هنري لوسيان رسب في المدرسة ونجح في الحياة، بنى قصره من أنقاض 45 بيتاً أثرياً

 

روزيت فاضل

       المصدر: “النهار”
    08072017

نجح هنري لوسيان في “مدرسة” الحياة لأنه واجه تحدياتها بإرادة صلبة وشيء من الجنون، وهما نواة رئيسة تمتزج مع الحلم لتتحول مع الوقت إلى حقيقة ملموسة. حياته نموذجية تدور في فلك المغامرة، رست اليوم برجل يعيش شغفاً لا متناهياً بالبيوت الأثرية في بيروت. نجح في بناء قصر في البترون من أنقاض 45 بيتاً أثرياً في لبنان، وواكب ورشة بنائه بكل تفاصيلها. تمكّن منأن يحوّل شقته في منطقة الجعيتاوي في الأشرفية إلى منزل أثري من الداخل، مضفياً عليه لمسات أثرية فنية قام بها شخصياً بمساعدة ولديه.

من هو؟

لا يخجل لوسيان، الذي يميل شكله إلى “غجري” بهوية لبنانية، من الحديث عن حياته الصعبة جداً. نشأ في منزل بمحيط مرفأ بيروت، شعر بهول الحرب بثقلها وبشاعتها. أكّد أنّ الظروف شاءت أن يترك المدرسة في عمر العاشرة ، مشيراً إلى أنّ الكثيرين من أبناء جيله رسبوا في دراستهم خلال الحرب. استعاد بذاكرته هذه الفترة قائلاً:”لا أذكر أننا كنا نتردد بشكل منتظم إلى المدرسة. كانت الحرب تمنعنا فعلاً من ذلك”.

طوى لوسيان طموحه الدراسي لينخرط في مدرسة الحياة، مشيراً إلى أنه تنقّل في مهن عديدة؛ من تركيب الستائر إلى عامل في سوبرماركت، وصولاً إلى خدمة الزبائن في المطاعم، فإتقان مزج الفواكه لصناعة “الكوكتيل”.

الفنّ عالمه

وجد لوسيان نفسه منجرفاً في عالم صناعة العقود المضاف إليها مجموعة من الأكسسوار تشبه عاج الفيل. توجه إلى بيته، ونجح في صناعة عقود عديدة، وباعها في أحد معارض درج الفن في منطقة الجميزة. يقول:”كنت أسهر الليل كلّه لصناعة هذه الحليّ. كان عليّ أن أبيعها لأؤمن مدخولاً وافراً لي وللعائلة. كانت والدتي تساعدني في العمل، وقدمت لي بعض سترها الجلدية لتكون نواة لصناعة هذه العقود”. لم يتردد بالقول إنه استمر لثلاثة أعوام متتالية في بيع العقود، ومجمل الحليّ المصنوعة بيديه على مدخل الجامعة الأميركية في بيروت.

شكلت مشاركته في معارض درج الفن في منطقة الجميزة مدخلاً لاكتشاف حبه للتراث: “كنت أحاول التسلل إلى داخل أحد المتاحف قبل ترميمه. أردت رؤية كل شيء فيه”. بدأ لوسيان يعي أهمية البيوت التراثية في حياته، خاف عليها لأنه يعي تماماً أن الهندسة العصرية ستمحو أي أثر لها.

كيف بدأ لوسيان جمع أنقاض البيوت الأثرية ليبني قصره في البترون؟ “كنت أمر يومياً ببيت أثري مهجور في منطقة الباشورة. فوجئت يوماً بأنه هدم كلياً، وبات أجزاءً متفرقة: قناطر، بلاطاً، قرميداً، شبابيك وأبواباً قديمة… اشتريت هذه الأغراض، وبات لدي هوس كبير في تجميع كل ما يتوفر من أنقاض البيوت الأثرية”.

من البترون

عمل لوسيان أعواماً عديدة لبناء قصره في البترون. كان يشارك العمّال في كل شيء، طلاء العواميد القديمة، تركيب القرميد الأحمر بتأن… قال إنه لا يمكنه شراء هذه الأشياء القديمة بسعرها الحقيقي لأنها غالية الثمن، وتمكن من خلال الراغبين في بيع أنقاض 45 بيتاً أثرياً أن يبني هذا القصر. وأشار إلى أنه ليس هاوياً للتحف، بل يعيش شغفاً كبيراً بالمتاحف! حقق لوسيان حلمه في البترون، يستيقظ داخل قصره على زقزقة العصافير، يلفحه الهواء وتزيد من ديناميته أشعّة الشمس.يقول:”هو جوّ عام للضيعة اللبنانية. في هذا البيت لا تجدين أثاثاً فخماً، بل هو مساحة حرّة واسعة، مجهزة لاستقبال الأصدقاء. نعيش في هذا المكان هرباً من ضجة بيروت. هنا، لن تجدي أيّ شاشة تلفزيون، أو حتى إنترنت أو “واي فاي”!

لكن لوسيان يعي تماماً أنّ النمط الضاغط للحياة فرض عليه امتلاك شقة في منطقة الجعيتاوي في الأشرفية لتسهيل عمله في صناعة الحليّ اليدوية وتنقّل عائلته داخل العاصمة،فقد عمدإلى تغيير جذري للشقةفهدم داخلها وغيّر مجمل التقاسيم الداخلية الخاصة بها، عادت بطابع أثري؛ السقف، الحيطان، النوافذ، كل شيء أثري وقديم. شدد على مشاركة ولديه في الرسم على الجدران، مشيراً إلى أن ذلك يحفز كلاًمنهما على التعلّق بالريشة، باللون والجمال!

هل يطمح لوسيان في ترميم بيوت أثرية في لبنان؟ قال: “ثمة عروض عديدة وهي قيد الدرس. نريد إنقاذ بيروت من “ثقل” الحداثة وهندسة الباطون!”.

Rosette.fadel@ann

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*