وطن القضايا (النجوم سابقاً)


سمير عطاالله
النهار
27092017

في الاربعينات خطر لأهل الضيعة خاطر فيه شيء من التجاوز: أن تشق لهم طريق من النوع المزفّت باب أول، بدل “الكروسة” وبحصها ودلغانها. ولم يكن الوصول الى ذوي القرار سهلاً، فتم التشاور، ثم الاتفاق على مفاتحة أحد الوجهاء. وتشكل وفد من ذوي الاعتبار والأعضاء الاختيارية على رأسه مفوّه يبدأ جمله المنثورة جميعها، بـ “قد”. استقبلهم الوجيه الوسيط بمزيج من الهيبة والترحاب. عرض الناطق المسألة بادئاً ببعدها الاستراتيجي: سوف تستفيد من عصر “الاسفلت” كل القرى التي في الدائرة الواقعة غرب بكاسين. ثم انتقل الى البعد، أو الأفق، الوطني: سوف تتحول اكثرية ناخبيكم الى اجماع لا يُحرق ولا يُغرق ولا يُخرق.

وعد الوجيه بنقل المطلب الى السعادة. وذهب بعد يومين الى لدن العرش. وخطر له، مثل جميع الحاشية، أن يضع المطلب في صيغة السخرية، لكي يُضحك صاحب السعادة أولاً، ومن ثم يعرض ما يعقِّد الجبين، خير هذا بشر ذاك، وإذا الله قد عفا.

قدّم العرض بالنص التالي: “عاجبك يا سيدنا؟ كل عمرهم أهل بتدين اللقش عَ الدواب، وهلّق بطّل يعجبهم إلا طريق الزفت”؟ ولووه، كل عمرنا على هالبطاقة وحبرها وبردايتها وتظبيطاتها ومحادلها ومواكبها ويافطاتها ومفاتيحها ورسوم الترشح ورسوم الاقتراع، وهلق أو “نوميريك” شغل الهند أو ما في انتخابات؟

امضى هذا البلد – كما كان يسميه رشيد كرامي – عاماً، قبله بضعة أعوام، في درس ومناقشة قانون انتخابي. وفي النهاية وصلنا الى فسيفساء من حارات وزقازيق ومصاطب واحواش (من حوش)، وقانون يرضي البعض ولا يفهمه احد. وبكل شفافيته وخلقه قرأ الرئيس تمام سلام مقطعاً من ذلك القانون، ثم طلب ممن فهمه من الوزراء أن يشرحه له. فلم. ومع ذلك ارتضى الناس قانوناً غير مفهوم على قانون غير معلوم.

وإذ قدَّر الله أمراً كان مكتوبا، فوجئنا بـ”البيومتري” الهندي.وحتى حينه (ح. ح.) كنا نعتقد أن الهند تصدر نماذج القوانين الانتخابية: دولة من ست لغات رسمية و 300 “ديالكت”، ومليار بشري، وبوذيين على هندوس على مسلمين على مسيحيين، على 9 ملايين لا يستخدمون المصاعد ولا السيارات ولا يضغطون زرّ الكهرباء. دولة تشكل أكبر ديموقراطية في العالم، ونحن لا نرى ما يستحق التعلم منها، إلا “البيومتري”؟

لماذا ليس المغنطة من فنلندا، بلاد “نوكيا”؟ لماذا ليس من لاتفيا، عاصمة “سكايب”؟ لماذا ليس، وألف ليس، على وزن نزار قباني في قصيدته “حبلى”. لكن الاوطان تحمل وتتحمل ولا تحبل. مسكينة الأوطان التي الحقّ فيها على القتيل والمتهم هو المدعي.

يعتاد الكائن البشري كل شيء، وخصوصاً إذا كان مواطناً في العالم الثالث. والعادة طبيعة ثانية. فمن يفاجئه اليوم عتم أو زبالة؟ وزميلنا سليم زبال كان أهم المراسلين في مجلة “العربي”، يفاخر باسمه قبل شغله. وقد تفاجأ بأسماء عربية كثيرة أصر أصحابها على الإرث والتراث. مثل السيد

طاهر بطيخة، من أبرز معارضي تونس، حفظه الله. والنائب المصري فؤاد لكع، حمانا الله. وذات مرة عرّفني الصديق الراحل جميل اسكندر الى مدير عام من “آل النوام”، فقلت له معترضاً: “اتعرفني على ابن عمي”، فأنا أمضي في النوم أكثر مما كان يمضي نجيب الريحاني.

غريبة قضايانا. كلها من زمن العصر الحجري: كهرباء، وماء، وعدد الأرغفة في ربطة الخبز، والتعليم الذي جعله الحبيب بو رقيبة الزامياً. وطه حسين مجانياً قبل 60 عاماً.

والعطلة! هل هي حق؟ لا يا شباب، ما بتمرق كيف ما كان – ما بتمرق. نحن بلد متعب بايام العمل. بلد لا حرمة فيه للأعياد ولا احترام لحقوق الطوائف التي لا تتجاوز بالنسبة الى بعضها، هذا اليوم اليتيم. الشائع أن الموظفين الرسميين لا يعملون، في أي حال. عطلة غياب دائمة. أي غياب الدولة. وعمّال القطاع الخاص لم يعد لديهم ما يعملونه، هم أيضاً في هذا الازدهار المكشكش،والمساواة بركة، والبركة نعمة، والنعمة عامة.

وللمناسبة، أنا مع الحكومة، لئلا يقع فهم خاطىء، أو سوء فهم. ذات مرة سافرت مع وزير اعلام البحرين طارق المؤيد الى القاهرة. وكان في استقباله رهط من الصحافيين يتقدمهم رئيس مجلس ادارة “الأخبار” محسن محمد. وبسبب سروري برؤية محسن، نسيت البروتوكول، واندفعت اسلم عليه، فدفعني بهدوء وعانق طارق المؤيد قائلاً: “ايمتى حَيفهم صديقك اللبناني إن أنا مع الحكومة اولاً، يعني نسلِّم اولاً على الحكومة”.

روى لي مرة سفير الكويت في الخرطوم أن اهالي جنوب السودان يأتون الى العاصمة من غير أسماء. وفي المدينة، يختارون الإسم الذي يروقهم. وأكثر الأسماء شعبية “بوليس حكومة” و “تلفون”. يرون رجلاً لابساً طقماً رسمياً ومعتمراً قبعة طويلة ومعه عصا وصفارة، فيروقهم الشكل والنفوذ. وأما “تلفون”، فلأنهم لم يكونوا قد رأوا تلفوناً من قبل، فاعجبهم أن البشر تستطيع الاختباء في علبة صغيرة إلى هذا الحد، وفيها انس وجن وايضاً ترن مثل أجراس قوافل النيل . أما في أدبنا الشعبي، فكان صوت اجراس الجمال عنوان التعب والعناء:

 جمال محمَّلي وجراس بتعن / وأيام المضت عَالبال بتعنّ /

 حملت بضاعتي واندرت بيعن / غريب وما حدا مني اشترى.

دعونا ننتخب – للمرة الأخيرة – بلا “بيومتري”. ولن يكون في ذلك استثناء. فطالما انتخبنا بالاقتراع في مكان وبالتعيين في مكان. وطالما عدلنا الدستور لمرة واحدة فإذا هي في الحقيقة سابقة قانونية. ولطالما مدّدنا للتمديد والفراغ والشلل والنكايات والنكبات، ما هو ازلي منها مثل الكهرباء، وما هو سرمدي مثل القمامة، انتم أكبر قدر.

من يذكر منكم بديعة مصابني بائعة الجبنة واللبنة، في شتورة؟ قبل أن تتقاعد في شتورة، عاشت اليتم والترحل وقسوة الأم المرتعبة من الفقر، ومن ثم اصبحت نجمة من نجوم الشرق وصاحبة اشهر ناد ليلي في القاهرة، منه انطلق عبد الوهاب واسمهان وفريد الأطرش وسواهم. وعندما عرضت الابنة الثرية على الأم الفقيرة أن تنتقل للعيش معها، قالت لها (1): “كيف تريدينني أن اعيش معك وانت تعيشين هذه الحياة، تقفين على المسارح لتغني وترقصي أمام السكارى والمعربدين؟ كيف تريديني أن آكل خبزاً ثمنه هدر كرامتك؟ لقد اصبحنا مضغة في أفواه الناس”.

كان المؤرخ يوسف ابراهيم يزبك يروي ان قاضياً درزياً من جيرانه في الحدت، تزوج فتاة من بلدته. وكان شرطها للقبول الا تأكل من مورده، بل من عند اهلها، لأن مال الدولة حرام، لأنه مال الناس. أيام المضت عَ البال بتعنّ!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*