يهود أميركا قبل مجزرة بيتسبورغ غير يهود أميركا بعدها

      • جهاد الزين
      • النهار01112018

أزعم أنه لا مبالغة في هذا العنوان الذي أضعه لمقالي. فالذي تعرّض له مصلّون يهود من إبادة في سيناغوغ مدينة بيتسبورغ في ولاية بنسيلفانيا الأميركية، في الشكل وفي الحجم، احدى عشرة ضحية، لم يتعرّض لمثله عنفا حتى الأميركيون المسلمون بعد مجزرة 11 أيلول 2001 رغم الفداحة الاستفزازية لتلك المجزرة التي، لو نفّذها أصوليون تكفيريون متوحشون، إلا أنها نُفِّذت باسم الإسلام وعلى يد مسلمين عرب أقحاح.

صحيح أن تقارير لمنظمات متخصصة في أميركا سجلت بين يومي 11و17 أيلول، 645 حادثاً ضد المسلمين أو من ظنوهم مسلمين مثل أبناء طائفة السيخ الذين يرتدون، جميعهم، عمائم تشبه عمائم رجال الدين المسلمين، غير أن هذه الحوادث تراوح معظمها الساحق بين عمليات تَعرٌّض وشتائم واعتداء بالأيدي و الكلام وكلها فردية، ولم تحصل سوى حادثة أو حادثتي قتل فردية أيضا. لقد أظهر المجتمع الأميركي بعد 11 أيلول، ورغم شدة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، أنه بالنتيجة مجتمع متقدّم ويحترم القانون، فلم تُسجّل حادثة هجوم مسلحة جماعية واحدة ضد حي مسلم رغم التوتر الهائل الناتج عن تلك المجزرة.

في مجزرة بيتسبورغ، السفّاح فردٌ طبعاً، ولكن القتل كان جماعيا وإباديا لمجموعة مصلين يهود دفعة واحدة وفي مكان عبادة ديني. هذا جديد تماما على اليهود الأميركيين الذين تتباهى قياداتهم ونخبهم تقليديا بأن المكان الوحيد في التاريخ الذي أعطى اليهود مساواة كاملة وأمنا كاملا هو الولايات المتحدة الأميركية. مرة قال لي في واشنطن قيادي في الرابطة اليهودية لمكافحة التشهير أن الأندلس العربية وأميركا هما التجربتان اليهوديتان الأكثر تألقا في الوعي اليهودي التاريخي.

لنقرأ في هذا السياق ماذا كتب قبل يومين (30-10-2018) أي بعد مجزرة بيتسبورغ الكاتبُ اليهودي الأميركي ميكايل غولد فارب في مجلة “الجويش كرونيكال”، أقدم مجلة يهودية في عالم النشر وتصدر من لندن منذ العام 1841 بشكل متواصل، والبعض يعتبرها المجلة اليهودية الأكثر نفوذا. قال:

“الأمر الأول الذي يُقال واضح: لم يحصل منذ كان الملك سليمان يبني الهيكل في أورشليم أن كان هناك وقت أو مكان عاش اليهود فيهما في أمان أكثر من الخمسة وثلاثين عاما الأخيرة. وأقصد الولايات المتحدة لا إسرائيل…”.

هذا رأي يمكن قراءة ما يشبهه في العديد من النشرات والمقالات اليهودية اليوم. والسؤال هو: هل سيشعر اليهود الأميركيون بعد جريمة بيتسبورغ بالدرجة نفسها من الأمان بعد اليوم؟

بالتأكيد الأجوبة ستختلف بين اليهود الأميركيين، مع ميل يمكن توقعه، بل ملاحظته من الآن، لتجاوز الحادث كحادث عرضي ولكن دون إهمال، بل عبر التركيز على دلالاته العميقة في زمن باتت تُسجّل فيه هجرة يهود فرنسيين إلى إسرائيل ولندن والولايات المتحدة، هجرة تعتبرها الصحافة الفرنسية “كثيفة” قياسا بعدد اليهود في فرنسا(700-750 ألفاً).

تلقّف اليمين الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، حركة الهجرة من فرنسا وأوروبا باعتبارها ناتجة عن تزايد “الخطر الإسلامي” فكرا وأعدادا. هناك تصريح شهير لبنيامين نتنياهو في قلب باريس عندما جاء لحضور مسيرة استنكار لأعمال إرهابية يدعو فيه يهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل. كان فعلا تصريحا وقحا من قلب العاصمة الفرنسية ويستهين بإرادة وقدرات الدولة الفرنسية.

ليس سهلا أن يقبل اليهودي الأميركي بفكرة حاجته وحاجة مؤسساته إلى حماية مباشرة من الدولة. روب ليفنسون وهو ضابط سابق في القوات الجوية وعمل في الاستخبارات كتب مقالا تحت عنوان: “أرجوكم لا تضعوا حرّاسا على السيناغوغ الذي أصلّي فيه”.

هل الترامبية من حيث هي حركة شعبوية مسؤولة عن تصاعد الوطنية الكارهة للآخرين، أقلياتٍ وأجانبَ، هي المسؤولة أيضا عن الجو الذي أدّى إلى مجزرة بيتسبورغ، أم الترامبية هي نفسها نتيجة ما سمّاه غولد فارب ” العداء السامية الخاص بالقرن الحادي والعشرين” وهو ما يميزه عن العداء التقليدي للسامية الذي أنتجته أوروبا… هل الترامبية هي نتاج هذا الجو؟

شيء ما مختلف في مجزرة بيتسبورغ. القتل الجماعي الذي يقوم به فرد مسلح هو نمط جنائي أميركي كما يحصل ويتكرر في أميركا ولم يتعرض له يهود وحدهم سوى هذه المرة. ولكن أن ينتقل إلى استهداف قتل جماعي ليهود… فهذا يُدْخل الموجة الكارهة للمختلِف إلى مدى جديد لأن الموضوع الآن ليس مظاهر العداء للسامية الموجودة دائما في أميركا، وفي آب العام 2017 هتف “النازيون الجدد” في شارلوت فيل “لن يحل اليهود مكاننا”، بل لأن العنف انتقل إلى مستويات غير مسبوقة.

بهذا المعنى، وبالعودة إلى الترامبية (وترامب لديه أحفاد يهود من ابنته ) فهذه الترامبية هي نتيجة وسبب معاً. وفي المسار السياسي يمكن الفصل المبدئي لا العملي بين النتيجة والسبب.

ألفت النظر هنا إلى أنني أضع النتيجة قبل السبب.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*