«فالنتين يُهديك السلام…»

 

رشا الأمير

 

 

14022017

 

 

آخر همي، اليوم، أن أعرف من قتل رفيق الحريري!
للحقيقة، لم يكن الأمر مني كذلك لسنوات خلت. مثلي مثل كثيرين انفعلتُ، أولا، في 14 شباط/ فبراير 2005 عندما قُتل الرجل، وانفعلت ثانية مطلع نيسان/أبريل من العام نفسه عندما اجتمع مجلس الأمن وقرّر بموجب القرار 1595 إنشاء لجنة تحقيق دوليّة في هذه الجريمة التي اعتبرها مخلة بـ«الأمن الإقليميّ»، وانفعلت ثالثة لمشهد المحكمة تفتتح أعمالها.
كان ذلك، ثم جمعتني الصدف، في الوقت المناسب، بصديق، على شيء من الدهاء والحيلة، أقنعني بأنَّ الأمر لا يَسْتَحِقُّ كلَّ هذا العناء. نظريّة صديقي لا تحتمل الجدل فيها: «صحيح، بعض الاغتيالات، والمقاتل الكبرى، تُشبه، للوهلة الأولى، اليومَ الآخِرَ، أو الكوارثَ الطبيعية التي يبدو معها أنَّ اليومَ الآخِرَ قد أوشك على الدخول، ولكنها وهلة لا أكثر ولا أقل. ثمَّ، بربك، مَنْ أحمق لينسب كارثة طبيعية إلى فاعل بعينه؟ وأمّا اليومُ الآخِرُ، إن جاء، وصَحَّ أنَّ المُرْضِعَةَ فيه تَذْهَلُ عَمّا أَرْضَعَتْ فلا «سين» ولا «جيم». بيت القصيد: البحث عن قاتل رفيق الحريري، أو من يعادله، كالبحث عن سبب واحدٍ لكارثة طبيعية لا يُمكن لها أصْلاً أن تقع إلا بأن تتضافر أسباب كثيرة. تقع الواقعة، الفيضان أو الزلزال أو الانهيار الثلجي، ثُمَّ، ما هي إلا أيّام أو أسابيع أو سنوات، حتى تستأنف الحياة دورتها، ويتحول النبأ الذي كان عظيمًا إلى ذكرى… والذِّكرى، كما تعرفين، محلُّ استذكار أو محلُّ نسيان… لا الأحياءُ سواسيةٌ ، كأسنان المشط ، ولا القتلى..
بكلماتٍ معدودةٍ خفض صديقي مرتبة «الحقيقة» درجات درجات. بالطبع لا أعني بـ«الحقيقة» ذاك الشعار الذي ازدانت به جدران بيروت غداة اغتيال الحريري، وانقسم اللبنانيون على تأييده إلى فسطاطين شاكِيَيّ الحجج والسلاح، وإنما الحقيقة بوصفها بحثًا، أو تأييدًا لبحث، يُراد منه نزع الحجاب عن مستور.
لصديقي أنْ أذكره بالخير لما كان مِنْ إقناعي بأنَّ في طلب الحقيقة مَضْيَعَةً للوقت؛ ولكن فات صديقي، رغم دهائه وحيلته، أن التَّعَفُّفَ عن طلب الحقيقة لا يُقَيّدُ الخيال ولا الفضول. فمن وقائع اغتيال رفيق الحريري التي لا نقاش فيها ولا اجتهاد أنّ الانفجار العملاق الذي قتله، وفي جريرته العشرات من اللبنانيين، وقع في الرابع عشر من فبراير الذي يُصادِفُ ذكرى القديس فالنتين المتعارف عليه بـ«عيد الحب».
بالطبع، لم يفت التوارد بين تاريخ الاغتيال والعيد أحد، بل لا افتراء على أحد، ولا مبالغة في القول بأن البعض رأى فيه شيئًا مِن محاسن الصدف: فأرملة الشهيد احتسبت هذا التوارد، ذات ذكرى، عربونَ حب، وشاعر المناسبات المُتَعَجّل ألا يفوته القطار، حَمِدَه لما أتاحه له من قافية وطباق بين «الحب الكبير» و»الوطن الصغير»، والمتظاهرون من المراهقين والمراهقات تفنّنوا، لا تأخذهم في ذلك لومة لائم، في رسم القلوب الدامية على تمثال الشهداء وهكذا… منتهى القول إنّه لم يبق من أحد لم يجد في هذا التوارد ما يرضيه.
كان كلّ ذلك، ولكن أحدًا لم يَسْأل: أليس احتمالاً في عداد الاحتمالات أن قاتِلَ رفيق الحريري، علاوة على كل الأسباب التقنية والعملانية التي دعته إلى اختيار «عيد الحب» موعدًا لتنفيذ جريمته، اختار هذا التاريخ غمزًا من قناته ــ قناة العيد؟ وبمعنى ما ألا يصح السؤال، مثلاً: أيّ «حب» قتل رفيق الحريري؟
الحقيقة، كما أفتى صديقي، لا تقدّم ولا تؤخّر، وهو، إلى حد بعيد مُصيب في ذلك. فشيمة الحقيقة أن تُسفر عن نفسها بعد فوات الأوان؛ ولكن صديقي لا يلحظ أن الحقيقة هي أيضًا طَلَبُها، وأن هذا الطلبَ لجوجٌ ملحاحٌ وأشبه أحيانًا بالعلَّة العصبية. ولأنه كذلك، فهذا ما يفسر، على الأرجح، أن السبيل الوحيد إلى مدافعة هذه اللجاجة وهذا الإلحاح هما في «الاختلاق» ــ اختلاق رواية مُساوية، في الجوهر، لـ«الحقيقة». دع عنك أن يرضى روائيّ ـ روائيَّة أن يُعَرِّف عن نفسه، أو أن يُعَرَّفَ عنه، بوصفه «مختلق روايات» ولكن هذا حديث آخر لا محل له…
نعود إلى قتيلنا: قد يصحّ أنّ رفيق الحريري كان في قرارة نفسه مؤيّدًا للقرار 1559، وقد يصح أنّه بعد اجتياح العراق، وإسقاط نظام صدام، ارتأى أنّ الوقت مناسب لإعادة النظر في العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة، أي في ميزان القوى بين البلدين ولربما بين مكوّنات كلّ من البلدين، ولقد يصح غير ذلك من افتراضات واحتمالات… وبعد؟ لا بعد… ولقد يصح ما يُهمس من أنَّ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مقبلة على إصدار حكمها الابتدائيّ على نهاية السنة الجارية، وأن الحكم يُشير بالاسم الصريح إلى تورّط بشار الأسد و/ أو حسن نصرالله… وبعد؟ لا بعد… ولا من يحزنون… لا جَزْمُ مؤرخ بأنَّ كذا هو وراء كذا، ولا حُكْمُ محكمة بأن فلانًا هو القاتل أو المحرّض يُنتجان حقيقة لا يرقى إليها الشك. فشيمة الحقيقة، أيضًا وأيضًا، أنَّها قاع لا قرار له، وأنه مهما كان فلن يخلوَ الأمر ممن يشكك في هذا الجزم أو ذلك الحكم، ولنا في بعض المقاتل الكبرى، وأوَّلها محرقة اليهود (الهولوكوست)، برهان على ذلك.
خلاصة الأمر ألا حقيقة فوق الشك، إلا الرواية المختلقة، وإنما ليس أيّ اختلاق. تفصيلان، ليسا بتفصيلين، قد يكونان مفتاح القصة: أنّ رفيق الحريري قُتل في 14 فبراير الذي يصادف ذكرى القديس فالنتين ـ «عيد الحب» وأنّ الانفجار العملاق الذي قتله، ومعه العشرات من اللبنانيين، يَليق به من حيث مشهديته الفارهة.
أمّا التاريخ، وما بينه وبين «الحب» من نسب، فمشاع، برسم العاشق والقاتل سواء بسواء، بدليل ما يحتدم من نقاش كلما دنا 14 فبراير من حِلّيَّةِ الاحتفال بـ«العيد» أو حرمته (لما فيه من «تَشَبُّه بالكفار»)؛ وأمّا الأسلوب، فلا أشكّ بأن رفيق الحريري، لو خُيّرَ بين الموت قضاءً وقدرًا بسبب عطل تقنيّ أسقط إحدى طائرته (الخاصة) التي كانت تطير به فوق أحد المحيطات في رحلة عمل سريعة، أو الموت حتف أنفه بسببٍ من نوبة قلبيّة، أو بين الموت قتيلاً في معمعان انفجار يحطّم الأرقام القياسية في قوته وفي حجم الدمار المتأتي عنه، لاختار الثاني، بل لاقترح، لربما، المشاركة في رعاية هذا الحدث! هل المقصود أن مقتل المدعو رفيق بهاء الدين الحريري، والدته فلانة، ورقم سجله كذا، لا يعدو كونه «جريمة عاطفية»؟
قد يبدو في هذا القول شيء من المَسِّ بذات حقها الإجلال والتبجيل ولكن… فلنتصارح: ماذا بقي اليوم من «سياسة» في اغتيال رفيق الحريري؟
غداة 14 فبراير 2005 خرج اللبنانيون مطالبين بـ«الحقيقة» وبانسحاب الجيش السوري من لبنان. بفضل القرار 1559 انسحب الجيش السوري من لبنان، ولكن حلفاء سوريا في لبنان ازدادوا قوة وبأسًا إلى حَدّ أنَّهم منتشرون اليوم في سوريا نفسها دفاعًا عن نظامها صاحب ذلك الجيش. وأمّا «الحقيقة» والمطالبة بها فأشبه بالعبء على كاهل من توسلوا بها شعارًا سياسيًّا ــ علمًا أن التصفياتِ المتواليَةَ لعدد من المُشتبه فيهم في الضلوع في الجريمة، (عماد مغنية، رستم غزالة، مصطفى بدر الدين)، تحطّ من قيمتها الشرائيَّة إنْ كُتِبَ لها ذات حين أن تُثْبَتَ وتُعْرف.
آخر همي، اليوم، أن يأتيَني كائن من كان بالخبر اليقين عن قتل رفيق الحريري فروايتي هي الأصدق: بعد أن أصدر القاتل، فلنسمه السيد قاف، أمره بالتخلّص من السيد ر.ح، انشغل عدد من الأجهزة بإعداد الخطط والاقتراحات التنفيذية، ثم كان لقاء عرض فيه رئيس كلّ جهاز على السيد قاف خطّته واقتراحه: أحدهم اقترح السّمّ، آخر اقترح اختراق الحرس الخاص بالسيد ر. وتجنيد أحد أفراده، ثالث اقترح تَفخيخَ اليخت الذي يحب السيد ر. قضاء عطله السردينيّة على متنه (نسبة إلى جزيرة سردينيا الغنّاء) ولدهشة الجميع لم يكتف السيد قاف بأن نحّى كل هذه الاقتراحات جانبًا، بل بادر إلى إخراج وريقة من جيب سترته ناولها إلى أحد الحاضرين متمتمًا: «هذه هي الخطة»، ورُفع الاجتماع.
لم تَحْتَوِ الوريقة على شروحات مستفيضة، بل على رسم ساذج لشاحنة صغيرة، وعلى الرقم 2000 مرفقًا بعلامة الجمع «+» وعلى خربشات لشيء ما، متى ما أمعن الناظِرُ فيه، أشْبَهَ بغمامة تَسدُّ الأفق فيما أصلها ثابت في الأرض. أمْعَنَ الرَّجُلُ النَّظَرَ في الوريقة ثم قال «عُلِم»، وإذ وقف مستأذِنًا بالانصراف سأل: «وموعِدُ التنفيذ؟»، فابتسم السيد قاف وهمس في أذنه إذ كان يربت على كتفه مودعًا: «القتلُ على قدر المحبة..».
بعيد دقائق من الساعة الواحدة من بعد ظهر 14 شباط/فبراير 2005، وصلت إلى هاتف السيد قاف رسالة نصيَّة من ثلاث كلمات: «فالنتين يُهديك السلام».

٭ روائيّة لبنانيّة

رشا الأمير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*