هل يضيّع لبنان فرصة أن يصير منتجاً للغاز بسبب الأزمة السياسية؟ التفاوض مع الشركات الأسبوع المقبل والتراخيص معلّقة على “الاستقالة”

موريس متى
النهار
20112017

وقّع وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل في 10 تشرين الثاني الجاري دعوة الشركات المشاركة في دورة التراخيص الأولى، والتي قدَّمت عروضها في 12 تشرين الاول، للتفاوض على العروض التقنية، مؤكدا بذلك ان الامور تسير كما خُطط لها قبل إعلان الرئيس سعد الحريري إستقالته من الرياض، لكن الامور ليست بالتأكيد في أفضل حالاتها.

مرة جديدة يدخل ملف النفط والغاز في لبنان شباك الصراع السياسي، لكن هذه المرة قد تكون العواقب أكثر خطورة لتؤدي في نهاية المطاف الى الاستفاقة من حلم تحوّل لبنان دولة منتجة للنفط والغاز في السنوات المقبلة. لا شك في ان المسؤولين عن هذا الملف مدركون لخطورة الوضع، ما دفع وزير الطاقة الى التأكيد مراراً ان الامور تسير في شكل طبيعي، وان الازمة السياسية لا تحمل انعكاسات سلبية على خريطة الطريق. وها هو ابي خليل يدعو ائتلاف الشركات التي قدَّمت عروضها الى التفاوض في 27 و28 و29 تشرين الثاني حول المقترح الفني في كلا الطلبين، إستناداً الى دفتر الشروط، ليقوم في مرحلة لاحقة بوضع تقريره النهائي ورفعه الى مجلس الوزراء. ولكن ماذا بعد المفاوضات والتقرير؟

هنا تتوقف صلاحية الوزير، ويأتي دور مجلس الوزراء لاتخاذ القرار النهائي في شأن توقيع العقود مع الشركات، عبر تفويض وزير الطاقة القيام بذلك، ما استدعى طرح سلسلة تساؤلات: هل سيجتمع مجلس الوزراء؟ هل من صلاحية حكومة تصريف أعمال إتخاذ قرار كهذا ؟ هل سيعود الرئيس الحريري لتصريف الاعمال؟ والاهم ما مصير القطاع؟

يؤكد رئيس مؤسسة جوستيسيا المحامي الدكتور بول مرقص انه “في حال استمرت الاوضاع على حالها لفترة طويلة، فليس من صلاحية رئيس الجمهورية إصدار اي مرسوم جمهوري لحل المشكلة المتعلقة بتوقيع العقود مع الشركات النفطية، لأنه ليس من صلاحية حكومة تصريف الاعمال إصدار اي مرسوم”، كما يؤكد ان “لادستورية لاجتماع الحكومة في غياب رئيسها ولا يمكن اتخاذ اي قرار أو إصدار أي مراسيم من دون توقيع رئيس الحكومة، وخصوصا في حال أصر رئيس الحكومة على الاستقالة، فحكماً، لن يعود في مقدور هذه الحكومة إصدار اي مرسوم. وفي ما يتعلق بالشق القانوني، لا صلاحيات دستورية لنائب رئيس مجلس الوزراء، فكل الموضوع يبقى رهناً بمزاولة رئيس الحكومة مهماته وصلاحياته الدستورية”.

القطاع في أزمة؟

وفي حال انتهت الازمة قبل انتهاء صلاحية الطلبات المقدمة من الشركات العالمية، فقد تطلب هذه الشركات من الوزارة تعديل بعض ما تقدمت به من عروض، إذا ما تغيرت الاوضاع بشكل كبير مقارنة مع ما كانت عليه عند تقديم العروض. اما اذا طالت الازمة الى ما بعد انتهاء مدة صلاحية الطلبات، فقد ندخل في فترة اعادة فتح جولة تراخيص جديدة، وقد لا تأتي نتائجها ايجابية بسبب الوضع السياسي الهش. وقد يكون اللبنانيون قد اضاعوا الفرصة نهائيًا ليصبح لبنان دولة منتجة للغاز.

تعتبر خبيرة شؤون النفط والغاز ومديرة مكتب الشرق الاوسط وشمال افريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية لوري هايتيان ان لبنان “ليس البلد الوحيد في العالم او في المنطقة الذي يعاني من هشاشة الوضع السياسي. فالعراق وليبيا واليمن تعاني ايضا من هذه الازمات، لكن الفارق ان هذه الدول هي دول منتجة للنفط والغاز والشركات تعمل فيها منذ سنوات ولها استثمارات فيها بالمليارات، مما يجعلها تتمسك بالبقاء فيها على رغم التحديات. اما في لبنان، فالقطاع لم ينطلق بعد. والشركات لم تستثمر بعد وبامكانها ان تتخلى عن اهتمامها بلا تكاليف تذكر. فـ “توتال” و”اني” تعملان حاليًا في شرق المتوسط وتحديدا في قبرص ومصر”ـ

أما المديرة التنفيذية للمبادرة اللبنانية للنفـط والغـاز ديانا القيسي فترى انه “من الناحية القانونية لوزير الطاقة الحق بالتفاوض مع الشركات شرط ان يعود بنتيجة هذا التفاوض الى مجلس الوزراء. والمجلس له الحق الدستوري بالموافقة من عدمها على اعطاء التراخيص للشركات بموجب مرسوم، وفي حال لم يعتبر رئيس الوزراء مستقيلا، فهنا يمكن الحكومة ان تصدر هذا المرسوم. اما اذا أقرت إستقالة الحكومة فهذه الخطوة ستؤدي الى تأخر في إعطاء التراخيص للشركات”. وتؤكد القيسي اهمية عدم تسجيل اي سابقة قانونية لخرق القانون في هذا الملف، ما يمكن أن ينعكس بشكل خطير على القطاع، مشيرة الى ان “الوضع حرج جدا والاستعجال ضروري ولكن ليس على حساب خرق اي قانون”.

التراخيص في اسرائيل

يوم 15 تشرين الثاني، اعلنت وزارة الطاقة الاسرائيلية نتائج جولة التراخيص، وبموجبها تقدمت شركتان بعرضين، هما الشركة اليونانية “انرجيان” والشركة الوطنية الهندية “أو إن جي سي فاديش” التي دخلت مع 3 شركات هندية في ائتلاف واحد. والشركات الهندية الاخرى هي  “بهارات بيترولي سورسيز إندين أويل كوربوريشن اويل أوف إنديا”. واعتبر البعض في اسرائيل ان هذه النتائج جاءت مخيبة للآمال، خصوصًا ان تل ابيب أرجأت الجولة مرتين بحجة ان هناك الكثير من الشركات المهتمة بالقطاع. وتقول هايتيان ان الهدف من فتح جولة التراخيص كان استقطاب شركات جديدة وكسر احتكار شركة “نوبل” الاميركية و”ديليك” الاسرائيلية لسوق الغاز وذلك بعد قرار فرضته المحكمة العليا في اسرائيل نتيجة الضغوط التي مارستها لجنة منع الاحتكار في العام 2015، وبالتالي، تكون اسرائيل قد حققت الهدف اذا ما وافقت الحكومة الاسرائيلية على العروض الجديدة. أما شركة “انرجيان” اليونانية التي اشترت حقلَي “كاريش” و”تانين” قبل سنتين، فهي بصدد اتخاذ القرار النهائي بالاستثمار في الحقلين نهاية 2017 في حال تمكنت من جمع الاموال الكافية وابرام العقود الكافية مع المشترين. وفي المقابل، خرجت القاهرة لتعلن التوقف عن استيراد الغاز ابتداءً من منتصف 2018، ما جعل الشركات في اسرائيل في وضع صعب، فالسوق المصرية هي الاقرب والاكبر لإسرائيل، وفي حال لم تعد هذه السوق متوافرة يصعب على الشركات العاملة في اسرائيل ايجاد سوق بديلة. وتعتبر هايتيان ان الشركة الهندية انقذت جولة التراخيص في اسرائيل. ويذكر ان هذه الشركة كانت قد اعلنت نيتها الاستثمار في لبنان واسرائيل، وفي النهاية فضلت اسرائيل على لبنان. والاهم يبقى إعلان وزير الطاقة الاسرائيلي يوفال شتاينيتس انه ستكون هناك جولات تراخيص جديدة السنة المقبلة، والاهم ما فرضته الحكومة على شركات الكهرباء في اسرائيل من حيث استخدام الغاز لتوليد الطاقة ابتداءً من 2022.

أمام هذه التطورات السريعة في إسرائيل، لا بد لخريطة الطريق النفطية والغازية في لبنان من ان تسير دون توقف، لأن أي تأخير يكلف لبنان المليارات على شكل إيرادات غير محققة وأسواق ضائعة، والاهم، ثروات قد يتم نهبها من تحت البحر، فيما لبنان غارق في أزمة قد تجد هذه المرة طريق الحل سريعاً.

maurice.matta@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*