وقف الانهيار الاقتصادي وفق أصحاب الاختصاص: فتشوا عن القطاع الخاص بدل القروض… وصوّبوا النهج


سلوى بعلبكي
النهار
18102018

يتنافس الكثير من الخبراء الإقتصاديين على تحليل الوضع الإقتصادي في لبنان، منهم من يطرح نظريات بعيدة عن الواقع، أو يركز على جانب محدد من دون النظرة الشاملة للأوضاع، ومنهم من يكتب ويصرّح نسبة للإرتباط والدعم المالي الذي يحصل عليه من جهة أو جهات سياسيّة ما، وهناك من يطرح ويعبّر عن واقع ملموس ضمن نظرة شاملة معتمداً أيضاً على التجارب والوقائع التي مرّت على لبنان خلال الفترة من العام 1993 ولغاية اليوم.

بمراجعة بسيطة للتحليلات والإقتراحات التي صدرت عن خبراء إقتصاديين وماليين، والتي وصلت مباشرة أو عبر الإعلام للمسؤولين المعنيين كرئيس الجمهورية ووزير المال ورئيس لجنة المال النيابيّة، يلاحظ الخبير في الشؤون الضريبيّة جمال القعقور ان ثمة تجاهلاً تاماً للمواضيع المطروحة “على الرغم من أن التصاريح الإعلاميّة لهم تتناغم مع الحلول والإقتراحات لكن التطبيق يأتي على عكس ما تشتهي رغبات المخلصين الهادفين إلى إنقاذ الوطن من الأزمات المتفاقمة التي تؤثر سلباً على الحياة اليوميّة للمواطن”.

من هنا يرى القعقور أن ثمة ضرورة لإقتناع المسؤولين بضرورة “تصويب النهج الضريبي المعتمد حاليا عبر إقرار قانون الضريبة التصاعدية على الدخل وتخفيض الضريبة على الاستهلاك رحمة بذوي الدخل المحدود ومن أجل تعزيز القوة الشرائية للمواطن”، وهو ما يوافق عليه الخبير الاقتصادي لويس حبيقة الذي يشير الى أهمية عدم فرض ضرائب جديدة من الآن حتى سنة 2020 في انتظار “تقليعة” مناسبة للاقتصاد فور تشكيل الحكومة.

لكن حبيقة يرى أن الأولوية هي لتأليف الحكومة على نحو عاجل، لأنه “من دون حكومة النزيف سيستمر ويصعب وقفه”. بعد الانتهاء من تأليف الحكومة ثمة الكثير من الملفات التي تتطلب المعالجة والتي تحتاج الى وقت.

في الموازاة، يرى القعقور ضرورة الاقتناع بكبح جماح شهية المسؤولين على جلب قروض جديدة وزيادة حجم الدين والفوائد، “لأن حجم الدين الحالي يشير إلى هدر ونهب وفقدان للخدمات والمشاريع وما الضمانات والشروط التي يتحدّث عنها المسؤولون للدول المانحة إلا أضغاث أحلام حيث سيتمكن المسؤولون بسبب خبرتهم الطويلة منذ العام 1993 ولغاية اليوم على الإلتفاف عليها ونهب ما يمكن نهبه. ثم أنّ لدينا في لبنان رؤوس أموال مجمّدة ومتعطّشة للدخول مع الدولة في الكثير من المشاريع الإستثمارية، وبالتالي يمكنها أن تكون البديل عن الديون الخارجيّة”.

وفيما يعوّل حبيقة على ضخ الكثير من الاستثمارات الخاصة في السوق فور تشكيل الحكومة، بدليل ان الكثير من استثمارات القطاع الخاص مجمدة في انتظار بصيص أمل، يؤكد القعقور ضرورة “تفعيل وتحديث العمل في الإدارات الرسمية وتعزيز الرقابة ومحاربة الفساد، والتحول إلى نظام المكننة في الإدارات الرسمية وعبر التعاون مع جمعية المصارف لإعتماد نظام تسديد موحد، بالإضافة إلى التعاون مع “ليبان بوست” كوسيط للمراسلات الناتجة من هذا النظام”.

ثمة اجراءات عاجلة للنهوض بالاقتصاد اللبناني، واجراءات تتعلق بالكهرباء والمياه والنقل والنفايات وتلوث المياه… ففي الكهرباء يشدد القعقور على ضرورة “رفع اليد عن قطاع الكهرباء والتوقف عن الحلول الجزئيّة التي أصبحت مادة إفادة للمسؤولين، وضرورة التعاون مع القطاع الخاص المحلي و/ أو الخارجي لبناء المعامل والشبكة الكاملة التي لن تكون عبئاً على الدولة، بل ستشكل مصدر دخل مهماً يرفع عنها العجز الدائم ويوفر للمواطن الكهرباء على نحو دائم”.

أما معالجة مشكلة تلوث الأنهار، فتكون عبر القروض والمنح الدولية، إذ من غير المقبول وفق القعقور “أن يتم مثلاً تزويد بيروت بمياه الليطاني- بسري – الأوّلي عبر منحة البنك الدولي وهي في الواقع مياه ملوثة مسرطنة غير قابلة للإستخدام”.

وللقطاع الخاص دوره المهم في معالجة البنى التحتية فإضافة الى قطاع الكهرباء، يرى القعقور ضرورة تعاون الحكومة مع القطاع الخاص لبناء شبكة نقل متكاملة تربط المدن الرئيسية بعضها بالبعض من خلال شبكة المترو وشبكة الباصات التي تخصص لها طريق خاصة، ومن خلال شبكات المترو المعلق ضمن المدن الرئيسيّة.

ولا ينسى القعقور الضمان الاجتماعي الذي هو اساس الحماية الاجتماعية، إذ على الدولة تسديد إلتزاماتها للصندوق كي يتمكن من تطوير وتحديث وتسريع خدماته للمواطن. ويمكن أن تقدم الدولة الى الضمان مباني وأراضي تملكها في جميع المحافظات مقابل جزء من الدين المستحق عليها، وتالياً يتم تجهيز مراكز حديثة معززة بإداريين وأطباء تخدم المواطن بكل إحترام وسرعة، ويتم تطبيق نظام اللامركزية الإدارية للموافقات على بعض الأعمال الطبية”.

فاقتصاد لبنان يحتاج إلى إطلاق يد البلديات لحل مشكلة النفايات ضمن خطة مركزيّة تحدد معايير الحل.

وفي ملف إستخراج النفط والغاز، يحضّ القعقور على ضرورة تعامل المسؤولين بشفافية والإقتناع بأن أرباحهم يمكن أن تتحقق عبر المنافسات المشروعة كي يبقى شيء للوطن.

ولكن حبيقة الذي يوافق على الاجراءات التي اقترحها القعقور، يعتبر أن هذه الاصلاحات يمكن أن تحتاج الى وقت، وتاليا يجب الحض على تأليف حكومة التي ما أن تبصر النور حتى ستبدأ ضخ الاستثمارات من القطاع الخاص. فمليار دولار كاف للمساهمة بإنتاج 5 مليارات دولار، بما يفسح المجال أمام تحريك العجلة، خصوصاً وان المجتمع الدولي على استعداد لمساعدتنا”.

فاقتصاد لبنان يمكن أن يتعافى شيئاً فشيئاً ليصل الى حالة النمو والنجاح، في حال إتفق المسؤولون على ضرورة وقف تقاسم الحصص التي تخدم مصالحهم وجيوبهم والعمل لمصالح الناس وحاجاتهم اليوميّة، وفي المقابل يحتاج إلى وعي المواطن ومحاسبة زعيمه الطائفي أو المذهبي إذا ظلّ يعمل أو يوافق على إجراءات تخدم الطبقة الحاكمة أو المسيطرة على البلد من دون الأخذ في الإعتبار المصلحة العامة للمواطن، وفق ما يقول القعقور.

في إختصار، تحتاج البلاد إلى أشخاص مخلصين ورجال تحكم بعدل وتعاون (ضمن ضوابط تحمي مصلحة الدولة) مع القطاع الخاص، وتالياً تبدأ مسيرة الإصلاح والنمو ويتعافى الإقتصاد والوطن.

salwa.baalbaki@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*