وقت التروي والمصارحة


مروان اسكندر
10112017
النهار

لبنان يمر في مرحلة حرجة والهموم الاقتصادية والمالية أقل احراجًا من المواقف السياسية. فهنالك رغبة لدى بعض الافرقاء في دفع لبنان نحو الانغماس في المشكلة السورية وخصوصاً على الشكل الذي صورته ممثلة الامين العام لهيئة الامم المتحدة في لبنان السيدة سغريد كاغ التي غادرت لبنان الى هولندا لتسلم منصب وزاري بعد انغماسها في موضوع اللاجئين الى حد بعيد.

فهي عبرت عن مخاوفها من أن تتأخر الدول المتقدمة والقادرة على توفير معونات مالية ونوعية للمهجرين السوريين في لبنان والاردن بصورة خاصة، في معالجة مشاكل المهجرين.

واعتبرت السيدة كاغ ان المهجرين يثقلون على الموازنة وعلى منشآت البنية التحتية ويحتاجون الى مقاعد دراسة توازي حاجة اللبنانيين ويتنافسون مع اللبنانيين في مجالات العمل.

كذلك أبدت ملاحظة حيوية الا وهي تعدل الديموغرافية في لبنان نظراً الى ان غالبية المهجرين السوريين مسلمون سنيون، وعددهم اضافة الى السنة في لبنان يطيح التوازن الطائفي، وهي استذكرت نتائج التعاضد السني اللبناني مع المقاتلين الفلسطينيين بدءًا من عام 1975 وتأجج الحرب الاهلية.

وحذرت من ان عدد الشباب ما بين الـ18 والـ46 من المهجرين السوريين يزيد على 200 الف وغالبية هؤلاء ممن انجزوا الخدمة العسكرية وفي حال تفجر ازمات داخلية في لبنان قد يصطفون مع السنة وحينئذٍ يواجه لبنان على حد قولها حرباً أهلية في المستقبل القريب.

هذا الكلام خطير ويجب ان يستحث كبار السياسيين على التعقل ومعالجة مشاكل الحكم والاقتصاد بروية.

وتتركز المخاوف الاقتصادية على استمرار ازمة انعدام النمو وتنامي الدين العام دون انفراج قريب، وليس أوضح من ارقام الموازنة التي تظهر عجزًا يقرب من 9 في المئة من الرقم المتداول لحجم الدخل القومي (ونحن نعتبره دون الحقيقة).

لقد بيّن المدير العام لوزارة المال الاستاذ آلان بيفاني وبدقة رقمية لم نشهدها لدى غيره ان معاملات اليومين الاولين من الاسبوع بعد استقالة سعد الحريري لم تشهد مضاربات كبيرة على سعر الليرة وطلب تحويل ودائع بالليرة الى الدولار، كما ان السحوبات لانجاز تحويلات كانت على مستوى معقول لا ينذر بان هنالك ازمة.

ولعلَّ أهم ما أوضحه آلان بيفاني ان العجز المتزايد للموازنة ارتبط بزيادة الانفاق لا بانخفاض عائدات الرسوم والضرائب التي ارتفعت في السنوات الاخيرة بنسبة 9 في المئة سنويًا وهذه نسبة مرتفعة، لكن زيادة الانفاق وتوسع عجز الكهرباء كانا من العناصر التي ساهمت في زيادة الدين.

وكان اللبنانيون رافقوا مساعي لجنة المال النيابية مدة أربعة أشهر لخفض العجز بما يساوي 1400 مليار ليرة، خصوصاً ان اقرار سلسلة الرتب والرواتب كان على الابواب، ولم يتمكن اعضاء اللجنة من اقناع زملائهم بالخفوضات، فاقتصر ضبط الانفاق على 130 مليار ل.ل. أي ما نسبته 9 في المئة من الرقم المستهدف. ومن المؤكد أن هذا الوفر لن يتحقق، وأن الوعود باصلاح الاوضاع في ارقام موازنة 2018 لن تتحقق، هذا اذا استطاع مجلس النواب اقرار موازنة السنة المقبلة المفترض انجازه في أقصى حال في كانون الثاني 2018 على ان تقدم مشاريع الموازنة وأرقامها في شهر تشرين الاول 2017 الامر الذي لم يحصل.

المخاوف على سعر صرف الليرة وعلى اوضاع المصارف تتجاوز واقع المعطيات الرقمية سواء على صعيد الاحتياط بالعملات الاجنبية أو امساك اللبنانيين، مؤسسات وأفراداً، بما يزيد على 80 في المئة من سندات الخزينة، الامر الذي يطمئن الى استمرار الرغبة في المحافظة على السندات.

والشكوى من تأثيرات الهندسات المالية التي أجريت بكثافة صيف وخريف 2016 تتغاضى عن المنفعة المحققة من استباق التطورات التي تعصف بأفكار اللبنانيين حاليًا، وتلك الهندسات وفرت للقطاع المصرفي ربحًا على مستوى 5.2 مليارات دولار تحصل للدولة منه ضرائب توازي 850 مليون دولار، أي ما كان يكفي لتغطية تكاليف السلسلة دون زيادة المعاشات التقاعدية.

يأخذ معلقون على حجم المساندة للقطاع المصرفي انها توازي نسبة 10 في المئة من الناتج القومي، وهذا الامر غير حقيقي لان الدخل القومي يفوق حسب المؤشرات العلمية 65 مليار دولار كما بيّنا في مقال سابق. ومن المفيد مقارنة عملية “التيسير الكمي” التي انجزها مصرف لبنان صيف وخريف 2016، بـ”التيسير الكمي” الذي توافر في الولايات المتحدة للمصارف والمؤسسات المالية وصناديق التحوط ومؤسسات الاقراض العقاري الحكومية. فقد بلغ مجموع “التيسير الكمي” عامي 2013 و2014 في الولايات المتحدة 14 تريليون دولار أي ما كان يوازي في حينه نسبة 75 في المئة من الدخل القومي، واستمرت زيادة معدل الدخل القومي على مستوى 2 في المئة كما تحقق في لبنان.

نأتي هنا الى ضرورة تبني سياسات تضبط ازدياد الانفاق بصورة عشوائية وتحفز النواب في الوقت ذاته اذا كان لنا ان نأمل في مستقبل اقتصادي واجتماعي افضل للبنانيين حالياً ولجيل شباب المستقبل.

جميع المؤسسات الاختصاصية العالمية سواء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والمصرف المركزي الاوروبي، وبنك التسويات الدولية (أو ما يسمى بنك البنوك) الذي مركزه في بازل سويسرا ويستصدر توصيات نسب السيولة والضمانات المطلوبة من المصارف – جميع هذه الهيئات كررت وتكرر ان المشكلة الاساسية في لبنان تتعلق بالانفاق وتزايده دون انضباط وبصورة خاصة عجز الكهرباء الذي بلغ 2100 مليار ل.ل عام 2016.

ان تخفيف عجز الكهرباء عن كاهل الدولة ممكن اذا وفرنا لشركة كهرباء جبيل وشركة كهرباء قاديشا تأمين الكهرباء من مولدات كالتي تستعمل في زحلة، اهميتها ان استهلاكها بالمقارنة مع المعامل المتقادمة أقل، وان وصلها بالشبكة للتوزيع في المناطق الآهلة دون تعريض الانتاج للخسارة التقنية على الشبكات المهترئة بنسبة 17 في المئة وتحمل سرقات بنسبة 20 في المئة، أمر يسهم في تأمين الكهرباء اضافة الى المولدات الخاصة العاملة 24/24، ولا حاجة الى سفن لتوليد الكهرباء يقدر ان تزيد الدين العام 1800 مليون دولار.

الترتيب الذي ندعو اليه ليس الامثل لكنه يؤمن الكهرباء على مدار الساعة وبتكاليف تقل بالفعل عن تكاليف انتاج الكهرباء وتوزيعها من المعامل القائمة التي لا يصل من انتاجها الى للمستهلك سوى 63 في المئة، وعلينا ان نؤمن انتاج الكهرباء من معامل يملكها القطاع الخاص تعمل على الغاز ومن مزارع المراوح الهوائية وتجهيزات الالواح الحرارية الشمسية، ونكون بذلك اسهمنا في خفض كلفة الطاقة والتلوث. ويبقى ان هنالك مشاكل معالجة النفايات، وتنظيف مصادر المياه، والحفاظ على البيئة ولا مستحيلات في وجه من يقصد التحسين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*