يجمع ما بين الأديان السموية منذ زمن ابرهيم… الأضحى “العيد الكبير” عند المسلمين: ملايين الحجاج والأضاحي

النهار
31082017

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تحقيقاً كتبته هالا حمصي في “النهار” بتاريخ 29 تشرين الثاني 2009 حمل عنوان: “يجمع ما بين الأديان السموية الثلاثة منذ زمن ابرهيم… الأضحى “العيد الكبير” عند المسلمين: ملايين الحجاج والأضاحي”.

يُسمّى “العيد الكبير” عند المسلمين، أو “يوم النحر”. عيد الأضحى هو أحد أهم عيدين يحتفل بهما العالم الاسلامي، والاول هو عيد الفطر الذي يختتم صوم رمضان المبارك. ويشرح الباحث والمفكر الاسلامي الشيخ خلدون عريمط لـ”النهار” ان “المسلمين يعيّدون في نهاية الصوم، وفي نهاية الحج، اي انهم خرجوا من طاعة ليدخلوا طاعة، لان العيد طاعة”.

في العاشر من ذي الحجة، اي بعد شهرين و10 ايام على انتهاء شهر رمضان، يصادف العيد، وتحديدا بعد انتهاء وقفة عرفة، الموقف الذي يقفه حجاج بيت الله الحرام لتأدية أهم مناسك حج البيت. والثاني عشر من ذي الحجة هو آخر الأيام التي يتم بها الحجيج مناسكهم، اذ تكون ذروة هذه المناسك يومي التاسع من ذي الحجة الذي يصعد به الحجاج إلى جبل عرفات تمشيا مع الحديث النبوي: “الحج عرفة”. وازاء ذلك، تحمل ايام العيد اسماء مختلفة: تسعة ذي الحجة يوم عرفة، عشرة ذي الحجة يوم النحر، الحادي عشر – الثالث عشر من ذي الحجة ايام التشريق.

بين ابرهيم واسماعيل

من “سيدنا إبراهيم، ابي الانبياء”، بدأت قصة العيد، وفقا للاعتقاد الاسلامي. ويقول الشيخ عريمط ان “المسلمين يعتقدون ان الله امر سيدنا ابرهيم بالمجيء الى الحجاز – العراق ليجدد بناء الكعبة لانها موجودة في اعتقادنا منذ آدم، اي التكوين… وكانت له زوجتان، الاولى سارة، وكانت تقدمت في السن ولم تلد، والاخرى هاجر، جارية زوجته الاولى التي ولدت له ابنا اسمه اسماعيل”. ووفق الاعتقاد الاسلامي، “الوحي طلب من ابرهيم ان ينقل هاجر واسماعيل الى مكة، وبقيت ساره في العراق. وبعدها اراد الله ان يكرّم ساره في كبرها، فحملت وولدت اسحق. وهذا يعني ان الابن البكر هو اسماعيل، والاصغر هو اسحق”.

وتتابع الحكاية ان “الله اسكن اسماعيل ووالدته في واد غير ذي زرع “عند بيتك المحرم”، اي الكعبة… وكان ابرهيم يزورهما مرة في العام. ورأى في المنام انه يذبح ابنه اسماعيل. فقال له يا اسماعيل يا بني اني ارى في المنام انني اذبحك ورؤيا الانبياء حق. فاجابه اسماعيل: افعل ما تؤمر. ستجدني ان شاء الله من الصابرين. فاخذه وشده واستل السكين ليذبحه. لكن الوحي نزل وانزل كبشا، وقال له الملائكة “لقد فدا الله رؤياك بان تذبح ابنك بذبح عظيم”. فقال ابرهيم: “الحمد لله”. وعلى الاثر ذبح ابرهيم الكبش واطعم اهله ومن هم حوله”.

سلالتا اسماعيل واسحق 

واقتداء بابرهيم، يقوم ملايين المسلمين بالمثل كل سنة، في تقليد مستمر من مئات القرون. “اذاً نضحي، اسوة بسيدنا ابرهيم. لذلك سمّي العيد عيد الاضحى”، يقول الشيخ عريمط. وفي هذا اليوم، يقوم المسلمون بالتضحية بأحد الأنعام: خراف، بقر، غنم، ناقة وابل، تطبيقا للآية الكريمة: “انا اعطيناك الكوثر، فصلّ لربك وانحر”. ومن شروط الاضحية ان “تكون مجذية، لا يقل عمرها عن عام، ولا نواقص او عيوب فيها”، علما “انها متوجبة على الاغنياء، وليس على الفقراء”.

ومن التقاليد ان “صاحب الاضحية يأكل واسرته واقرباؤه منها، وتوزع ايضا على الفقراء”. ويشرح عريمط: “كلما ازداد عدد الاضحية، ازداد جزاؤها عند الله، لان هدفها اطعام الفقراء والمساكين والتآلف ما بين الاسر”. وكل سنة، تذبح ملايين الاضاحي في مكة ومختلف انحاء العالم الاسلامي. “وما يتبقى منها، يوزع خصوصا على الفقراء”.

من جهة اخرى، يرتبط الاضحى بالحج الى مكة المكرّمة، خامس اركان الاسلام وخاتمها، والتي يبدأ المسلمون بالتوجه اليها قبل 10 ايام من العيد. “هناك يخرج المسلمون اولا الى جبل عرفات، الذي التقى فيه آدم وحواء وتعارفا وفق ما تؤكد الاحاديث، ويقفون هناك، ثم يطوفون حول الكعبة 7 مرات، ويسعون ما بين جبلي الصفا والمروة، كما سعت سيدتنا هاجر وهي تفتش عن ماء تخفف به عطش اسماعيل”، وذلك كشروط اساسية للحج، علما ان النزول الى مزدلفة ورمي الجمرات ليسا من اركان الحج، “شرط ان يقوم الحاج لاحقا بفداء، اي ان يقدم اضحية غير الاضحية الاساسية”. وفور الانتهاء من اداء صلاة العيد، يلقي المسلمون التحية على بعضهم البعض قائلين: تقبل الله منا ومنك. كل عام وانتم بخير. ويقول عريمط: “عندما ينتهي المسلم من العبادة، يفرح. وهذه الفرحة هي العيد”.

من 1400 عام حافظ العيد على تقليده وعاداته وآدابه وعقيدته… ويعلق المسلمون عليه اهمية كبيرة، “لان ابرهيم هو ابو الانبياء، ولان النبي محمد ذبح وضحى، كما ضحى سيدنا ابرهيم. ونحن نقتدي بالنبي محمد”، يقول الشيخ عريمط. ويتدارك: “يقول ايضا النبي انا ابن الذبيحين، الاول اسماعيل اي انه من سلالته، والآخر هو، لانه كاد والده سيدنا عبدالله ان يذبح، وفدي بمئة ناقة”.

وكيف يفسّر ربط الاسلام هذا العيد بابرهيم واسماعيل، بينما تتكلم التوراة والكتاب المقدس على ابراهيم واسحق؟ يعرض عريمط سلالتي اسحق واسماعيل ليشرح الامر، خالصا الى ان “في الاولى تعاقب عشرات الانبياء والرسل، بمن فيهم على ما نعتقد السيد المسيح. اذا السيد المسيح من سلالة اسحق. اما في سلالة اسماعيل، فمضت مئات الاعوام من دون ان يخرج منها اي نبي، ثم جاء النبي محمد، وهو النبي الوحيد فيها”. ويرى في “انتقال رسالة النبوة من سلالة اسحق الى سلالة اسماعيل حكمة ربانية”.

في اليهودية والمسيحية

وكما في الاسلام، تكلمت ايضا التوراة والكتاب المقدس بوضوح على ابرهيم وسارة وهاجر واسماعيل واسحق. لكن الله سأل ابرهيم ان يقدم ابنه اسحق ذبيحة، وليس اسماعيل، على ما جاء فيهما. يمكن القول ان “عيد الاضحى يجد جذوره في اليهودية والمسيحية في قصة ابرهيم مقدما ابنه اسحق ذبيحة الى الرب. لكن لا شيء لديهما يسمى عيد الاضحى”، يشرح مدير معهد الدراسات الاسلامية والمسيحية في جامعة القديس يوسف الاب عزيز حلاق اليسوعي لـ”النهار”.

الاضاحي، او ما يسمى ايضا تقادم او ذبائح، تقليد قديم جدا من قدم البشرية. و”اول تقادم حكي عنها هي تقدمة قايين وهابيل”، على ما يفيد، قائلا: “اذا عدنا عموما الى تاريخ الاديان، فالتقادم بدأت عندما تحول الانسان من مرحلة الصيد الى مرحلة الزراعة وتربية الحيوانات. عندنا هابيل الذي كان راعيا، وقايين الذي كان فلاحا. والانسان الذي كان قبلا يصطاد ويقتات مما يجده في الطبيعة لم يكن يقدم اضاحي. وهنا اصل الموضوع. فالتقدمة هي اعتراف من مقدمها ان ما تلقاه هبة وعطية، رغم عمله، اي انها ادراك للوجود كهبة وعطية”.

وكما ان ابرهيم يجمع ما بين الاديان السموية الثلاثة – فهو “ابو الانبياء” عند المسلمين، و”ابو المؤمنين” عند المسيحيين، و”به بدأ العهد بين الله وشعبه” عند اليهود، كذلك الامر بالنسبة الى الاضحية او الذبيحة. وفي اليهودية، كانت الذبائح او المحرقات تقدم دائما في الهيكل، “لكن منذ خراب الهيكل، امتنع اليهود عن تقديمها”، يفيد الاب حلاق. ومع المسيحية، تطوّر الامر في شكل جذري، اذ “اصبح معنى التقدمة الحقيقية هو تقدمة الذات”.

ويشرح: “هناك علاقة ما بين الكاهن والذبيحة، اذ هو الذي يقدمها. والفارق الاساسي (بين مفهومي الكهنوت في العهد القديم والعهد الجديد) هو ان المقدِّم والمقدَّم صارا واحدا. فالمسيح قدم ذاته، وصار في الوقت نفسه الكاهن والذبيحة. وبالنسبة الى المسيحيين، لا تقدمة سوى تقدمة المسيح. ويعيدون ذكرى هذه التقدمة، ليس لتذكر حادث حصل قبل الفي عام، انما تبقى ذكرى المسيح حية ما دام هناك اشخاص يقدمون ذاتهم من اجل اخوتهم”.

ويتابع: “يمكن القول ان اسحق الذي سأل الله ابرهيم ان يقدمه اليه ذبيحة هو صورة للمسيح. والذبيحة في المفهوم المسيحي هي الافخارستيا التي تعني فعل الشكر. والشكر يعيدنا الى الموضوع نفسه، اي ان الافخارستيا هي النظرة الى الوجود كهبة وعطية، ونشكر الرب على كل ما اعطانا اياه. والشكر يعني ايضا ان الانسان يعطي ما أُعطي، والعطاء عبارة عن حركة. والخطر الدائم يكمن في تحويل العطية امتلاكا. وفي الافخارستيا، نجد هذه الحركة. ما تلقيناه، نعيد تقديمه كفعل شكر. وهذا الشكر الحقيقي نترجمه في حياتنا، بحيث يكون يومنا على صورة الافخارستيا”.

ويتوقف عند بُعدِ الدم في الذبيحة وعمق رمزيته عند اليهود والمسيحيين والمسلمين. “عندما اقام موسى العهد مع الله، كان الشعب يقف من جهة، ومن جهة اخرى المذبح الذي يمثل الله. وبعدما كانت الحيوانات تذبح، كان قسم من دمها يرش على المذبح، وقسم آخر على الشعب، اي ان الدم رمز للحياة”. وفي اليهودية والاسلام، تفرض تصفية الدم من الذبيحة، “لان الحياة في الدم، والحياة هي من الله، على ما يعتقد اليهود والمسلمون. لذلك، يحظرون تناول لحم الحيوان بدمه”، يشرح.

ويلفت اخيرا الى ان “في العهد ايضا، هناك دائما بُعدُ الدم”. ففي المسيحية، “قال المسيح خذوا واشربوا هذا هو دم العهد الجديد الذي يهرق من اجلكم. والمسيح هو العهد الجديد، اي انه الحياة الجديدة التي يعطينا اياها”. ويخلص الى ان “الدم هو مكان الحياة، وبه صارت حياتنا مشتركة. ويقول القديس اغناطيوس الانطاكي في تأمل له ان دم الله يلتقي دم الانسان بالمسيح، اي ان الدم صار مشتركا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*