المتصافحون


سمير عطاالله
النهار
30082017

باب “قراء “النهار” “يتصفحون الآن” لا يعني، على الأرجح، الكثيرين من قدامى “النهار”، قراءً وكتابا. وقد اصبحوا قلّة الآن، بسبب طبيعة البشر وطبيعة الاشياء معاً. وهو تحول كوني ليس وقفاً على بلد أو على احد.

زاوية “قراء “النهار” يتصفحون الآن” تكشف جيلاً كارهاً للسياسة، ومتململاً، أو ملولاً مما تعتبره جديّة الأمور والقضايا: فضيحة من هنا، أغنية جديدة من هناك، وإذا خلت الجبهة المحلية من زاد جذاب، تم اللجوء إلى “الدايلي ميرور”، منبع “المتفرقات”، كما يعرِّفها الفرنسيون.

منذ عشرين آب لم يتغير الخبر الأول في “يتصفحون” ولا صورته: “قال لعروسه، “لبست الدرع وطالع”. وبعد ساعات استشهد العسكري ايلي فريجة في حرب الجيش على الإرهاب. أما في “يتصفحون” فشكل دلالة غير عادية على التعبير عن موقف وطني من الجيش. استفتاء غير مقصود وغير مباشر، عن الفارق القائم في نفوس الناس، بين الجيش والدولة.

ان “ترفع” صورة ايلي فريجة في زاوية تتغير أولوياتها كل بضع ساعات، هو موقف من الشبان – ربما الكهول – الذين لم يتمكنوا من القتال الى جانب الجيش، أو النزول الى الساحات تأكيداً لمكانته في الضمير الوطني.

الناس ليست مع الإثارة التي تعرضها “يتصفحون”، بل مع خبر الشهادة في مواجهة عدو لا وجه له، جاء من اصقاع الأرض يقاتل أهل الأرض، ويحتلها، ويحاول أن يحتل قرارها وحياتها، ويهتك سيادتها.

جاؤوا من أفغانستان، ومن باكستان، ومن الشيشان، وممن هي داخل دائرة السجع المفَّظع، أو خارجها. ولا نعرف جنسية الذين اغتالوا شهداء العسكر. لكننا نعرف أنهم عثروا على طريق خروج آمنة” من اجل أن يبقوا احياء، وجنودنا في حفرة ترابية جماعية.

خابت الدولة في امتحان آخر. لم تستطع أن تقف على قدميها الى جانب جيش يؤدّي عنها باقي المهمات الوطنية. لم تستطع أن تدعمه حتى بالكلام، الذي هو مهارتها الوحيدة، ومللنا الفاجع.

يفهم المرء في أسى، الرسالة التي يبعث بها قراء “يتصفحون” منذ 20 آب: الرجاء عدم ارسال أكاليل. فالمسألة أكبر من ذلك وأعلى. انتصار للجيش وهزيمة للوطن والدولة، وما تبقى من فكرتهما. وهو قليل ومحزن ولا يكفي لشيء.

نعبر الى الخرائط الجغرافية والنفسية المقبلة ونحن بلا ارادة. وليس لدى الدولة من دور سوى أن تفاجأ، أن تبلغ المفاجأة. لكن من طريق الصحف ونشرات الأخبار. ولذلك، يكون دورها أن “تعلق” على الاحداث. بالكثير من “الغموض البناء”، كما كان كيسينجر يصف سياسته في تدمير الأمم وتهجير الشعوب. أي عبقرية أهم من هذا: تتحدث ساعتين ولا تفهم الناس شيئا مما تقول. حذار أن تتخذ موقفاً يُشتم منه شيء من الحقيقة، أو الشجاعة.

سوف تكون القضية أكثر تعقيداً وأهمية عندما ينتقل التفاوض من المسائل الواضحة كالإرهاب المجمع عليه، ألى مستقبل الوطن، فيما تتغير طبيعة الكيانات، أو خرائطها ومشرفيها، للمرة الأولى منذ قرن: الاكراد يحاولون علناً الخروج بدولة مستقلة على رغم كل العناصر المضادة.

لا أميركا مؤيدة (على الاقل في العلن)، ولا تركيا يمكن أن تسمح بتفجير كيانها من داخل الحدود وخارجها، ولا سوريا والعراق، من خلال ايران أو من خارجها. لكن التغيير الذي احدثته روسيا وايران أصبح واقعاً جديداً. ومثل كل واقع جديد، لا يُعرف الى ماذا سوف يفضي ولا كيف ينتهي ولا متى. وثمة مفاجآت لا نعرف مدى احتمال صيرورتها متغيرات. كمثل انفتاح مقتدى الصدر وحيدر العبادي على السعودية، على رغم السطوة الإيرانية في العراق. ولا احد يعرف إن كانت قطر ستكمل طريق الخروج من الخليج الى النهاية.

ها هو سيرغي لافروف وأمين الأمم المتحدة يعلنان انهما مع الوساطة الكويتية. لكن الأول لا يقول دائماً ما يعنيه، والثاني لا اهمية حقيقية لتمنياته. إنها ليست اكثر من أهمية برقيات التهنئة باعياد الاستقلال. ورتابتها.

الوساطة الكويتية هي “البرزخ” الأخير قبل تفكك مجلس التعاون بقيادة حلف قطري ايراني معلن. وربما كان قرار الدوحة متخذاً منذ فترة. فمنذ عشرين عاماً تتصرف وكأنها اعلى شأناً من جوارها. كما توحي بأن بقاءها في منظومة التعاون عملية موقتة وغير جوهرية. إنها صاحبة المال والقاعدة الاميركية وسيف “الجزيرة”. وفي لقاء لأمير قطر السابق حمد بن خليفة مع الدكتور سعد الدين ابراهيم، قال إنه بعدما تملكت الدوحة كل هذه العناصر، لم يبق سوى أن تكون لها مرجعية دينية، فاختارت الشيخ يوسف القرضاوي.

ارتضت أميركا من جولة الصراع الأخير في الشرق الوسط، أن تنكفىء في كل مكان الى دور ثانوي، إلا في ما يتعلق باسرائيل. كرر ترامب، أو نسخ، دور اوباما: ترضيات صورية وبضعة رجال واسلحة في سوريا والعراق، وترك الباقي لبوتين. وبوتين مثل نقار الخشب الكرتوني “وودي وود بيكر”، الذي ما أن يعتلي غصناً حتى ينثره نثاراً.

كل ما طالته يد بوتين ضمه إليه. آخر الطرائد تركيا، التي كانت شريكة اطلسية كبيرة، والآن تتحول الى شريكة كبرى لروسيا، كما في زمن الامبراطوريتين. بعيداً من اميركا، وفي تخل واضح عن أوروبا، يمضي رجب طيب اردوغان في تفكيك جمهورية اتاتورك ومعالمها ومكوناتها، واعادة ترميم الامبراطورية. ومن اجل ذلك، بنى قصراً من الف غرفة. وهذا رقم مشؤوم. فما ان استكمل نيقولاي تشاوشيسكو قصر الألف غرفة، حتى رأى نفسه يفر عبر النفق الذي بناه طريقاً للهرب.

من يرسم المتغيرات الجوية؟ نحن في قلبها، لكننا لا نعرف الكثير. القوة العسكرية والأخلاقية التي أظهرها الجيش في الجرود، وقف في وجهها فوراً خذلان سياسي وتفكك وطني. كلما برقت بارقة امل، ظهر شبح الانقسام المقيت وأنيابه الدراكولية. إذا كان جيشنا موثوق الإرادة الوطنية، فمن يحمي قرارنا السياسي؟ وباسم أي دولة نحمي الدولة؟ وخصوصاً باسم اي شعب؟ تراجع الجيش السوري في معظم انحاء الدولة، لكن سوريا ظلت متمسكة بنبرة “الجيش العربي السوري”. إقحام الجيش في سقم السياسة والسياسيين، لعبة شديدة الخطورة دفعنا ثمنها غير مرة. جيش فؤاد شهاب كان ممنوعاً من الاقتراب من السياسيين، ومحظوراً على السياسيين الاقتراب منه. وكانت الطائفية فيه عملاً تنظيمياً، لا سماً زعافاً.

هل كانت لشهدائه هويات مذهبية؟ أو لمقاتليه؟ أو لضباطه؟ مرة أخرى تسقط السياسة في الامتحان الوطني. وتزداد اللهجة الطائفية سوءاً، ضمناً أو علناً. ونبدوا بعيدين جداً من قراءة الحاضر. هكذا كان لبنان يبدو بعيداً من الجنوب في شارع الحمراء قبل 1975.

لكن التلفزيونات تنقل إلينا اليوم تحولات المنطقة بالبث المباشر. جنازات جماعية للشهداء، وطريق خروج آمن لقتلتهم. وترامب يعود الى بناء جدار المكسيك. ووزير خارجيته حريص على كل ما لا يؤدّي إلى عسر هضم… اللعنة على كثرة الشغل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*