يا غيرة الدستور


رمزي الحافظ

النهار

24 كانون الثاني 2017

يُلاحظ من النقاش الدائر حول القوانين المختلفة المقترحة للانتخابات النيابية المقبلة أن ثمة قاسمين مشتركين بينها، أولهما التناقض التام بينها وبين نص الدستور وروحه، وثانيهما أنها تخلّ بمعادلة دقيقة أرساها، ولو مرحلياً، اتفاق الطائف.

يتركز السجال على صحة التمثيل، والمقصود طبعاً التمثيل الطائفي، وعلى القانون الأمثل المؤدي اليه. بهذا، فإن البحث يدور حول القانون الذي يجعل من كل نائب ممثلاً لطائفته وليس لأمة، وكيفية جعله يفوز بأكثرية أصوات المقترعين في طائفته. بمعنى آخر، ينصب البحث على القانون الأقرب إلى ما يسمى (ظلماً لطائفة) «القانون الأرثوذكسي»، لتلميع صورة وإراحة ضمير كل من لم يفقد نهائياً الخجل الدستوري والوطني ليطالب بالذات بهذا القانون الطائفي البحت. ينصّ الدستور (المادة 27) على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من ناخبيه. هذه المادة معتمدة منذ أول إعلان للدستور (العام 1926) ولا يلغيها الاعتماد الموقت للمناصفة والتمثيل العادل المشار إليهما في المادة 95. يعني هذا أن على النائب المنتخب ألا يلقي بالاً إلى خصوصيات طائفته (أو المنطقة والعشيرة والحزب) ومصالحها الضيقة، وأن يمارس دوره ممثلاً عن مصلحة الأمة جمعاء. ومتى نشأ تعارض ما بين المصلحة الطائفية وتلك الوطنية، فهذا يعني حكماً أن ثمة خللاً في تعريف المصلحة الطائفية، لأن المصلحة الوطنية تعني، بالضرورة، مصلحة جميع الطوائف من دون استثناء، كما تعني، حكماً، حماية حقوق جميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية. إن أي قانون أو إجراء يغبن منتمياً لطائفة ما أو يقيم تمييزاً ضده، يعد خرقاً للدستور، على جميع النواب من كل الطوائف التصدي له وعدم المضي به.

نصوص ضامنة
نَصَّ الدستور على عدم جواز التفرقة بين المواطنين على أيّ أساس. يرد في البند (ج) من مقدمة الدستور: “لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل”، والبند (ط) من مقدمة الدستور: “… لا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان…” والمادة السابعة: “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم”، والمادة التاسعة: “حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها …” والمادة 12: “لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة…”، وغيرها من المواد المتصلة المتعلقة بالملكية والضرائب والتربية والإنماء.

التمثيل العادل
تشير المادة 95 إلى وجوب تمثيل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة، وذلك خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق إلغاء الطائفية السياسية. لكن المادة نفسها لم تعرِّف ماهية العدل وشروطه في هذه الحالة. لم تتطرق المادة ذاتها الى تركيبة مجلس النواب، فذلك حسمته المادة (24) التي وزعت المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، ونسبياً بين الطوائف والمناطق. حددت المادة المذكورة نسب طوائف النواب، لكنها لم تشر قط إلى وجوب أن يمثلوا طوائفهم وحدها، وإلا عُدَّ ذلك خرقاً للمادة السابعة من الدستور، وتنص أن النائب يمثل الأمة جمعاء. لو أراد واضعو الدستور أن تنتخب الطوائف حصراً ممثليها، لكانوا عبروا عن ذلك بوضوح. بغياب نص مماثل، يصبح البحث عن إيصال النائب إلى المجلس بأصوات المقترعين من أبناء طائفته منافياً للدستور.

كسر معادلة الطائف
قبل إدخال التعديلات الدستورية المنبثقة من اتفاق الطائف، لم يتضمن الدستور أي إشارة لأي تقاسم طائفي. تضمن دستور ما بعد الطائف (العام 1990) كيفية توزيع الطوائف على المقاعد النيابية. المفارقة أن مقدمة الدستور باتت تدعو في البند (ح) إلى إلغاء الطائفية السياسية، من دون أن تحدد ماهيتها، خصوصاً أن أي بند دستوري لم يشر إليها، فكيف يلغى ما هو غير موجود أساساً؟ ولقد حدد التعديل الدستوري في العام 1990 معادلة طائفية (حتى تطبيق المواد الخاصة بإلغاء الطائفية) تقضي من جهة بتحقيق التساوي بين المسيحيين والمسلمين في عدد المقاعد النيابية، ومن جهة أخرى بتوزيع المقاعد نسبياً بين طوائف كل من الفئتين. أجريت مساومة طائفية (إلى أن يتم إلغاء التوزيع الطائفي) تقضي بأن يرضى المسلمون بالتساوي، بالرغم من تفوقهم العددي، في مقابل أن يشارك جميع أبناء الطوائف حيث أمكن في انتخاب ممثليهم، وإن لم يجهر نص بذلك. هكذا يعوض المسلمون عن الافتقار إلى عدالة التمثيل العددي، ويعوض المسيحيون عن ضمور أعدادهم. إن السعي اليوم لإنتاج قانون انتخابي يحاكي القانون المسمى بالأرثوذكسي سوف يكسر هذه المعادلة، ويدفع أولاً إلى السير عكس المنحى الذي يطالب به الدستور، أي وضع خطة مرحلية لإلغاء الطائفية السياسية، والأخطر هو دفع المسلمين إلى وضع “المناصفة” على الطاولة. إن بعض ممثلي المسلمين يعلن أن ذلك هو المحظور بعينه، لكن آخرين قد بدأوا منذ فترة غير قصيرة بالترويج للمثالثة فعلاً.

التمثيل الطائفي يضعف الطوائف
يغيب عن النقاش، وعن برامج معظم أحزاب وشخصيات السلطة، السعي لتطبيق المادة (95) من الدستور الداعية إلى اتخاذ الإجراءات الملائمة لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة تكون مهمتها درس واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. هذه اللجنة كان يجب أن تشكل منذ ربع قرن، ما يعني أن جميع من تعاقبوا على السلطة في مجلسي الوزراء والنواب قد أخلوا بالدستور، ولم تتم محاسبتهم. هذا يعني أن جميع الانتخابات التي أجريت منذ العام ١٩٩٦ قامت على أسس مناقضة للدستور. لا يخفى على الشريحة الواعية من الجمهور، وهي الأكثرية، أن معظم زعماء وأحزاب السلطة يتلطون وراء العناوين الطائفية لتثبيت زعماتهم، إذ ليس لديهم خلا ذلك ما يقدمونه، ولا يخفى أيضاً أن حصر تمثيل النائب بطائفته إنما يضعفه شخصياً ويضعف دور طائفته في المشاركة الوطنية، والأنكى أنه يحجم دور المواطن، فيتقوقع داخل قمقمه الطائفي عوضاً عن أن يتمدد على مساحة الوطن بجغرافيته وبشؤونه كافة.
إن القيمين على إدارة البلاد وتمثيل مواطنيها ما زالوا يمعنون في خرق الدستور، ويتفاوضون الآن للإمعان في خرقه مرة أخرى. إنه الدستور يا جماعة… الدستور!

خبير اقتصادي – كاتب سياسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*