“وهم” فصل لبنان بعد عملية الحزب


روزانا بومنصف
النهار
31072017

من ابرز التحفظات التي نقلها رؤساء بعثات ديبلوماسية معتمدة في لبنان في الايام الماضية التي اعقبت العملية العسكرية في جرود عرسال ما يتصل بتراجع الدولة او سلطاتها تحديدا امام اجندة “حزب الله ” على نحو ينقض التزامات الدولة ازاء تنفيذ مضمون القرارات الدولية لا سيما منها القرار 1701 الذي اكد رئيس الجمهورية ميشال عون وفق ما وزع القصر الجمهوري على اثر استقباله منسقة الامم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ وقبله الرئيس سعد الحريري من امام البيت الابيض التزام لبنان هذا القرار. وبدا من موقفي كل من الرئيسين عون والحريري مدى المآخذ التي تسجل في اطار تجاهل السلطات اللبنانية تنفيذ مقضيات هذا القرار والتسليم بسيطرة الحزب وشرعنة سلاحه بدلا من ان يحصل العكس. لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد اذ ان عملية الحزب في الجرود عززت مخاوف ما ذهبت اليه الاقتناعات الديبلوماسية غداة التسوية التي ادت الى انتخاب رئيس الجمهورية من ان خلل التوازن السياسي الداخلي سيستدرج تداعيات اخرى تؤثر على بناء الدولة. وهذا ما يعتقد انه حصل اخيرا. بداية فان انتظام عمل المؤسسات باستعادة هذه الاخيرة عملها اظهرت ان هذه التطورات سطحية وليست جوهرية من حيث استعادة الدولة اللبنانية سلطاتها على عكس ما يستمر ويأمل البعض في الخارج ممن يهتم فعلا بلبنان، اذا سلمنا جدلا بان هناك من يهتم فعلا اللهم باستثناء تزايد نفوذ الحزب وسيطرته اكثر فاكثر على كل مفاصل الحياة السياسية. اذ انه تحت عناوين كبيرة متمثلة في انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة واستئناف مجلس النواب عمله هناك قدر كبير من التراجع على مستوى شكل الدول وادائها على نحو يدفع الى تعاظم القلق. وهو الامر الذي يرسم من جهة علامات استفهام كبيرة حول المساعدات للجيش اللبناني ولو ان المواقف العلنية تؤكد على استمرار دعمه.

ثانيا يقول هؤلاء الديبلوماسيون ان ثمة وهما ازاء الاعتقاد ان معركة جرود عرسال ساهمت او تساهم في فصل لبنان عن الازمة السورية من خلال القضاء على المسلحين المتطرفين او طردهم. فهذا مهم في هذا البعد لكن البعد الاهم هو ان “حزب الله” مستمر في سوريا بما يدحض منطق امكان فصل لبنان عن الازمة السورية في الوقت الذي يعتقد ان ما حصل هو مزيد من الربط وليس الفصل. ذلك ان هذه المعركة تستكمل اصلا وصل المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري بلبنان وتحديدا بمناطق تحت نفوذ الحزب من دون اي عائق. ذلك ان ما يحصل في سوريا هو تقاسم نفوذ اقليمي ودولي على الاراضي السورية ويخشى انها شملت لبنان ايضا انطلاقا من عدم ايلائه اي اهتمام في ظل انشغالات للدول الكبرى بالساحة السورية او العراقية وما يجري في المنطقة. لذلك فان الوهم الذي ساور البعض ازاء فصل لبنان او تحييده عن سوريا ليس في محله اذ ان لبنان وان كان يعيش استقرارا نسبيا يهلل له السياسيون على وقع وجود مظلة خارجية كما يقولون او على وقع اقتناع داخلي لدى الافرقاء بعدم الانخراط في حرب اهلية جديدة، فان ذلك لا يعني ان لبنان لم يعد ساحة حرب سياسية بل هو كذلك ولو ان الحرب ليست عسكرية ولكن هناك قضما تدريجيا او استدراجا تدريجيا بحيث يتم السعي الى تسجيل مكاسب وكسب مواقع او اجراء تحويل جذري في سياسته الخارجية كما في نظامه. ومن لا يرى ذلك يكون موهوما او خياليا. فالمشهد ككل في تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية ثم في تسوية رئيسية معروفة معالمها، لا ينفصل عن المشهد السياسي المتصل بما خلص اليه قانون الانتخاب العتيد كما لا ينفصل عن عجز سياسي مطلق في كل المواقع الرسمية المقررة كشفته تطورات معركة جرود عرسال وقرارها كما تداعياتها على نحو اكبر مما يمكن ان يكون كشفته الصيغة النهائية لقانون الانتخاب مثلا.

ثمة وهم آخر دحضته التطورات نفسها من حيث التحول السياسي الداخلي على وقع حسابات داخلية انخرط فيها بعض الافرقاء المسيحيين في شكل خاص. فمسألة استعادة الحقوق والشركة في القرار التي خيضت على اساسها جملة معارك سياسية استنزفت البلد خلال الاعوام الاخيرة اقله من حيث انها شكلت واجهة لذلك، بدت عنوانا كبيرا فاقدا للمضمون الفعلي ازاء مسائل جوهرية تخص توجهات البلد وتحدد اتجاهاته الخارجية. اذ يخشى انه في مقابل فقدان هذا الفريق قدرة التأثير عملانيا في سياسة لبنان وفق ما تبدو عليه الامور، فانه انزلق كليا تحت وطأة اعتبارات مختلفة وطموحات شخصيات ومصالح مباشرة تستحق وحدها ان تشكل دراسة في حد ذاتها، الى الانضواء تحت سقف المحور الاقليمي الذي يرعى ما يسمى بتحالف الاقليات. اذ ان موقف رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في شأن تقديره معركة جرود عرسال اخذ وقعا كبيرا جدا في تلمس مرحلة مختلفة تنوء تحت وطأة نفوذ الحزب على رغم انه تم توضيح هذا الموقف اكثر من مرة في الايام الاخيرة. وانسحبت الملاحظة في هذا الشأن على بيان للرابطة المارونية في الاطار نفسه شكل معلما على تحول او تحويل في التركيز لدى الافرقاء المسيحيين تحت وطأة المزايدات التي حدد عناوينها التيار الوطني الحر في كل المواضيع تقريبا وصولا الى موضوع اللاجئين، فغدت اطارا لا تستطيع هذه القوى الا الدوران في فلكه. ومن هنا ثمة قراءة مختلفة للتحولات المقبلة قد لا تكون مطمئنة بالنسبة الى كثر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*