وهم المفاضلة الديمقراطية بين مصر ولبنان

 


وسام سعادة
Apr 02, 2018
القدس العربي

من الأكثر قرباً من تمثّل مفهوم الديمقراطية في أيامنا، لبنان أو مصر؟ السؤال باعث على الإستهجان للوهلة الأولى، ناهيك عن «تأمين» موقع له من الإعراب. فما الفكرة من المقارنة بالأساس بين هذين البلدين العربيين غير الجارين، لكن أيضاً غير البعيدين، دون سواهما، فيما غلب همّ المقارنة، في السنوات السابقة، بين مآل الأمور في مصر وبين غيرها من البلدان العربية المنخرطة في الموجة الانتفاضية الجماهيرية العارمة لعام 2011، التي عُرفت كـ»ربيع عربي»، في حين لم يكن لبنان جزءاً من هذا الربيع، و«ديمقراطيته الطائفية» التي يراكم تجربتها منذ بداياته الكولونيالية الفرنسية ظلت تحافظ على استمرارية دستورية «شكلانية» منذ 1926 إلى اليوم، ولم تنقطع هذه الاستمرارية لا بالحرب الاهلية، ولا باتفاق الطائف المدخلة معظم اصلاحاته على مواد الدستور نفسه.
أما مصر فشهدت في تاريخها الحديث قطيعتين على صعيد «الشكلانية» الدستورية نفسها، أولاً بعد انقلاب العسكر على الملك عام 1952 وانطلاقة الأحداث والمسارات المجملة تحت عنوان «الثورة المصرية» أو «المرحلة الناصرية»، وثانياً مع الاطاحة الشعبية بحكم الرئيس حسني مبارك ومن خلاله بمرجعية شبح نظام 23 يوليو، والاتجاه نحو اعتماد «ديمقراطية ليبرالية» كانت لجنة السياسات في الحزب الوطني المباركي تعتبرها «نهاية تاريخ» ينبغي التحضر لها، لبضعة أجيال، قبل استكمال شروط تعدية عتبتها «بالرجل اليمين».

أساس ثورة 25 يناير 2011 ان الانتقال إلى ديمقراطية ليبرالية لا يحتاج في مصر إلى مرحلة انتقالية تدوم لقرن كامل، بل إلى مرحلة انتقالية ثورية تتطلب على الاكثر بضع سنوات، فكانت النتيجة بعد سبع سنوات على هذه الثورة ـ الحدث الانتفاضي الاكثر جماهيرية على كوكب الارض في عصر ما بعد الحرب الباردة ـ ان أول رئيس منتخب بالاقتراع العام في بلد عربي مرمي في السجن منذ خمس سنوات، هو وخمسين الفا آخرين من المعتقلين السياسيين على اقل تقدير، وقائد العسكر الذي حيا فعلته الانقلابية عدد من «أفاضل» المثقفين الليبراليين واليساريين والقوميين العرب واستقبلوا شؤم 3 يوليو 2013 صائحين «عمار يا مصر»، ومقتبسين كل معاني الإسلاموفوبيا المستوردة للاستهلاك المحلي والحقد المجنون على أنسجة اهلية من مجتمعاتنا، بذريعة مكافحة «الفاشية الإسلامية»، بثقافة المجزرة التنويرية.. وقد عدنا نرى بعضهم اثر ذلك، تدهسه المركبة العسكرية التي بخّر لها، ومنهم من كان يمني النفس بأن يضع العسكر الإسلاميين في السجن ويقدموا الصولجان لقوى التنوير والتقدم وتحرير المرأة والحريات والعدالة الاجتماعية، ويتعجب اليوم من ان كل هذا لم يحصل.

فهل يكفي للمقارنة بين مصر ولبنان، لصالح لبنان، التوقف أمام انهيار المواويل الديمقراطية في مصر بهذا الشكل المضحك المبكي، المنتهي إلى ارغام كل المرشحين المنافسين لعبد الفتاح السيسي على الانسحاب الواحد تلو الآخر، بالاعتقال والسجن، واستبدالهم بمرشح منافس كاريكاتوري، وبتأسف «تراجيدي» للسيسي بأنه كان يفضل لو كان هناك واحد واثنين وعشرة من أفاضل الناس في مقارعته، للانتخابات الرئاسية، لكننا «غير مستعدين» بحبسه، لأن المرشحين المحتملين لا يمتلك اي منهم غير الثرثرة والبهلوانيات التلفزيونية، بدلاً الطواقم الاستشارية العلمية المتخصصة؟

سيكون من الكاريكاتوري القول عندها ان مصر اليوم اكثر ديمقراطية من لبنان، خاصة وان هذا البلد الصغير يتحضر لانتخابات نيابية بعد شهر وبضعة ايام، بقانون انتخابي لا يراعي المساواة القانونية بين المواطنين، كما كل القوانين الانتخابية السابقة عليه، ومفصّل على مقاسات مختلفة، بحيث تنحصر المنافسة الفعلية في اقلية من المقاعد، ويلعب قانون الانتخاب دورا اساسيا في اعتراض قيام لوائح على اساس سياسي برنامجي، لصالح لوائح يجتمع اقطابها على الحساب الآني الاضطراري، مع ان لكل واحد منهم من هو الاقرب له سياسيا على لائحة الخصم. ومع هذا، هي انتخابات تشريعية تنافسية و«جدية» مقارنة بالانتخابات الرئاسية المصرية، بل لا يمكن منذ اليوم رسم تركيبة البرلمان اللبناني القادم بدقة.

اذاً؟ هل يكون محسوما ان لبنان اعلى كعبا في الديمقراطية من مصر؟ هذا اللبنان الذي لم يشهد ربيعا عربيا، بل لم يعد يشهد انتخابات تشريعية على الطريقة اللبنانية بعد هذا الربيع، وهو اليوم يتحضر لاول استحقاق من هذا النوع منذ تسع سنوات؟ يستلطف اللبنانيون عبارة ان في بلدهم الكثير من الحريات والقليل من الديمقراطية، لكن هل تفي هذه العبارة بالحاجة عند المقارنة مع حال مصر؟ هل محسومة المفاضلة بين «قليل الديمقراطية» اللبناني، وبين «قليل الديمقراطية» المصري، لصالح الاول؟!
عام 2006، اعدت «مجموعة الاكونومست» الصحافية البريطانية ما سمي بمؤشر الديمقراطية، الذي يسمح وفقا لمعايير محددة بتظهير تراتبية بين البلدان، من «ديمقراطية كاملة» إلى «ديمقراطية ناقصة» إلى انظمة «هجينة» إلى «أنظمة تسلطية». يحصّل المؤشر وفقا لمجموعة محددات، المسارات الانتخابية، التعددية السياسية، الحريات المدنية، عمل الحكومة، المشاركة السياسية، الثقافة السياسية. هناك الكثير الذي يمكن قوله في معرض نقد فكرة «مؤشر للديمقراطية» بحد ذاتها، كما في المعايير، ومضامينها واشكال تحديدها، لكن المؤشر يعطي فكرة بالنتيجة، وفكرة مهمة. منها اننا حين نقارن بين لبنان وبين مصر، فنحن نقارن بين بلد، لبنان، يحتل المكانة 104 على لائحة الدول الـ166 الملحوظة بالمؤشر، وبين مصر، في المرتبة 130. الفارق ليس خرافياً اذا، بين لبنان، المتخلف عن بنغلادش والمغرب ضمن هذه اللائحة، وبين مصر، التي تأتي بعد الجزائر والكاميرون في المرتبة. لكنه فارق يكفي المؤشر لجعل لبنان في ادنى فئة الانظمة الهجينة، اي ما دون فئة الديمقراطيات الناقصة، في مقابل كون مصر ضمن الانظمة التسلطية، وربما كانت المكانة 130 «مكرمة» في الوقت الحالي، إذا ما رأينا مثلا اذربيجان في الموقع 148. كل هذا بعد سنوات من العمل الانتفاضي الجماهيري (2011 ـ 2013) الذي ظل مثقفون عرب كثر يرفعونه فوق الثورة الفرنسية العظمى مرتبة لفترة، وبعد انتخاب رئيس للجمهورية بالاقتراع العام التنافسي، وبعد ان «نظّر» البعض عند التقاء العسكر والجماهير على الاطاحة بالرئيس محمد مرسي، بأن «الميدان» موجود، واذا تطلب الامر واريد تقويم الاعوجاج على رأس الحكم مرة اخرى، فليس على الجماهير الا ان تنزل الميدان ثانية.

لكن حركة الجماهير لها شروطها، ولها أمزجتها، وليست بهذه الميكانيكية الساذجة. «التعبئة الجماهيرية الدائمة» وهم قاتل. وهم نخر فكرة 14 اذار لبنانيا قبل سنوات من قيام الربيع العربي. وهم «يعتب» على الجماهير بأنها لم تعد تنتفض كما سبق لها ان فعلت. وهو أيضا، في مكان آخر، وهم «الفارق في الديمقراطية»، بين لبنان ومصر. مع اختلاف النظام السياسي، ومنسوب الحريات، يشبه البلدان، بلد الاستعداد الابدي لتجاوز الطائفية وبلد الاستعداد المستميت لتأمين «قاعدة علمية» للمنافسة الديمقراطية، بعضهما اكثر بكثير مما قد يظهره الاختلاف بين المرتبة 104 والمرتبة 130 في «مؤشر الايكونومست».

وبعد كل شيء، لبنان سبق مصر في هذا النوع من الانتخابات الرئاسية التي ينسحب فيها كل المرشحين كي يتأمن الفوز لواحد. سوى ان هذا حصل بشكل «حضاري» لبنانيا، اي بعامين ونصف من الفراغ الرئاسي، وحصل على طريقة الميليشيات اللبنانية مصرياً. التعددية اللبنانية لا تزال رحمة، مقارنة بالأحادية السيسية في مصر، لكنها تعددية «ذات وجه سيسوي» هي الأخرى.

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*