… ولماذا توحيد الحقوق والقضايا؟

حين توفّيت الفنّانة الفلسطينيّة ريم بنّا التي لا يرقى أدنى شكّ إلى وطنيّتها الفلسطينيّة، لم يشفع لها ذلك. لقد هوجمت بشراسة من مواقع وطنيّة فلسطينيّة لأنّها وقفت إلى جانب الثورة السوريّة وتضامنت مع عذابات السوريّين الكبرى.

قبل ذلك وبعده، انتصف الموقف الوطنيّ في سوريّة واتّخذ عنواني الغوطة وعفرين: إمّا أن تكون مع معاناة عفرين ضدّ معاناة الغوطة، أو أن تكون مع معاناة الغوطة ضدّ معاناة عفرين.

في الأسابيع القليلة الماضية بدا، للمرّة الألف، أنّ من المستحيل في منطقتنا الجمع بين هذه الحقوق. بين هذه الظلامات الحادّة اللون، التي تتعرّض كلّها لأشكال مختلفة من السحق والاجتثاث السياسيّ المشوب أحياناً بالاجتثاث الفيزيائيّ.

نظريّاً، أو بالأحرى في المثال، يُفترض بالحقّ أن يتحالف، بل يتكامل، مع الحقّ الآخر. يُفترض أنّ شيئاً عميقاً يجمع بين الحقوق. لكنّ حشداً هائلاً من التجارب صار يعلّمنا، للأسف، بأنّ هذا لا يحدث في الواقع. الواقع، بسياسته ومصالحه ومألوفه الثقافيّ الذي تراكم في الزمن، لا يشتغل على هذا النحو. زمن الهويّات المتورّمة يضاعف هذا الميل إلى الفصل والفرز، بل العداء، بين حقّين وعدالتين.

بيد أنّ ثمّة شيئاً آخر كامناً في الحقّ نفسه بعد إنزاله من المثال إلى واقعنا. وهذا إنّما يغذّي أسوأ ما في هذا الواقع ويرفد أسوأ ما في الهويّات. إنّه ميل الحقّ، أو الناطقين بلسانه، إلى التمركز حول الذات، إلى إسباغ الإطلاقيّة والأولويّة معاً على النفس. الحقّ لصاحبه هو البوصلة، لا بوصلته فحسب بل بوصلة سواه أيضاً. هو المركز والمركزيّ. سواه لا يكون حقّاً إن لم يلتحق به، وإن لم يلتحق بشروطه. إن لم يَمَّحِ فيه. علاقة الحقّ بالحقّ الآخر تتراوح بالتالي بين استعماره واجتثاثه.

علّة ذلك تربية سيّئة وأنانيّة مشفوعة، طبعاً، بالمعاناة. فصاحب كلّ حقّ هو الضحيّة الأوحد، والضحيّة بالإطلاق، لأنّه أكثر من عانى على يد الشرّ، ولأنّ قضيّته هي وحدها نقيض الشرّ وموضع استهدافه. لكنّ المُبَرّأ إلّا من تعرّضه للظلم والانتهاك يعيّن نفسه مَلاكاً. وفي الملائكيّ يختفي الإحساس بالذنب فيصير في وسع صاحب الحقّ، الطليق في حقّه، أن يرتكب ما ارتُكب به مسوقاً بضمير سعيد وآمن.

هذا سعي دائم إلى «شعب مختار» يتمّ تكراره وتكرار قضيّته مرّة بعد مرّة، حيناً في الميثولوجيا وأحياناً في الحياة. فهو لأنّه اختير للألم، استحقّ الأحسن والأكثر، أي استحقّ الفرادة.

هذه المركزيّة الحصريّة تضاعف العداء بين الحقوق، إذ تتّخذ طابعاً دمجيّاً يكمّل، من موقع المعارضة، ما تفعله عادةً دول الطغيان التي تعتمد الصهر سياسةً ومبدأً. إرث قوميّ يقيم في هذه المركزيّة الحصريّة.

والحال أنّ أفكار الوحدة في الكون المعارض قد لا تقلّ ضرراً وأذى عن أفكار الوحدة في الكون الحاكم. وكلّما زاد الإصرار عليها زادت جرعة العدوانيّة المقيمة فيها. فجمع النقائض، توهّماً أنّها مثالات، يُضعف ولا يقوّي، ويقيم الاحتراب حيث اللغة تتشدّق بالوحدة.

إنّه توحيد ما لا يتّحد والتوفيق بين ما لا يتّفق إلّا في الوعظ والتبشير. فليمض كلّ منّا وراء حقّه وعدالته. لماذا وجع القلب؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*