وثائقي «رسالة من لندن» احتفالاً بمئوية إلغاء شعب سردٌ منحاز وفقر خيال وتخلِّ عن مواجهة الواقع


ندى حطيط
Apr 06, 2018
القدس العربي

تجاوزت الوثائقيّات التاريخيّة هذه الأيّام، مرحلة أن تكون بمثابة ملفات تسجيليّة عن الأحداث الهامة تُكنس فيها الأرشيفات وقصاصات الصحف العتيقة تحت ترددات صوت جذل عميق يقرأ على مسامع المتلقين بجديّة بالغة مفتعلة نصاً كلاسيكياً لا جديد فيه.
لقد كسر توفر المواد المرئيّة والمقروءة في الفضاء السيبري حاجة المتلقين للاستماع إلى مثل تلك النصوص المكرورة حول حدث ما من خلال فيلم وثائقي تقليدي، لا سيّما بعد أن نقل صانعو الأفلام والمخرجون في الغرب – الأمريكيّون على رأسهم – لعبة الوثائقيّات مع التاريخ إلى مستويات مذهلة في قدرتها على استنطاق ذات الحدث الموثّق وإعادة إحيائه بصور مغايرة وبديلة بل ونقيضة أحياناً، تمتلك القدرة على استدعاء المتلقي دون هوادة إلى التتلمذ أمام الشاشة لمتابعة سرديّة جديدة مبدعة حتى عن أحداث سمع بها من قبل.
لكن، وربّما لحسن حظ الجانب الفلسطيني المظلوم – فإن الطاقم البريطاني الإسرائيلي المشترك القائم على إطلاق الوثائقي التلفزيوني «رسالة من لندن» احتفالاً بمئويّة وعد بلفور بدا من شدّة التزامه في ترديد الرواية الإسرائيليّة الرسميّة عن تاريخ تلك المرحلة كما لو أنّه ليس معنا في القرية المعولمة الصغيرة فيما يتعلّق بكيفيّة صنع أفلام الوثائقيّات التاريخيّة الكبرى.

احتفالاً بمئوية إلغاء شعب

كانت مرّت بمسار أيامنا قبل أشهر قليلة الذكرى المئويّة لما يُعرف بوعد بلفور وهو الاسم الذي اشتهرت به تلك الرّسالة المؤرخة في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 التي وجهها وزير خارجيّة بريطانيا – العظمى – السير آرثر بلفور حينها إلى الرّأسمالي اليهودي اللّورد ليونيل والتر دي روثشايلد بأن حكومة صاحب الجلالة ستنظر بعين العطف إلى إقامة كيان قومي لليهود في فلسطين، متمنياً عليه أن يبلغ الاتحاد الصهيوني بذلك. ورغم أن تلك الرّسالة (من لندن) ليست لها قيمة فعليّة قانونيّاً أو إجرائيّاً سوى من الناحية الرمزيّة المحضة، فإنها بتبعاتها التاريخيّة، و ما تمحور حولها من جهود الدولة البريطانيّة العظمى، تمخضت عنها وخلال ثلاثين عاماً منذ ذلك التاريخ الدّولة العبريّة التي هي دون شك أكثر التجارب السياسيّة المعاصرة عنصريّة وإجراماً مستمرين منذ مئة عام من تاريخ تلك الرسالة التي وعدت بأراض لا تمتلكها الإمبراطوريّة البريطانيّة، لشعب لا يقيم فيها وعلى حساب سكان البلاد الأصليين ودون استشارتهم مع تجريدهم من حقوقهم السياسيّة والوطنيّة.
الإسرائيليون الذين يعتبرون رسالة بلفور بمثابة شهادة ميلاد رمزيّة لقيام دولتهم لم يدّخروا جهداً للاحتفال بمئويتها، وطار بنيامين ناتانياهو رئيس وزرائهم إلى لندن لتناول العشاء مع تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا وتبادل الأنخاب معها احتفالاً بما تحقق بفضل تلك الرسالة، إضافة إلى عدة نشاطات ثقافية وفنيّة مشتركة بين الطرفين فيما بين لندن وتل أبيب.
أحد هذه الأنشطة المشتركة كان الوثائقي التلفزيوني «رسالة من لندن» للمخرج البريطاني دوغ داغليش والكاتب الإسرائيلي ميلفين ليبيتش والذي تأخر عرضه الافتتاحي – لأسباب تقنيّة – حتى الشهر الماضي، قبل أن يبدأ تقديمه في عروض خاصة تنظّمها المراكز اليهوديّة عبر عواصم كبرى ليتبعها قريباً عرضه على القنوات الفضائيّة.
«رسالة من لندن» يرسم في خمسين دقيقة ملامح السياسة الرسميّة البريطانيّة نحو مشروع إقامة وطن قومي لليهود على الأرض الفلسطينية منذ بدايات القرن العشرين، مروراً بمرحلة التصويت على الوعد في مجلس الوزراء البريطاني يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1917 إلى ليلة إعلان انتهاء الانتداب البريطاني وقيام الدّولة العبريّة في 1948.

صور أرشيفيّة تقطعها مقابلات لا تقول شيئاً

بالطبع فإن منتجي الفيلم استفادوا من الهالة التي أحاطت مشروع الاحتفال بالمئويّة للحصول على دّعم رسمي في كل من بريطانيا وإسرائيل وكذلك من المنظمات اليهوديّة في مختلف أرجاء العالم، فتمكنوا من الوصول إلى ما وصفوه بوثائق ومواد فيلميّة نادرة، ونجحوا باستقطاب عدد كبير من المؤرخين والخبراء وذوي الصلّة من الجانبين البريطاني والإسرائيلي لتقديم شهاداتهم عن المرحلة. ولذا فقد كان المتوقع أن يكون المنتج النهائيّ على مستوى الحدث التاريخي الذي ما زالت آثاره الدمويّة كما بئر مسمومة تشرب منها شعوب الشرق الأوسط جميعاً إلى اليوم. لكن مشروع داغليش وليبيتش الطّموح انتهى شريطاً باهتاً، يُعلّب في وقت قصير للغاية رواية إسرائيليّة تقليديّة رسميّة مملّة عن تلك المرحلة الحاسمة من التاريخ ويقدّمها كطبق بارد على مائدة من فيلميّات أرشيفيّة – على ندرة بعضها – لا نعرف أنها بالضرورة مرتبطة بهذا الحدث التاريخي تحديداً، ليقطعها ظهورٌ متكرر لصف طويل من المثقفين المنحازين والحريصين على السجود أمام هيكل السرديّة الإسرائيليّة دون أن يتمكن المتلقي من أن يحظى بمساهمة – ولو واحدة – ذات قيمة فعليّة لأي منهم لكثرة من أدلوا بدلوهم في الشريط.

الفرصة الضائعة لإعادة تقديم الحدث

«رسالة من لندن» لم يبد وقد أضاع البوصلة من الناحيّة الفنيّة فحسب، بل سقط أيضاً في اختبارات التّاريخ، والمسؤوليّة الفكريّة والخيال على حد سواء.
فالنص يهمل وعلى نحو متعمد صوت الجانب الفلسطيني، وحتى عندما تقدّم بعض ردود أفعاله فإن ذلك يبدو مجرد أمر جانبي لا يؤثر في مسار تلك السرديّة النوستالجيّة الرثّة عن مرحلة التّأسيس التي يتوّرط فيها الشريط، وكما يتهرّب بشكل متعمد من الاقتراب مما تمخضت عنه المرحلة التي يتحدث عنها هذا المنتج التلفزيوني فيما بعد لحظة إعلان الدّولة العبريّة، سواء لنوعيّة الكيان الذي نشأ عنها بكل عنصريته وعدوانيته، أو لناحيّة المأساة التي أصابت عيش كامل الشعب الأصلي لأرض فلسطين، لا سيّما وأن الرسالة التي بعثت بها لندن ذات نوفمبر تتحدث – مع وعدها المشؤوم – عن عدم المساس بالحقوق السياسيّة والدينيّة للسكان الأصليين. هذا التهرب من مساءلة الحدث التاريخي عن مترتباته أسقطت الفيلم إلى رتبة الأفلام المدرسيّة التي لا تتوقع منها الخوض في نقاش معمّق أو تقديم طرح ذي لون مغاير عن موضوع درس اليوم.
لكن خيانة «رسالة من لندن» الأكبر لم تكن بحق الفلسطينيين أو بحق العقل الإسرائيلي المعاصر فقط، بل هي خيانة بحق صناعة الوثائقي التاريخي التي شهدت تحولات جذريّة في تقنياتها وطرق عرضها للأحداث كما في طريقة قراءة الحدث التاريخي ذاته والتي وإن استهدفت ربّما ذات الغايات الأيديولوجيّة بعيدة المدى للرّوايات الرسميّة لكنها تتوسل الخيال لإسناد السّرد وتملأ الفراغات بين الوقائع بإضافات تجعله يكتسب حياة ولوناً وجاذبيّة. خذ مثلاً فيلم «تحت الشمس» – 2015 لفيتالي مانسكي الذي هو بالضرورة فيلم أمريكي عن كوريّا الشماليّة وينطق على نحو أو آخر بالمنطق الأمريكي تجاه بيونغ يانغ، لكنه مع ذلك يكسر حدود البروباغندا البلهاء ليقّدم قراءة نقديّة لانخراط الجميع من حكومات وصناع أفلام ومثقفين بترديد ببغائي شبه تآمري لـ «حقيقة» مزعومة عن الكوريين تخدم أغراضاً محددة دون أن يكلّف أحد نفسه عناء التحديق بالواقع ولو على حساب التاريخ أو المسؤوليّة الفكريّة – ناهيك بالأخلاقيّة – وحتى على حساب القدرة على إقناع المتلقّي.
«رسالة من لندن» كان يمكن أن يكون وثيقة تاريخيّة يخطّها ذات التحالف القديم بعد مئة عام عن الرسالة التي حملت وعداً نُفّذ بإلغاء شعب. فشل طاقم الفيلم في تلك المهمة شكلاً ومضموناً بارقة أمل بإبقاء جذوة الحقيقة متقدة، فأهل البلاد الأصليون الذين شردتهم تلك الرسالة ما زالوا يُصطادون كالعصافير على حدود سماواتهم وفي قلب عاصمتهم المسلوبة، ولم يكن ينقصهم في مثل هذا الوقت نجاحٌ آخر لماكينة الدّعاية الإسرائيليّة.

إعلامية لبنانية تقيم في لندن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*