واسيني الأعرج لـ”النهار”: لديّ مفهوم آخر لـ”التطبيع” وهل المطلوب الانغلاق على أنفسنا؟ (فيديو)

لا يتطلّب الأمر جهداً لتعقّب الرجل من بين العشرات في الازدحام. يكفي أن تطارد القبّعة على الرأس والشال على الكتف. نهاره الطويل في ضيافة “مهرجان كتارا للرواية العربية” بالدوحة، جعله يهرول إلى الفندق بعد الظهر للاستراحة. وفي المساء كان اللقاء. يتمهّل الروائي الجزائري #واسيني_الأعرج في النظر إلى الأماكن والخطوات. يسبقه وهج الحضور إلى المرء المهتمّ به. أسأله قليلاً من الوقت، من الذاكرة والموقف حيال إشكالية الثقافة والأدب. يُرحّب على طريقته في إظهار اللباقة، ونجلس معاً، في حوار لـ”النهار” عن الرواية اليوم، مزاج القارئ، الإحباط والتعب، المجاراة والخطوط الحمراء، وعن أزمة ما يُسمّى بـ”التطبيع الثقافي” ونموذج#زياد_دويري في السينما، وحملات التخوين كلّما تُرجم أدبه إلى العبرية.

الدوحة فاطمة العبدالله
17102017
النهار

“وإلا سيدوسنا الزمن” 

يضع “آيفونه” القديم أمامه على الطاولة ويُحسن اختيار وضعية الجلوس. في لوبي الفندق، ندرك معاً أنّ ضجيج الخارج ينغّض سكينة الكلمات، فنحاول رفع الصوت. ترحيبٌ صادق بالرجل، وسؤال عن حضور الرواية في يوميات الصورة والفضاء الالكتروني، وتبدّل الزمن بين الماضي والآني. يقرّ بأنّ كلّ شيء تغيّر. “الورق يعاني، وهذا امتداد بديهي لتطوّر تقنيات الأزمان. فلنتذكّر أيّ مجد عاشته المطبعة. ماذا عن المطابع اليوم؟ خفوت وانحسار. علينا تقبُّل أنّ العالم يتغيّر. هذا زمن “فايسبوك” و”تويتر” وسرعة التواصل. إن لم نفعل، فسيدوسنا ويُكمل طريقه”.

تعنيه القيمة المستترة خلف الجوائز الأدبية، هو الفائز بـ”كتارا” بدورتها الأولى هنا في #قطر. “مهمّة جداً كونها تدفع بالنصّ إلى الأمام، فيُضيء الإعلام عليه وتدور حوله نقاشات بين النقّاد. ليست كلّ النصوص جيّدة. كيف يمكن القارئ أن يطّلع على هذا الكَم؟ الجوائز تُسهّل مَهمّته فلا يُتعب نفسه في البحث والحَيرة. تمنح النصّ فرصة التفرّد والظهور”.

الحرب والمثقف “غير المقدّس”

تختمر الكتابة في الجسد والروح، وتصبح متعة العمر. يعلم واسيني الأعرج أنّ هذا الزمن يشهد كلّ شيء، القيمة والرذالة، والمعنى والخواء. “يمنح عصرنا أياً كان إمكان قول أيّ كلام. للناس حق التعبير. لم نعد في زمن الرقيب”. “لكنّه أيضاً زمن التفاهة”، نقاطعه، فيوافق ويجيب: “لا ألوم التافهين وحدهم. الملامة تقع على الحركة النقدية الثقافية. المسألة تحتاج إلى تأمّل جوهري”. ندرك أنّ سؤال الإحباط يُطرح في كلّ مناسبة. وإنما مأزق المنطقة العربية يجعل استعادته على الدوام مُبرّرة. “هل أصابك اليأس؟”. يؤكد المؤكد: “الوضع السياسي قاسٍ جداً. عشتُ الحرب الأهلية في الجزائر كما عشتموها في لبنان. الحروب خطيرة، تدفع إلى التساؤل: “لماذا قامت؟ هل هي قدر من الأقدار؟ ألم يكن ممكناً قهرها والحؤول دون تناميها بشكل سرطاني؟ تترك الحروب أوطاناً مكسورة، مُنهَكة، تحتاج إلى إعادة بناء. في الرواية اللبنانية، لا تزال تيمة الحرب بذروة حضورها. وأيضاً في السينما. إعادة تشكيل الإنسان تحتاج إلى زمن”.

أسأله عن الكاتب في حروبنا العربية. “موجود، لكنّه ليس رجلاً مسلّحاً. هو رأس يفكّر، وإنما هل يصل تفكيره إلى المجتمع؟ هنا السؤال. مؤسسات الدولة الرسمية تملك الوثائق، فلا تمرّر سوى الخطاب الذي تريد. كما أنّ المثقف نفسه لم ينجُ أحياناً من التورّط في مساحات كثُر فيها الفساد، فيدخل في اللعبة مع هذا ضدّ ذاك لغايات مالية لا نُبل فيها. هو أيضاً ليس مقدّساً. عليه إعادة النظر بنفسه وتكوين منظومة نقدية تسمح له بالقفز إلى الأمام”.

متى يضع الروائي لنفسه خطوطاً حمراء؟ أتكلّم عن تجربتكَ. لا ينفي إمكان الاصطدام بالممنوعات في السياسة والمجتمع والدين. “الكاتب يكتب بحرّية، ولكن عليه ألا ينسى أنّ علاقته بالقارئ منصاعة لشروط. ينبغي أن يُقنعه لينجذب نحو أفكاره ونصّه. لا أعني أنّ من واجب الكاتب إرضاء القارئ. عليه أحياناً التسبُّب بـ”صدمه”، ولكن بمسؤولية. هذا جزء من الوظيفة الأدبية”.

المفهوم الآخر لـ”التطبيع”

يدرك ما تعنيه حملات التخوين حين تُصبّ على المرء. ترجمة بعض رواياته إلى العبرية عرّضه للحظات عاصفة، لكنّه صاحب رأي واضح، ليس من النوع المُساير، فيؤكد: “نعم، إسرائيل عدو تاريخي. يجب ألا ننسى ذلك. لدينا جميعاً رغبة في تحرير فلسطين. ولكن أن تُدعى من أخيك الفلسطيني الذي تقاسمه منذ الطفولة هموم الاحتلال، إلى أرضه لتشاركه الهمّ الكتابي والطاقة الإيجابية للوصول إلى الكتّاب العرب، فهذا ليس فعلاً تخوينياً يستدعي الجَلْد. أفهم التطبيع بشكل آخر. هو ليس لغة. خلافي مع الصهيونية في كونها ايديولوجية قمعية عدمية غير إنسانية، فأمقتها أينما كانت. هذا موقفي. أما اللغة، فمسألة أخرى، وإلا أين نضع الأنبياء الذين تكلّموا العبرية؟ هنا المؤمن سيغدو كافراً إن أنكرهم وشكّك بهم. هل أرفض مَن يقاومون الآلة الاحتلالية ويتعاطفون مع القضية الفلسطينية فقط لأنّهم يتكلّمون العبرية؟ أرفض نتنياهو وشارون لأنهما مشاركان في الجريمة. في فلسطين تُرجمت كتاباتي إلى العبرية، كما تُرجمت إلى الفرنسية، لغة البلد الذي استعمر الجزائر وقتل والدي. حينها سأرفض الكتابة بالفرنسية لأنّ أبي مات ضحية المستعمر الفرنسي”.

نعود إلى “الصدمة”، فيلم زياد دويري المُثارة حوله حملة عنيفة. يُذكّر واسيني بأنّ النصّ مأخوذ عن نصّ مواطنه الجزائري ياسمينا خضرا، ويضيف: “دويري مخرج تتبّع الأماكن لتصوير فيلمه، فسُمح له بالدخول كي يصوّر. هل المطلوب الانغلاق على أنفسنا؟ التطبيع بمفهومي هو الاعتراف بإسرائيل دولة مبنية على فكر صهيوني. والاعتراف بالقتلة وراء تدمير فلسطين والبلدان العربية”. اللغة عبور إلى المطلق.

اقرأ أيضاً: “كتارا” مُكرِّمة الرواية العربية: السياسة متغيّرة والثقافة ثابتة

في الآتي فيديو المقابلة، وعذراً على الضجيج واهتزاز اليد.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*