ياسمين حمدان في لبنان في كانون الأول… وهذا البحث الدائم عن منزل


هنادي الديري
النهار
30102017

ها هي تجلس مع بعض الزملاء في الفُسحة الخارجيّة لفندق بيروتيّ يُعطي أبعاداً جديدة للحميميّة والالفة. يداها تنسابان في كل الإتجاهات. “مَعجوقة بالحَكي” وبالتهام القليل من السلطة. لم نَلتق قط من قبل، ومع ذلك تُعانقني وتَطبع قبلة “طايرة” على خدي، قبل أن تُكمل الحديث…واليدان تنسابان بما يُشبه الإنخطاف. عيناها كبيرتان وقد “زَخرفت” إطارهما بالقليل من الكحل. الغُموض وكل العناصِر التي تُجسّد مَفهوم الـ Cool، مُجتَمعة في إطلالة هذه المرأة النَحيفة (جداً). أجلس قُبالتها لأتمكّن من أن أراقبها جيداً ومن أجل تدوين مُلاحظات حول تعاملها مع الآخرين.

هل “يُسيّج” حُضورها القليل من التَظاهُر، وهل هذا الدفء الذي “يشعّ” منها، مَدروس لكي لا نقول إنه”وهميّ”؟ أم هي شفّافة وطبيعيّة في تصرّفاتها ولا تخشى الآخرين لأنها تعلّمت مع الأيام أن ترسم حولها دائرة افتراضيّة تقيها “شرّهم”؟ .

ياسمين حمدان لا تقف على مسافة من الآخرين، ومع ذلك، فإن ظلّ المسافة “يَرتعش” في مكان ما.

الضحكة حاضرة والقدرة على مُناقشة مُختلف الموضوعات الآنية، غير مُفتعلة. تُعبّر عن آرائها في هذه المسألة أو تلك، من دون تشنّج أو رغبة في مُعارضة الآخرين. ميلها إلى كَسر صورة المرأة الغامضة التي ترتدي ثوب الـ”كوول” باستمرار، حقيقيّة وتتجلّى في إصرارها على أن تَسخر قليلاً من نفسها.

بعد دقائق طويلة، تبدأ بتوجيه الحديث إليّ. نظرة العينين لا تَكشف عما يدور في داخلها. ولكن، لاحقاً، عندما سيحين موعد المُقابلة معها وجهاً لوجه ، سأكتشف أن في الواقع الكثير ثم الكثير يدور في بال “ملكة الأندرغراوند والبوب العربي المُطرّز على مزاجها”.

الجمهور اللبناني سيلتقي حمدان في كانون الاول على خشبة المسرح حيث ستقدّم ألبومها الجديد، “الجميلات”، وأنا ألتقيها خلال زيارتها القصيرة إلى البلد، وذلك ضمن جولتها العالميّة حالياً مع فرقتها.

نتحدث قليلاً عن الأبراج، وعن اللغّة اليونانيّة التي تعلّمتها طفلة، قبل أن ننتقل إلى المرأة التي تخلق حمدان شخصيّتها في مُجمل أغانيها وتبتكر إطلالتها في أعمالها المُصوّرة. تقول بسرعة: “لا أعتقد أن المرأة التي أخلقها لئيمة. ربما كانت البرودة حاضرة قليلاً في إطلالتها على الآخرين، وأعني بذلك أنها لا تُقدّم ذاتها كلياً. وأنا بدوري أملك شخصيّة يُمكن أن أصفها بالإجتماعيّة وغير المُتحفظة، ولكن في الوقت عينه أنا إنطوائيّة، بمعنى أنني أفكر كثيراً”.

 تصمت قليلاً قبل أن تُعلّق: “الكثير من نشاطاتي يدور في رأسي”. تضحك قبل أن تُكمل: “أنا أيضاً خجولة. كنت، صغيرة، أخجل كثيراً وأميل إلى الإنطوائيّة. واليوم، ما زلت الشاهدة على هذه الرقصة الداخليّة التي تحوّلني تارةً بعيدة وطوراً دافئة جداً مع الآخرين”.

ترى ياسمين حمدان هذه المسافة بإطار إيجابيّ، “المسافة تسمح لي بأن أكون حرّة ومُستقلّة كما تُقدّم الحريّة و – ترف – الإستقلال إلى الآخرين “.

على خشبة المسرح، تشعر حمدان أحياناً ببعض خَجل، ولكنها تعمل باستمرار على تخطّيه. والشخصيّات التي تطل من خلالها في أغانيها تعبّر “عن ذاتها بطريقة مينيماليّة، وهي تُشبهني ببعض اللحظات. لا أستطيع أن أتظاهر بأنني قادمة من مكان واحد ، أو أنني أعوم في الحياة بسهولة. من هنا حاجتي إلى المسافة، أو إلى المساحة. عندئذٍ آخذ كل وقتي لأتأمّل”.

الخجل على خشبة المسرح “يتبخّر”، “لمّا تكون الحفلة ظابطة”. تشعر عندئذٍ بأن هذه اللحظات التي تعيشها، هي بالفعل مُميّزة جداً.

تعترف بقليل من الخجل، “أحب أن أسيطر كلياً على كل ما أقوم به. ويُصيبني ما يُشبه الهوس عندما أعمل، والمكان الوحيد الذي أستطيع أن أخرج من نفسي فيه هو المسرح، وأيضاً عندما أمارس اليوغا. في الواقع، أحاول جاهدة أن – إطلع من حالي – في كل الأماكن. أن نخرج من أنفسنا يعني أن نُصبح أكثر حرية وأكثر مرونة”.

ياسمين حمدان كما تصف نفسها، “ليّنة وصعبة في آن. أنا قويّة جداً، و – جدعة – ولكنني في الوقت عينه ليّنة وأحياناً أميل إلى الهشاشة”.

المرأة في أغانيها “شاهدة على كل ما يحدث من حولها. تغمز إلى بعض الأمور من دون أن تتحدث عنها بالضرورة بطريقة مُباشرة. هي حرّة، وحتى عندما تكون في حالة حُب تُحافظ في مكان ما على تمرّدها، وعلى قدرتها على السخرية الذاتية وعلى استقلالها. أحياناً يمكن أن تكون المراة في أعمالي عفيفة النفس. أحب الحياء كثيراً. وألمس أيضاً اللامبالاة في شخصيّة المرأة التي أخلقها في أعمالي. وهي ناشطة إجتماعيّاً في مكان ما”.

تضحك عالياً قبل ان تضيف: “صغيرة، شاهدتُ العديد من الأفلام المصريّة وتقمّصت شخصيّة بعض النساء في هذه الأعمال، لاسيما في قدرتهن على السخريّة من الذات”.

هل يُمكن أن تنتمي امرأة مثل ياسمين حمدان عاشت في عشرات البلدان، إلى مكان واحد؟

تُجيب بتأمّل: “إكتشفت أخيراً أنني أعيش ما يُشبه الرهاب في ما يتعلّق باتخاذي القرار النهائي في الإستقرار في مكان واحد. أعرف أنني مُستقرّة نوعاً ما في باريس، ولكنني، أينما أجد نفسي، أعيش ضمن هذه المسافة التي أزخرفها خارجياً لأتمكّن من أن أبقى حرّة. وأيضاً لتكون علاقتي مع المدينة التي أزورها مُختلفة في بنيتها. العلاقات تتنفّس أكثر عندما نُسيّجها بهذه المسافة”.

أحياناً، تشعر بالقليل من الحزن لأنها تعجز عن تصنيف أي بلد كمنزلها الدائم، “بس أكيد لبنان أكتر محل. وأيضاً باريس حيث أعيش كل الطقوس التي أحبّها. ولكنني في حال انتظار دائم للمكان الذي سأصفه بمنزلي، وأعرف أنني لن أجده”.

السلام الداخلي وفكرة المنزل من العناصر المحوريّة التي وجدتها ياسمين وسط عائلتها، في عملها الموسيقي، في سيّارتها، في زوجها المخرج الفلسطيني الكبير إيليا سليمان، في الموسيقى عموماً وليس فقط موسيقاها الشخصيّة.

تبتسم فجأة بسعادة طفوليّة، قبل أن تهتف: “أحلم بأن يكون لي ذات يوم حيوان أليف لأهتم به. شغفي الثاني بعد الموسيقى الحيوانات. العنصر الذي يُمكن أن يجعلني أشعر بانني أمتلك منزلاً حقيقيّاً هو أن أفتح باب منزلي ذات يوم لتستقبلني قطة !”.

                                         Hanadi.dairi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*