يوم قابلتُ لانزمان وأهدى إليّ فيلمه وقال: عشتُ إحساس الخجل أن يكون المرء يهودياً

هوفيك حبشيان
النهار
10072018

كلود لانزمان.

قابلتُ الفرنسي كلود لانزمان (١٩٢٥ – ٢٠١٨) مرة واحدة. جرى اللقاء في كانّ عام ٢٠٠٧. لطفه لم يكن يلغي حدّيته. شخصيته “الطفولية” حالت دون ان أشعر انني أمام هرم من أهرام الثقافة. تحدّثنا لنحو ساعة في فندق “كارلتون”. عندما انتهى الحديث، أهدى إليَّ نسخة من أحد أفلامه. كوني من بيروت، كتب على الغلاف: “إلى أول عربي…”. لم أسعَ إلى تصحيح المعلومة. فهو كان قد أسس أهمية المقابلة على فكرة انه يقابل خصماً يريد اقناعه ببعض من أطروحاته. صديق فلسطيني استعار مني النسخة الموقعة ولم يردها إلى اليوم.

كنتَ يهودياً مختلفاً (عن الآخرين) منذ سنوات صباك الأولى…

الفضل لجان بول سارتر. كتابه “تأملات في السؤال اليهودي”،جعلني أتلقى ابتسامة الفرنسيين برحابة صدر لا بل أردّ عليها بابتسامة أخرى. عشتُ مأساة معاداة السامية حين كنت طفلاً. عشتُ احساس الخجل ان يكون المرء يهودياً في تلك الحقبة. لم أكن أعرف شيئاً عن الثقافة والتقاليد اليهوديتين. لكن التفسير الذي جاء به سارتر عن معاداة السامية حررني إلى الأبد. علماً انني كنت مقاوماً وحاربتُ الألمان، لكن لم تختفِ معاداة السامية مع زوال الاحتلال النازي لفرنسا. سارتر طرح نظرية ان معاداة السامية هي التي تمنح اليهودي شرعية. كانت هذه فكرة مبهمة إلى حدّ ما.

لانزمان في شبابه.

 كيف انتقلتَ من الصحافة إلى السينما؟ 

ذهبتُ إلى إسرائيل للمرة الأولى عام ١٩٥٢، وأمضيتُ أربعة أشهر هناك. تركت هذه الزيارة أثراً بالغاً في نفسي لأنني للمرة الأولى ألتقي بشعب يهودي، أو بالأحرى بشعب لا يضمّ إلا الذين يعتنقون الديانة اليهودية، وهذا كان أمراً شاذاً بالنسبة لي (…). فأصبتُ بالصدمة خلال هذه الزيارة. هناك، كنت أشعر انني محاط بأخوة، رغم انه لم يكن لي صديق واحد. قمتُ بهذه الرحلة كي أعدّ تقريراً صحافياً لصحيفة “لو موند”، لكنني عجزتُ عن إعداده، لأنني يهودي خاض الحرب ضد الألمان، فكنت حيناً اختبئ، وحيناً ألقى الصفعات. وجودي هناك جعلني أطرح على نفسي أسئلة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحياتي الخاصة، ولم يسعني معالجة هذه المسائل في التقرير. فعدتُ إلى باريس، وكان سارتر من معارفي، فشرحتُ له المعضلة التي واجهتُها. قلتُ له انه ينبغي لنا اعادة النظر في كلّ ما نعرفه عن المسألة اليهودية. فاقترح عليَّ ان أعدّ كتاباً عن هذا الموضوع. فبدأتُ بتنفيذ هذا المشروع، وكتبتُ في المحصّلة نحواً من مئة صفحة، لكنني لم أتمكن من الاستمرار، فتراجعتُ عن فكرة الكتابة، وتوقفتُ عند هذا الحد. بعد مرور عشرين عاماً، أي في العام ١٩٧٢، أنجزتُ فيلمي الأول، بالاستناد إلى التقرير الذي لم يطلع أي كان عليه، وانطلاقاً من الكتاب الذي لم أنتهِ من تأليفه.

لو كنت من ضحايا المحارق، لما كنت أنجزتُ “شوا”. فكانت لي حاجة ان أكون في داخل القضية وخارجها في آن واحد. كانت لي الشجاعة والجنون لأن آخذ ما أريده من وقت. كنت أكذب على الجميع وعلى ذاتي أيضاً، لأني كنت أحتاج إلى آمال كبيرة لاكمال المسيرة. لإتمام عمل كـ”شوا”، كان على الزمن أن يعلق. لجأتُ إلى خدع كثيرة لأجله، على مدار السنوات الـ١٢ التي استغرقت عملية التصوير: دخلتُ الأراضي الألمانية بجواز مزوّر وكاميرا خفية بغية لقاء نازيين سابقين ومحاورتهم.

لانزمان مع سارتر ودو بوفوار.

 تقول أن “شوا” لم يكن فيلماً عن الذين أُنقِذوا من المحرقة، بل عن الأموات. 

نعم، لأنه لم يكن مفترضاً بأحد من هؤلاء أن يبقى حيّاً. واذا بقوا على قيد الحياة، فذلك جراء معجزة. هؤلاء أبطال وقديسون وشهداء. حين يتكلمون في فيلمي ينسون ذواتهم، ويظهر ذلك من خلال استخدامهم كلمة “نحن” بدلاً من “أنا”. هؤلاء الناطقون باسم الأموات.

(…) يجب أن تعلم أنني عملتُ في مجلة “الأزمنة الحديثة” قبل ترؤس تحريرها، وصدر عددها الأول من ألف صفحة، ومحوره الصراع العربي – الإسرائيلي. للمرة الأولى في تاريخ هذا الصراع، تمكّن الإسرائيليون والعرب ـــ من ضمنهم الفلسطينيون والمصريون والسوريون ـــ من الكتابة جنباً إلى جنب في عدد واحد، ما يشير إلى أنهم تمكنوا من التحاور، وهذه المبادرة سمّاها سارتر بـ”الاستمرارية غير الفعّالة”، وكنت مكلّفاً اليهود، أما صديق مصري فتوكل الكتّاب العرب. قبل صدور العدد الأول من المجلة، في آذار ١٩٦٧، وُجِّهت إليّ وإلى سارتر وسيمون دو بوفوار دعوة رسمية للذهاب إلى مصر. وافق سارتر على الذهاب شرط زيارة إسرائيل بعد ذلك للمحافظة على المساواة بين البلدين. وكانت رحلتنا إلى مصر رائعة، وأمضيتُ يوماً في القاهرة برفقة جمال عبد الناصر الذي اعتبره من رجالات العرب العظماء. والتقيتُ عبد الناصر قبل ثلاثة أشهر من نشوب حرب ٦٧.

يظهر أن اليهود الأميركيين كانوا متحفظين تجاه “شوا”. 

لم يكونوا متحفظين بل كانوا يريدون معرفة ما هي رسالة الفيلم. كانوا يريدون مني أن أرفع شعارات مثل “لن يتكرر” أو شيء من هذا القبيل. طلبوا اليّ أن يتضمن الفيلم ردّاً على سؤال أعتبره غير أخلاقي، وهو: “لماذا حصل ما حصل مع اليهود؟”. بالنسبة لي، مهما تكن الأسباب، فهي لا تكفي لصنع إبادة وقتل ملايين الأطفال.

كيف صوّرتَ أفلامك؟ هل واجهتك مشكلات على الأرض؟ 

كانت المشكلات ماديّة. لكن الإسرائيليين سمحوا لنا بدخول كل الأماكن من ضمنها السجون، حيث أتيح لنا التصوير. استغرقت عملية التقاط مشاهد “شوا” ١٢ عاماً، وكانت شاقة وخطرة، علماً انه لم يُعرَض في أي بلد عربي. ولا أدري ما السبب الحقيقي وراء ذلك. أرى أن الإقصاء غير منصف. فلو شاهده العرب، أعتقد انهم كانوا سيستعجلون عملية السلام، والكثيرون على غرار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ينفون وقوع هذه المحارق، في مقابل آخرين يعتقدون أنها وقعت حقاً لكنهم غير مقتنعين بها تمام الاقتناع. والفيلم يضطلع بدور بارز في تاريخ اليهود.

سمّى البعض المحرقة اليهودية باسم فيلمي “شوا”. ليس عندي أدنى شكّ في ما حصل. وأرغب بالذهاب إلى إيران يوماً وتنظيم عرض خصيصاً للرئيس الإيراني، وآمل أن يكون جالساً بالقرب مني. ذلك إنني أسعى إلى إقناعه بما حدث، واذا شاهد الفيلم فسيقتنع من تلقاء نفسه. تصريحات هؤلاء الأشخاص قد تعود بالكثير من الضرر على أنفسهم والآخرين، لأنهم يطلقون حملات البروباغندا ويمنعون وصول الحقيقة إلى الناس. لم أتم “شوا” للردّ على أسئلتهم. هذا الفيلم كان يتوجه اليّ في المقام الأول. كنت مقتنعاً بأن ثلاثة آلاف مُشاهد سيرونه حول العام كأعلى تقدير، وهذا ما كان يلبي رغباتي. واذ يشاهده مئات الملايين بين دور العرض والشاشة الصغيرة. لكن العرب للأسف لم تسعهم مشاهدته، على رغم أنني رغبتُ في عرض فيلمي في المملكة العربية السعودية والكويت ودبي والمغرب والجزائر، إذ، كما تعلم، كنت أناضل من أجل تحرير الجزائر من الإستعمار الفرنسي، وخضتُ الحروب في سبيل استقلالها، ووقّعتُ بيان الـ١٢١ (المناهض لحرب الجزائر في عام ١٩٦١ والداعي إلى العصيان المدني). انخرطتُ كذلك في جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، وشنّ الطيران الفرنسي هجوماً واسع النطاق ضدنا، والتقيتُ هواري بومدين وبوتفليقة. كان الأخير قائداً في المقاومة، ذا عينين زرقاوين جميلتين، وكان يردد على مسامعي أنه سيرسل بعثات إلى إسرائيل عندما تنال الجزائر إستقلالها، لأنها قادرة على تزويد الجزائريين الكثير من المعلومات في ما يتعلق بتحسين الأراضي، وعمليات زراعة الأشجار، وطرائق الريّ. ولا أزال أحتفظُ برسائل أحمد بن بلا التي يدعوني فيها “أخي العزيز”، وهو أرسلها إليَّ من خلف القضبان (…). وحين أصبح بن بلا رئيساً للجزائر، وبعد مرور شهرين على نيل الجزائر استقلالها، صرّح بضرورة حشد مئة ألف جندي من أجل تحرير الأراضي الفلسطينية، وأخبرته ان عدد الجنود مرتفع، وأن العديد من اليهود قدموا المساعدات إلى الجزائريين…

سؤالي الأخير: لماذا تتمحور أفلامك على اليهود حصراً؟ لا أوجّه إليك اللوم بسبب ذلك، لكنني أرغب في معرفة خلفيات هذا التعلّق الشديد…  

– أمضيتُ حياتي كلها أجري دراسات معمقة عن اليهود، لكن فيلمي الجديد لا يتمحور حولهم. انه قصة حبّ أبطالها ليسوا يهوداً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*