وعورة البراءة



تصوير مروان عساف

طبعاً كان أورويل يعيش في عصر ما بعد الحرب، وانقسام العالم بين حَربتين، رأسمالية وشيوعية. وعندما وضع أشهر رواياته “1984” وقبلها “مزرعة الحيوان”، على طريقة “كليلة ودمنة” إنما كان يستقرىء المستقبل الذي ينتظر العالم، كلما سخَّر الإنسان تقدمه التكنولوجي صوب المكائد.

قبل الانترنت بزمن طويل، تحدث أورويل عن شاشة سماها “تلسكرين” لا يقتصر دور الإنسان على مشاهدتها، بل يرسل ويتلقى و… يخضع للمراقبة من خلالها. ويستخدم “الأخ الأكبر” هذه السطوة التقنية لغسل الأدمغة أيضاً. وفي رائعته الأخرى “قتلُ فيلْ” يصور الرأي العام وقد حولته وسائل الاعلام الى قطيع سائر، ممتلىء بما قد عبىء به.

ان “التلسكرين” لا يلتقط فقط كلامك بل أيضاً تعابيرك وايماءاتك. وحاذر أي حركة وجه غير مألوفة وكأنك تريد أن تخفي شيئاً. فهناك قانون خاص لمثل هذه الجرائم يسمى “جريمة المعالم” وتحال عادة على “شرطة الفكر”. أو شين. فاء. فمن أجل ان تنسى الناس الهدف الذي من اجله انشئت الوزارات في الأساس، تم الاكتفاء بالأحرف الأولى وحدها: وزارة الحقيقة (و. ح)، وزارة الوفرة (و. و)، وإلاَّ فإنك سوف تظل تتذكر الغرض الذي قامت من أجله تلك المؤسسات.

يدعى بطل “1984” ونستون سميث. ومهمته الأولى اجادة الكذب. استبدال الكذب بالكذب لأن الحقيقة لا وجود لها في الأساس. والقسم الذي يعمل فيه سميث في وزارة الحقيقة (و. ح) ليس الوحيد، وإنما هناك اقسام أخرى، منها دائرة انتاج الكتب والمجلات التي تركز على الرياضة والمتفرقات العنيفة والافلام الاباحية التي يسهل بيعها للعامة، كذلك يروج دائماً لاحلام الفوز باليانصيب. ولذلك، فإذا ما شعر الناس بالسخط والتذمر يكون ذلك لاشياء ضئيلة مثل عدم توفر الكماليات، أو السلع، أو ما شابه ذلك. تنسى الناس الحريات والكرامة والنفس الأبية.

تحدث أورويل عن القرصان التكنولوجي منذ طباعة تحفته الأدبية هذه العام 1949. وكان على ونستون سميث ان يمحو الحقيقة ببراعة ويزيف حقيقة أخرى. ثم يكون أول من يصدقها لأنه لم يعد هناك سوى هذا النوع من الحقائق. ولم يتبق له من أمل سوى في الناس، لكنه يجد انهم لا يتذكرون سوى اتفه الاشياء، كالخناقة مع جار، أو سرقة في الحي. فهم كالنملة التي لا تستطيع ان ترى سوى الاشياء الصغيرة.

وفي السجن أيضاً يرى ونستون الفرق بين معاملة المجرمين العاديين ومعاملة السجناء السياسيين وهو كالفرق في معاملة الاثنين خارجه: “كان السجناء بسبب أفكارهم في حالة ذعر دائم ويتعرضون لانواع التعذيب لا يتعرض لها المجرم العادي، بل ان المجرمين العاديين الذين ارتكبوا جرائم القتل والسرقة كانوا يبدون وكأن لا شيء يعكر مزاجهم، كما يبدون جرأة غريبة حيال الحراس ويسبّونهم ويهربّون الطعام من خلف ظهورهم”.

أين تكمن المأساة في عالم “1984”؟ في مكمنها الابدي: سهولة الاتهام ووعورة البراءة. تقول الاديبة سوسن الابطح (“الشرق الأوسط”، 11 آذار): “يبقى ان لبنان بلد صغير والمتورطون، أكانوا ابرياء ام مجرمين، ستلاحقهم تهمهم كلعنة تقضّ مضاجعهم”.

ففي لبنان لا فرق بين التهمة والحكم، ولا بين الاشاعة والحقيقة. وكان سعيد فريحة يقول إذا اردت التأكد من قتل رجل أطلق عليه اشاعة، لا رصاصة. وما هم المضاجع والمواجع. ليس لدى الناس وقت تضيعه على حساب الضمير، فثمة حسابات أكثر أهمية بكثير: الحاصل العام والصوت التفضيلي ومن يعطى ومن يُهمل من الفقراء والمرضى والبؤساء.

يجب اعادة النظر في المحاكمة، لا في التحقيق. التحقيق مع زياد عيتاني اجراه مأمورون يمكن محاسبتهم، لكن المحاكمة والإدانة واللعنة جرت كلها خارج القضاء. وكانت التهمة فظيعة الى درجة لم يتمهل احد لحظة في منحه فرصة الشك. ولم يجد شريكه في المسرح شيئاً يقوله في نكرانه سوى “تفووه”. ما من أحد يفكر مرتين أمام الحكم بالعار على متهم بالخيانة. خصوصاً من أجل “كوليت” التي زودته 500 دولار على ضفاف البوسفور.

عندما قال الوزير نهاد المشنوق إن على الشعب اللبناني ان يعتذر، كان يقصد تلك المحاكمة خارج القضاء. يقصد ان يتمهل اللبنانيون قليلاً قبل ارسال الرجال والعائلات والامهات الى الاعدام وساحات المشانق. يقصد ان يعتذر هذا الرأي العام، رأي المستر ونستون سميث، الذي وجد نفسه يصدق التهمة الموجهة اليه، لأنه الخيار الاكثر سهولة. أحياناً يكون تحمل التهمة أسهل من تحمل التحقيق. وقد قال نابوليون، لا شيء يخيفني سوى الافعى وقاضي التحقيق. ليس لأن القاضي قاس، بل لأن التهمة نفسها مريعة إذا كان المتهم أبياً.

عندما طالب نهاد المشنوق الشعب اللبناني بالاعتذار، كان يفكر في نفسه، يوم قرر قرصان “1984” ان يرسم له التهمة المدمرة. لكن نهاد المشنوق كان أقوى من خيوط العنكبوت، وأقوى أيضاً من منفاه.

في مجملها قصة مأسوية في كل الاتجاهات. وفي انتظار النهاية القضائية لهذا المسلسل البوليسي حقاً، يبدو كل فصل محزناً من فصول “المتاهة”، اذا كنتم تذكرون مسلسل “ذي ماز” وليس اقل أسى الفصل المتعلق بالضابط سوزان الحاج، بصرف النظر عما سوف تؤول اليه الامور ومراحل التحقيق. فقد كانت تطل على اللبنانيين رمزاً للمرأة الحسناء وقد ارتدت الزي الرسمي، فإذا بها توقف في يوم المرأة العالمي في شبهة شديدة القسوة.

ألغت أوروبا حكم الاعدام بسبب بضع قضايا كان ينفذ الحكم بإنسان يتبين في ما بعد انه بريء. لسنا البلد الوحيد الذي يقع فيه خطأ ، أو مكيدة. لكننا الشعب الوحيد الذي يصدر الاحكام قبل القضاء، ومن ثم لا نعود نقبل بالتبرئة. قال الاستاذ وئام وهاب إن نصف الناس لن تقتنع ببراءة زياد عيتاني وسوف تظل تساورها الشكوك. وهذا هو الجزء الاهم من هذه الدراما التي اتخذت بعداً مسرحياً اضافياً. وكأنها رواية لأغاتا كريستي التي تلقي الشبهات على الجميع قبل ان تكشف، في النهاية، عن الفاعل الحقيقي. لكن في مسرحيتها “مصيدة الفئران” حتى الفاعل يظل مزدوجاً. والناس حيارى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*