«هنا القدس»: لاجئون أوروبيون في سوريا وفلسطين!

 

 

رأي القدس
القدس العربي
12012019

 يقلّب تقرير قصير نشرته وكالة الأناضول أمس مواجع السوريين والفلسطينيين، فهذان الشعبان، اللذان كانا يشكّلان قبل قرابة قرن واحد، شعبا واحدا، ابتليا بنكبات دفعت ملايين منهما للجوء، وفي الوقت نفسه، فإن خططا ومؤامرات تجري لتلفيق حلول وتسويات لنكبات هذين الشعبين لا تأخذ في الاعتبار الأسباب التي أدت إلى لجوء الملايين منهم وانتشارهم في أصقاع الأرض.

تحدّث التقرير عن استقبال سوريا ودول أخرى في ما يسمى «الشرق الأوسط» للاجئين أوروبيين إبان الحرب العالمية الثانية، وهو أمر نسيته صفحات التاريخ أو تناسته، وقدم عشرات الآلاف من هؤلاء اللاجئين من أوروبا الشرقية ومنطقة البلقان هربا من الاحتلالين النازي والسوفييتي لبلادهم، وقد سكن، حسب هذا التقرير قرابة 40 ألف أوروبي في مخيمات في سوريا وفلسطين ومصر، عاشوا في تلك المخيمات حتى انتهاء الحرب العالمية ثم عادوا إلى البلاد التي جاؤوا منها أو اختاروا بلدانا أخرى للجوء إليها.
يشير التقرير، على سبيل المثال، إلى مدنيين يونانيين سكنوا مخيما في حلب وتمتعوا بإمكانيات اجتماعية متنوعة حتى خارج المخيم مع ضمان أمنهم، ومما يثير المشاعر أيضاً أن صحيفة تدعى «هنا القدس» نشرت في مثل يوم أمس عام 1942 صورة على صفحتها الأولى تظهر سيدات سوريات يوزعن الثياب لأطفال يونانيين تحت عنوان «توزيع الأطعمة والثياب في سوريا على اللاجئين من بلاد اليونان».
في ذلك العام وفيما يقارب هذا الوقت غطّت الثلوج أنحاء المنطقة فنشرت الصحيفة نفسها صورة التقطت في 6 كانون الثاني/يناير 1942 للحرم الشريف في القدس مع عنوان «الثلوج تغمر مدينة القدس»، وهو ما يعيدنا، ولكن مع فائض كبير من الأسى، إلى مصير القدس والمقدسيين وما آلت إليه حال فلسطين عموما، وإلى مصير اللاجئين السوريين الذين غرقت خيمهم تحت وابل الثلوج وسيول الأمطار أو رياح الصقيع المميتة وتركوا في ظروف غير إنسانية في مخيّمات النزوح داخل سوريا، واللجوء في لبنان والأردن، وقد طالت الفيضانات حسب المفوضية العليا للاجئين «ما لا يقل عن 66 مخيما بينها 15 غمرتها المياه بشكل كامل أو جرفتها»، وقد عبرت لاجئة في عرسال اللبنانية عن الحال بقولها: «انهارت خيمنا والثلوج عزلتنا عن كل شيء، ولم يعد لنا سوى الله».
لقد تحوّلت المخيّمات إلى ما يشبه أكفانا بيضاء وإن كان من تحتها أحياء فهم أقرب مما نتصور إلى الموت المعنوي والفيزيائي، وتهشمت أمام العاصفة الجديدة في عام اللاجئين الثامن في المخيمات، وفي الوقت الذي كانت الطبيعة تهشم التحصينات البائسة والعشوائية التي صنعها هؤلاء الفقراء المشردون عن بلدهم تعمل دول عربية على مكافأة النظام الإجرامي الذي قصفهم بمواد الكيمياء السامة والبراميل المتفجرة والمدافع والصواريخ، وتتسابق على إعادته إلى الجامعة العربية، فتفتح الأردن الحدود، ويتوقف تشكيل الحكومة اللبنانية للضغط لدعوة نظام الأسد للقمة الاقتصادية المزمعة في بيروت، وتعيد الإمارات فتح سفارتيهما، ويهبط الرئيس السوداني عمر البشير بطائرة شحن روسية، ويستعد الرئيس الموريتاني ولد عبد العزيز للزيارة أيضا، وتعلن تونس ترحيبها باستقبال النظام السوري في القمة العربية المرتقبة.
هذه الجريمة المزدوجة المتمثلة بترك اللاجئين الهاربين من الموت قصفا وتعذيبا للموت بالبرد والسيول، وفتح الأحضان للنظام الذي هجّرهم، شهد الفلسطينيون أشكالا مختلفة منها على مدار السنوات الطويلة التي تبعت نكباتهم ولجوءهم الطويل ولاحقتهم، وما تزال في مخيماتهم، وهي الآن تأخذ منعطفاً جديداً يأمل بإخضاعهم مجددا وبتمرير تسوية تنهي حقوق اللاجئين وكذلك الباقين في أسوار الوطن المنكوب، وتتخذ الأنظمة العربية الوضعية التآمرية نفسها من الترحيب بالإسرائيليين الزائرين أو بابتعاث الوفود السرّية، وكذلك بالضغط الخفيّ أو المعلن لفرض ما يسمى «صفقة القرن».
يا لها من مفارقة: عاد من لجأ من أوروبا خلال الحرب العالمية لبلادنا إلى أوطانهم وصدّر الأوروبيون «المسألة اليهودية» إلينا، فقام الحكام العسكريون الطغاة الفاسدون بتهجير شعوبهم تحت رايات تحرير فلسطين.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*