داء الإنفصال


سمير عطاالله
النهار
20092017

مشروعان لاستفتاء على الانفصال: واحد في كاتالونيا، والآخر في كردستان العراق. ما أكثر هذا الخيار حماقة. الفارق بين اللغة الكاتالونية والاسبانية كالفارق بين اللهجة المصرية واللهجة اللبنانية. لكن الحمق عميق في الإنسان، مصدره الثأر، مصدره الغضب، مصدره الجنون.

امضي وقتاً غير قليل كل عام، في بعض كاتالونيا. وأحبها. ومنذ ان بدأت نغمة الانفصال، تذكرت كيبيك وكندا: تحضّر حديث وثارات همجية قديمة. كيبيك الفرنسية في بحر من الانكلوسكسون، لكنها تريد الانفلات. إلى اين؟ دخلها الأكبر من نيويورك (هيدرو كيبيك)، ودخلها الباقي من 9 مقاطعات كندية. وفرنسا، الأم التاريخية، تبعد عنها جغرافياً محيطاً اطلسياً برمَّته. إلى اين تريد أن تذهب؟

لا تحيا الأمم في ماضيها، وإلا لن يبقى حجر على حجر. وأكثر ما يوحد هو التطور والسلام والوفر، حدث في الولايات المتحدة وأوروبا ما بعد الحرب. وليس صحيحاً ان الوحدة الاوروبية بدأت مع السوق المشتركة، بل هي حلم قديم في فكر كبار الحالمين منذ القرن التاسع عشر، حطمه، وبعثره على الدوام المغامرون والدمويون وقصَّار الرؤية.

زرع شارل ديغول، في خطوة منه غير مفهومة حتى اليوم، جرثومة الانفصال عندما وقف على شرفة البلدية في مونريال يعلن “فلتحيا كيبيك الحرة”. لكن كندا كان لها أيضاً ديغولها، فأعلن بيار اليوت ترودو “حالة الحرب” على مجموعة من الانفصاليين وهواة السياسة ورعناء الرؤية. ولا تزال الجرثومة حيّة. فأنت عندما تترك للدهماء الخيار، تنفلت الشهوات الغريزية من عقالها. والغريزية بطبيعتها تخلط بين الانعتاق والتفلت. والدليل أن رأيا عاماً مثل المجتمع البريطاني، عندما دعي الى الاستفتاء، اقترع للخروج من أوروبا. وفي الولايات المتحدة اختار الناخب الاميركي دونالد ترامب من خلال نظام اقتراع صدىء، في اكثر بلدان العالم تقدماً.

إذا منحتَ “الرأي العام” حرية الاختيار حتى في أكثر المنظومات رقياً، مثل سويسرا، فهو ميال إلى الخروج من شركة الآخر. لذلك، فإن الوحدات تدعو إليها وتصنعها النُخب وذوو الآفاق. والتوحيد الوحيد الذي تم خلال قرن في العالم العربي، كان على يد الملك عبد العزيز، كما كان الاتحاد الوحيد الذي صمد على يد زايد بن سلطان في الامارات. والآن تهدد قطر مجلس التعاون، الذي كان في الطريق الى ان يصبح الوحدة العربية الأولى على النهج الاوروبي. عشرات الوحدات رُفعت عليها اللافتات في المشرق والمغرب، ولم يتم منها سوى التوقيع والصورة التاريخية: أذرع متشابكة ومرفوعة في الهواء، ويد منفرجة الاصبعين على طريقة تشرشل في ربح الحرب العالمية الثانية.

سوريا، التي أعلنت فيها “الجمهورية العربية المتحدة”، ثم اعلن فيها سقوطها، تتقاسم الادوار الرئيسية فيها اليوم، روسيا وايران. وفي العراق، الذي امضى سنوات يدكّ الاكراد بالسلاح الجوي،ويشرّدهم في الجبال، يخطو الاكراد الخطوة الرسمية الأولى نحو الاستقلال بعد سنوات من انفصال الأمر الواقع، والحياة المستقلة عن بغداد.

ولم تعانِ مجموعة عرقية ما عاناه الاكراد من اضطهاد في العراق وإهمال في سوريا، إضافة الى ما عانوه في تركيا وايران. ولكن هل الحل في الانفصال؟ الوضع هنا ليس مشابهاً، بالطبع، لحالة كيبيك أو كاتالونيا. فالحكم المركزي بعيد جداً عن ان يكون أوتاوا أو مدريد. والسجل التاريخي للحكومات في بغداد، أو طهران (ايام الشاه)، أو انقرة، هو سجل غير مشرف إنسانياً على الاطلاق. لكن مهما أرسلت أربيل من تطمينات الى الجوار، فإن استقلالها يشكل خطراً كبيراً على تركيا، موطن الاقليات الكبرى، وخطراً غير قليل على التركيبة السكانية في سوريا وايران.

ذلك أن باب الأقليات والاكثريات في العالم، لا حدود له. من جنوب ايطاليا وشمالها، إلى جنوب قبرص وشمالها. وقد لا يعثر العالم على بلد صاف إلا في ايسلندا التي حالت البراكين دون الهجرة إليها. وما عدا ذلك، ما من بلاد “أصيلة” في أي مكان. والكاتالونيون الذين يريدون الهروب الى ديالكت لا يتكلمه سواهم، يتركون لغة اسبانية هي الثانية بين لغات الأرض، تتفوق عليها الماندارينية، فقط بسبب اعداد الصينيين. يا للهول… الصينيون قادمون!

وكان أحد أبرار الكنيسة اليونانية قد تكهن من صومعته بأن الصين سوف تحتل هذا الجزء من العالم ذات يوم بارسال 200 مليون جندي في هذه المهمة. براءة النساك. فالواقع ان الصين تستطيع أن تجيِّش 200 مليون عسكري في يوم واحد. لكن تأمين عدد كاف من الطائرات والبواخر أو عربات الخيل لنقلهم، عملية شاقة قليلاً. ناهيك بدباباتهم ومدافعهم ورواتبهم وحمولات الأرز.

الانفصال وباء. الصين خائفة منه، ولذلك، وقفت مع روسيا في فيتو سوريا. وروسيا خائفة منه، لأن الشيشان ليسوا وحدهم المتربصين بباب الخروج. والهند ليس لديها ما يضمن استمرار الوحدة التي بقيت لها بعد خروج باكستان. وباكستان ليس لها ما يضمن الوحدة بعد خروج بنغلادش.

وأندونيسيا فيها 15 الف جزيرة، بعضها يهدد منذ عقد بالسباحة بعيداً من جاكرتا. ونيجيريا لا تنسى حرب بيافرا للانفصال. وفي ليبيا أصوات تغني منذ مقتل القذافي، مرة أخرى، لولاية برقة وولاية طرابلس وولاية فزان.

هذا عالم غير عاقل تماماً. ما أن وهنت القبضة السوفياتية حتى انفصلت سلوفاكيا عن تشيكيا. وما ان غاب ظل تيتو العملاق، حتى اندثرت يوغوسلافيا بالوباء البلقاني القديم. كان رجل نضال هائلاً، وكان رجل فكر أمني. عندما قام بجولة في أميركا بناءً على دعوة جون كينيدي، حذَّر مضيفه من دالاس: إنها مدينة غير آمنة، ايها المضيف العزيز. لكن المضيف العزيز لم يصغ الى الشيوعي القادم من بلغراد. وبعد عام اغتالته دالاس.

أبو عمار كان يحذر دائماً من بلقنة المنطقة، وكنا نعتقد أنه مجرد محط كلام في فصاحات السياسة. فقد كان يطيب له استعارة التعابير الجديدة من محمود درويش. ومحمود كان يُسعده ان ينقل “الختيار” عنه. لكن بين المعير والمستعير كانت هناك حقيقة موصوفة: الأولى، البلقنة حقاً، والثانية، “الزمن الرديء” فعلاً. وحرصاً على جمالية الاقتضاب، لم يسهب محمود إلى القول “الزمن الرديء بلا حدود”. بلا قعر. بلا نهاية.

إثنان، لا دولة لهما في بلقان الشرق: الفلسطينيون والاكراد. هؤلاء خسروا ارضاً ووطناً وبيوتاً، وأولئك لم يُعطوا يوماً الأرض أو الوطن أو الوعد بها. هل أنا مع دولة كردية؟ لا. أنا مع عالم عربي لا يشعر فيه أحد بالغربة، أو بالحاجة الى الانفصال. لكن الحلم شيء والحقيقة فظاعة. أضافت جامعة اوكسفورد إلى الانكليزية هذا العام، كلمة جديدة: “ما بعد الحقيقة” تماثلاً مع “ما بعد الحداثة”.

ما هو “ما بعد الحقيقة”؟ هو نحن. عالم واحد من الكذب والرياء والخداع. الضمير لم يعد ضميراً، والآداب لم تعد آداباً، والمجد للفاسقين على الحقائق. هل من استثناءات؟ ربما. حاول البحث عنها، عمودياً أو افقياً. جدها في كان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*