هل ينقض الإصلاح “عقد تأسيس” المملكة؟

سركيس نعوم
النهار
28102017

يعرف السعوديّون ومعهم العالم أن المملكة العربيّة السعوديّة قامت أساساً على عقد بين آل سعود ورجال الدين وعلمائه المؤمنين بالوهّابيّة التي يصفها مؤيّدوها بالتطهّر والصفاء والنقاء الديني الإسلامي، ومعارضوها ورافضوها بالتزمّت والتشدّد الدينيَّيْن. تضمّن العقد مبايعة الفريق الثاني حكم هذه العائلة للمملكة، واعتبارها أن وليّ الأمر لا يمكن الانقلاب عليه أو مشاركته سلطته السياسيّة المُطلقة على البلاد والعباد، في مقابل التزامه الحرفي والدقيق القواعد والمبادئ الدينيّة الإسلاميّة للوهابيّة، واعتماده العلماء والهيئات الدينيّة للإشراف المباشر على تنفيذ هذا الالتزام. وما يقوم به اليوم وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان على الصعيد الاجتماعي، وإن كانت منطلقاته إصلاحيّة اقتصاديّة لمواجهة تحدّيات القرن الحادي والعشرين، يعتبره عدد من العلماء الكبار والأقل منهم مرتبة ونفوذاً شعبيّاً بداية مسٍّ بالعقد المُشار إليه. وعدم مواجهته سيُفرغه حتماً من مضمونه ويُلغيه عمليّاً، الأمر الذي يجعل “العائلة” الحاكم الذي لا شريك له في السلطة، والذي يعرّض النهج الدينيّ أو المبدأ الذي سار عليه السعوديّون وخليجيّون آخرون منذ أكثر من قرنَيْن، والذي أسّسه أو أطلقه في القرن الثامن عشر الداعية المُغالي جدّاً في “محافظته” محمد ابن عبد الوهاب. لهذا السبب يستبعد متابعو الأوضاع في المملكة والعالم عدم حصول ردود فعل سلبيّة من الفريق الديني في “العقد التأسيسي” إذا أجاز استعمال هذا الوصف، ولا سيّما بعد تأكّده من “جذريّة” المشروع الإصلاحي الاقتصادي – الاجتماعي لوليّ العهد محمد بن سلمان ومن قدرته الحتميّة على إضعاف الإلتزام الديني المحافظ جدّاً للشعب السعودي، وتحديداً لشبابه الذي يشكّل نسبة مرتفعة جدّاً منه نظراً إلى الإغراءات التي يتضمّنها. وقد يزيد تصميم الفريق الديني على المواجهة، وخصوصاً بعدما تعهّد وليّ عهد وليّ الأمر قبل أيّام قليلة علانيّة أمام شعبه والعالم عبر الإعلام المتنوّع اعتزامه تدمير الأفكار المتطرّفة فوراً، امتعاض قطاعات شعبيّة سعوديّة لا بأس بحجمها من الإصلاحات الإقتصاديّة في “رؤية 2030″، لأنّها ستكون بداية على حسابها (ضرائب، خفض رواتب، غياب المراكز). علماً أن تعديلها ممكن بحيث يخفّف التذمّر وخصوصاً بعد المحاولات التي قد تنجح بإقناع المتذمّرين بأن الهدف بناء دولة حديثة وجديّة قادرة على مواكبة العصر ومواجهة الأطماع والتحديّات ولا سيّما الإقليميّة منها.

ويبدو، إستناداً إلى المُتابعين أنفسهم ومنهم خبراء آسيويّون جديّون لا ينتمون إلى الأمم المتناحرة في القارة القديمة، أن مواجهة رجال الدين لمشروع وليّ العهد قد بدأت. ولا يعني ذلك تبشيراً بأنّها ستنجح أو ستفشل. إذ أن الأمرَيْن يرتبطان بعوامل كثيرة لا تزال غير متوافرة، والمتوافرة منها غامضة المعالم. فـ”العلماء الرافضون” يطرحون أسئلة تتجاوز السماح للمرأة السعوديّة بقيادة السيارة، وتتناول جوهر مكانة العلماء الدينيّين في المملكة ودورهم وثباته وأثره على المعارضة المحافظة للإصلاحات الاقتصاديّة والاجتماعيّة لوليّ العهد. وهناك شك قليل في أن موافقة قسم منهم على “السماح” المُشار إليه بضغط من “الوليّ ستُغيّر موقف العلماء الذين رفضوا بنجاح ومن زمان تحرّر الدين الإسلامي والقواعد الأخلاقيّة للوهابيّة. وقد اعتبر هؤلاء تصويت المجلس الاستشاري السعودي بالسماح للنساء بإصدار فتاوى أو إبداء آراء دينيّة، وهو حقل كان حكراً على الرجال، إهانة تضاف إلى الظلم. وأنطلقوا في موقفهم من اقتناع ثابت بأنّهم يستمدّون قدرتهم على فرض القواعد المبالغة جدّاً في محافظتها، وحتى في رفض قيادة النساء السيارات، من “العقد” التشاركي الذي قام بين العائلة السعوديّة وأتباع ابن عبد الوهاب يوم التأسيس الحديث للمملكة السعوديّة. وليس محتملاً أن يتخلّى هؤلاء عن اعتقاداتهم مثل نقص العقل النسوي الذي يمنع قيادتهم السيارات، ومثل أن القيادة تؤذي “المبيضات” وتؤذي “البكارة” والاستقامة، رغم اقتناع بعضهم بأنّها وأخرى كثيرة غيرها ترافق تطبيقها مع أخطاء فادحة. علماً أن وليّ العهد نُقل عنه قوله قبل سنة من رفع الحظر على قيادة النساء السيارات: “إذا كانت النساء تركب الجمل (تسوقه أيام النبي) فربّما علينا السماح لهنّ بقيادة السيارات وهي الجمال الحديثة”. وما يُقلق علماء الدين السعوديّون اليوم هو أن خسارتهم كبيرة. ذلك أن شرعيّتهم ستصبح موضع تساؤل ملايين من المسلمين داخل بلادهم وخارجها. ولذلك فإنّهم أو بالأحرى بعضهم لا يزال يواجه.

كيف ستستمر هذه المواجهة؟ وكيف تكون مواجهتها؟ وهل الاصلاح الاقتصادي – الاجتماعي يحتاج إلى إصلاح ديني؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*