجنة العربية المشتركة وحسب، وإنما في اللقاءات الكثيرة التي جمعت الرؤساء والملوك العرب على مدى خمسين عاماً، لا سيما أن “فندق صوفر الكبير”، كان واحداً من الأماكن القليلة في العالم العربي، المهيأة لاستضافة المؤتمرات ولقاءات القمة على المستويين العربي والدولي.

الإنقاذ
ورغم ما يمثل “فندق صوفر الكبير” من أهمية على المستوى الوطني العام، فإن أحداً لم يتحرك في فترات سابقة لإنقاذه، وحتى أن معلومات سرت في السنوات الغابرة أن إحتمال هدمه إلا أن أحد الورثة وهو رودريك إبن الليدي كوكرين سارع منذ فترة الى البدء ولو ببطء بترميم الطابق السفلي للفندق على أمل أن “يستقبل المناسبات من أفراح وإستقبالات” ويكون بذلك قد رفع خطر إزالة هذا المعلم السياحي التاريخي عن الخارطة. في وقت كان فيه المهندسون وخرائطهم البيانية تُشير الى مخاطر حقيقية تتهدد الفندق، لا سيما إذا ما تم الوقوف على واجـهاته الخلفية، حيث تتبدد الصورة الجميلة لواجهته، التي تتصدر سوق صوفر العتيق، لتظهر مكانها، صورة مختلفة لبناء متفلِّت وبلا سقوف، وجدران على وشك أن تتهاوى، إذ ليس ثمة ما يربطها، بعد انهيارات طاولت الطبقة الأخيرة من الفندق، وعلى الرغم من المخاطر المحدقة، لم يرقَ اهتمام المسؤولين إلى أكثر من اعتباره، كمجرد فندق عادي في سياق. الا أنّ الأمر يستدعي رعاية استثنائية، لمعلم وطني يستأهل أن يكون مصنفاً كأثر تاريخي عريق.
بلديــة صوفـر
في إطار الإطلال على الفندق، أكد رئيس المجلس البلدي في صوفر كمال شيا ل”النهار” أن “فندق صوفر الكبير” تعود ملكيتة لآل سرسق وتملكه حالياً الليدي إيفون سرسق كوكرن، بعد أن آل إليها بالإرث، وأن البلدية قد وضعت إمكانتها في تصرف هذا المعلم التاريخي وهي ستكون مساعدة أساسية في تقديم ما يلزم لهذا الصرح”.
ورأى أن “هذا المشروع يؤكد الطابع السياحي المهم لصوفر، الأمر الذي يدفعنا لمناشدة الجهات المسؤولة في الدولة، من أجل المساعدة أيضاً في ترميم فندق صوفر الكبير، وغيره العشرات من الفنادق والأبنية الأثرية المهمة في البلدة”.

أول كازينو في لبنان
ل “فندق صوفر الكبير”، رخصة كازينو تحمل الرقم واحـد فهذا الفندق شهد قيام أول كازينو في لبنان خلال فترة الحكم العثمـاني، ونتيجة لوجود الكازينو فرض المتصرف مظفر باشا، على بلدية صوفر إقامة حديقة عامة ومسرح صيفي ومخفر يتسع لستين دركياً.
فندق صوفر الكبير استقبل اجتماع “اللجنة العربية العسكرية المشتركة”، فضلاً عن لقاءات للملوك والرؤساء العرب، مما يستدعي بـحثاً تاريخياً توثيقياً، للوقوف على محطات وطنية وعربية وعالمية مهمة.
وبحسب بعض المصادر التوثيقية فإن تسمية “أوتيل صوفر الكبير”، هي تسمية لسلسلة فنادق حول العالم من مصر إلى اليابان، وهي موثقة بكتاب يضم معلومات وصوراً، حول هذه الفنادق التي اشتهرت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ولهذا فأن المؤرخين مدعوون لكشف معلومات كثيرة، مرتبطة بالأوتيل نفسه، وبما حفل به من نشاطات كبيرة ومهمة سياسياً واجتماعياً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*