تفاصيل المشروع الذي غيّب الصدر في ليبيا

أحمد عياش
النهار
31082017

لم يذهب الامام الصدر في تلك الرحلة المشؤومة الى طرابلس الغرب كما قالت لي شخصيات شيعية وثيقة الاطلاع إلا بعد تمهيد كان على النحو الاتي: في المرحلة الاولى إتصل الصدر بولي العهد السعودي الملك فهد بن عبد العزيز الذي كان يتولى شؤون الحكم نيابة عن شقيقه الملك خالد بسبب الظروف الصحية للاخير ووقف على رأيه في موضوع تحييد جنوب لبنان فكان جواب الملك مؤيدا لما طرحه الامام ومستعدا للقيام بما لدى المملكة من نفوذ لدى حركة “فتح” ، ونصح في الوقت نفسه الصدر ان ينتقل الى دمشق لطرح الأمر على الرئيس السوري حافظ الاسد لكي يقوم من ناحيته بضبط المنظمات الفلسطينية التي تلوذ بسوريا .عندئذ قام الصدر بالانتقال الى العاصمة السورية فاستقبله الرئيس حافظ الاسد واستمع الى ما طرحه الصدر بشأن العمل الفلسطيني المسلح إنطلاقا من جنوب لبنان لكنه لم يبد أي موقف وكأنه ليس المرجع الصالح لبت الموضوع وهذا يعود في رأي المصادر الى ان الاسد كان في حاجة للعمل الفلسطيني المسلح إنطلاقا من جنوب لبنان أكثر من اي وقت مضى بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات لإسرائيل في 19 تشرين الثاني عام 1977.

وللتخلص مما يطرحه الصدر إقترح الأسد على ضيفه أن يتوجه الى ليبيا بذريعة أنها الممول الاساسي للقسم الاكبر من العمل الفلسطيني المسلح.

وبعدما سمع الامام ما سمعه من الرئيس السوري شرع في التحضير لزيارة ليبيا ففكر في الاتصال بصديقه الرئيس الجزائري هواري بومديّن الذي كان على علاقات طيّبة مع القذافي كي يطلب من الاخير توجيه دعوة للامام لزيارة الجماهيرية. فاستجاب الرئيس الجزائري لطلب الامام وبادر الى الاتصال بالقذافي الذي أوعز الى مساعديه كي يوجهوا دعوة الى الامام واختاروا لها توقيتا لا يحمل أي خصوصية إذ أنها أدرجت في إطار الاحتفالات بثورة الفاتح من أيلول سبتمبر أي ذكرى الانقلاب الذي نفذه القذافي عام 1969 وأطاح بالحكم الملكي لبلاده.

وقد أخّر الحاكم الليبي إستقبال الصدر أياماً عدة الى عشية ذكرى الانقلاب في 31 آب، فكان اللقاء بينهما عاصفا وفق روايات عدة عبّر فيه القذافي عن غضب عارم من الطلب الذي حمله الامام لتحييد الجنوب اللبناني وهو الذي يعتبر ان دوره الاقليمي يستند الى ما يقدمه من تمويل للعمل الفلسطيني المسلح في لبنان. وهنا تجمع الروايات على ان الامام الصدر قرر قطع زيارته لليبيا وعدم المشاركة في إحتفال النظام الليبي في اليوم التالي. لكن قرار القذافي كان بتصفية الصدر ورفيقيّه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين.

وهنا تنقسم الآراء حول من تولى تنفيذ حكم التصفية.هل هو الجهاز الأمني للقذافي ؟ أم ان المهمة تركت لإحدى المنظمات الفلسطينية التي كانت تقيم في ليبيا؟

ما يعزز المعلومات التي تربط ما بين التخلّص الامام الصدر وبين مشروع الاخير لتحييد جنوب لبنان المقابلة التي نشرها موقع الامام الصدر الالكتروني والتي أجرتها مجلة LE NOUVEL OBSERVATEUR الفرنسية مع الامام الصدر في الرابع من آذار 1978 أي قبل نحو ستة أشهر من محنة الامام في ليبيا. في تلك المقابلة وصف جنوب لبنان بأنه “النقطة الاكثر تفجراً في المنطقة بصفتها الجبهة الشمالية لإسرائيل”.

وقال انه ” لم يعد هناك من وجود للادارات المدنية أو العسكرية اللبنانية، كما أن السلطة المركزية مفقودة منذ بداية الاحداث عام 1975 .وهكذا نرى كيف أن الفلسطينيين بصفتهم المسلحين الوحيدين ، بدوا الضمانة الوحيدة لحفظ الامن ضد إسرائيل …ولكن سريعا جدا وبعد الاحتكاك بهم ، إرتكب بعض الفدائيين تجاوزات كبيرة بحق المواطنين”.

وسألت المجلة الامام:”هل تخشى من عدم القدرة على تهدئة الشعب فترة أطول؟” فأجاب:”نحن بصفتنا مسلمين شيعة لنا إرتباطات وثيقة مع الفلسطينيين، ويعود هذا بدون شك الى أننا عشنا سوية فترة طويلة في جنوب لبنان وفي ضواحي بيروت، ولأننا أيضاً الفئات الأكثر حرماناً في لبنان. ومنذ عام 1948 أبدى اللبنانيون في الجنوب مواقف بطولية ، فرفضوا دائما إجراء أي تعاون إقتصادي مع الاسرائيليين برغم إهمال الحكومة اللبنانية لهم إهمالا تاما. ومنذ عام 1965 وحّدوا قواهم مع الفلسطينيين، وأغلب الاحيان كانوا يدفعون دمهم ثمنا لذلك.لكن اليوم ،هناك اليأس والاستياء عند الجميع وأحاول جاهداً جعلهم يتحلّون بالصبر، ونجحت في عدم تركهم يحملون السلاح ضد اخوانهم الفلسطينيين، السلاح الذي يعطى لهم بكثرة ومن جميع الجهات. منها اسرائيل بالطبع، وكذلك ايران. وفي محاولة لجعل المسلمين يشهرون السلاح في وجه الفلسطيني يستخدم شاه ايران منطق السياسة الأميركية نفسها في المنطقة.”

وسألت المجلة الامام الصدر: “وكيف يحصل أن قادة المقاومة الذين يجب ان يحسبوا حساباً لهذا الخطر لا يعملون على ضبط قاعدتهم؟

فأجاب:”- أولاً، لأنهم في أرض غريبة وليس لديهم المجال الكافي، وثانياً وعلى الأخص لأنهم منقسمون، فداخل المقاومة الفلسطينية كل دولة عربية لها جناحها الذي تموله لخدمة مصالحها الخاصة: الجناح العراقي، الليبي، السعودي الخ… البعض يعتمد حتى أسوأ المواقف السياسية لمنع اقرار أي حل، أو أية مفاوضات قد تجري مع اسرائيل، لكن يجب على منظمة التحرير الفلسطينية ورغم كل شيء، ضبط قاعدتها للتوصل الى حل بشأن الفوضى المتفشية في الجنوب، لقد ناقشت هذا الأمر، جدياً مع بعض قادة المقاومة، ويبدو أنهم مصممون فعلياً على ضبط عناصرهم. كما يجب على منظمة التحرير السماح للسلطات اللبنانية بممارسة واجباتها من جديد في الجنوب. وفي حال عدم حصول ذلك، فإن الوضع يزداد خطورة. وما يجري حالياً يبعث الخوف في نفسي، وفي حال عدم استتباب الأمن والهدوء بسرعة، سيتدخل الجيش الاسرائيلي بحجة حماية حدود بلاده، وسيقضي على المقاومة الفلسطينية. وفي حال إكمالها لخطتها حتى المحور الفاصل بين لبنان وسوريا – مرتفعات جبل الشيخ الاستراتيجية – سترى سوريا نفسها مهددة كذلك. وهذا يجر الى حرب شاملة في لبنان.”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*