وعي العونيّة الشقيّ

 


حازم صاغية
ا
لحياة
16102018

في كلّ تشرين أوّل من كلّ عام يحتفل أنصار الرئيس اللبنانيّ ميشال عون بأحد أبرز الأيّام التأسيسيّة لحركتهم. ذاك أنّه في 13 من ذاك الشهر، عام 1990، تولّت عمليّة عسكريّة، سوريّة أساساً ولبنانيّة استطراداً، إبعاد عون عن قصر بعبدا. بعد ذاك لجأ إلى السفارة الفرنسيّة ومنها إلى منفاه الفرنسيّ، حيث بقيّ حتّى 2005.

واقع الحال أنّ العونيّة تتخبّط مذّاك في «وعي شقيّ»، أو «تعيس»، وصاحب «الوعي الشقيّ» هو الذي ينطوي على طبيعتين أو حالتين متعارضتين، وقد يُضطرّ إلى التضحية بإحداهما، مع أنّها أصليّة وقويّة فيه، تمسّكاً منه بالثانية. خفّة السعادة التي لا يكفّ جبران باسيل عن إبدائها تقول الكثير عن ذاك الشقاء العميق المتمكّن من الوعي العونيّ: كلّ لحظة استمتاع بإحدى الحالتين هي لحظة تذكير مُمضّ بالتخلّي عن الحالة الأخرى.

الأمانة تقتضي القول إنّ كلّ زعامة طائفيّة في لبنان، وكلّ زعامات لبنان طائفيّة بالتعريف، تحوي درجة ما من هذا الشقاء. التوفيق بين قيادة الطائفة والمشاركة في قيادة الوطن جالب، من حيث المبدأ، للشقاء المذكور. لكنّ الأمر يبلغ مدى أبعد، بل أبعد نوعيّاً، مع العونيّة: فالعاطفة المناهضة لسوريّة وحلفائها، خصوصاً «حزب الله»، عاطفة مؤسّسة لها. خصوم العونيّة ما بين 1990 و2005 لم يتردّدوا في اتّهامها بالتواطوء مع «صهاينة أميركا» و «العمالة» لهم. لكنّ حبّاً، كتلك «المودّة» التي ربطت بين جميل وبثينة بعد «السِباب» في «وادي بغيض»، ربطت بين العونيّة وكلّ من سوريّة الأسد و«حزب الله».

يتجسّد الشقاء راهناً في أشكال عدّة: فـ «التيّار» الذي ولد ونما بوصفه «حزب الدولة والسيادة» التي لا تعلوها سيادة، مضطرّ للدفاع عن ازدواج الدولة وانتصاف السيادة، بل عن سلاح أقوى بلا قياس من سلاح جيش الدولة والسيادة. و«التيّار» المتماهي، على نحو بسيط وزجليّ، مع «الغرب» و«الحضارة»، مضطرّ للانتظام في جيوش «الشرق»، أكان منها ذاك الذي يقوده الوليّ الفقيه أو الذي يقوده سيّد البراميل والكيماويّ. و«التيّار» الذي حوّل مكافحة الفساد والزبونيّة إلى ديانة، يجد نفسه مدافعاً يوميّاً عن كونه لم يتورّط فيهما. و «التيّار» الذي استعاض عن كلّ نقص تكوينيّ بالتوكيد على زعامة كاريزميّة من صنف أسطوريّ تنسلّ الأسطورة من بين أصابعه تاركةً إيّاه، وإيّانا، أمام عري العاديّة الكئيب. و«التيّار» الذي قال وأعاد إنّه سيوحّد المسيحيّين، عملاً بقانون توحيد الطوائف في البلد المنكوب بطوائفه، انتهى مجزّئاً للمسيحيّين على نحو غير مسبوق. وليس من المبالغة أن يقال اليوم إنّ أبرز ما بقي حيّاً من ثنائيّة 8 و14 آذار هو ثنائيّة «التيّار» و«القوّات اللبنانيّة».

في هذه المعاني شكّلت العونيّة أعلى محطّات الانكشاف الطائفيّ اللبنانيّ: حين تغدو المسافة بين الوعي الذاتيّ والحقيقة غير قابلة للعبور. حين يغدو البحث عن المعنى شبيهاً بالبحث عن الذهب في الغرب الأميركيّ. إنّه، من غير شكّ، سبب وجيه لشقاء أصحابه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*