هل يدرك الحزب خطورة الوضع المالي أو يتعمد تجاهلها؟

سابين عويس
النهار
19112018

خطران داهمان يتهددان المالية العامة للدولة ويضعان لبنان على مفترق مفصلي، تواجههما زعامات سياسية عاجزة عن تجاوز اجنداتها الخاصة بالسلطة، بحيث تعجز عن انتاج حكومة قادرة على المعالجة، ليبقى لديها سلطة وبلد تتنازع عليهما.

قد تكون المرة الاولى يبلغ لبنان هذا القعر من الهاوية، ليس بسبب أزمة ماليته العامة فحسب، وهي ليست جديدة بذاتها، بل لأنها تترافق مع غياب تام للمسؤولية في التعامل معها. علما أن السلطات التي تتحمل مسؤولية إدارة البلاد فشلت في التعامل مع “مجرور” أغرق العاصمة بالمياه الآسنة، بسبب تشابك المصالح، فكيف اذا كانت المصالح عينها تستدعي بموجب العمل بمبدأ المحاصصة السائد تقاسما للنفوذ افرغ الخزينة من محتوياتها؟

عند الكلام عن خطرين يتهددان المالية العامة، يحضر اولا خطر تنامي العجز بوتيرة متسارعة بلغت مستويات عالية، وهي مستمرة بهذه الوتيرة حتى نهاية السنة، وفق ما تبينه ارقام وزارة المال المفرج عنها حتى حزيران الماضي والتي سجلت ارتفاعا بلغ ٤٥٧٧ مليار ليرة مقارنة بـ١٣٦٨ مليارا للفترة عينها من العام الماضي، ما يعني عمليا أن العجز ارتفع بنسبة ٢٣٤ في المئة. وخطورة هذه النسبة أنها ناتجة من تراجع في الإيرادات بنسبة ٥،٧ في المئة رغم الإجراءات الضريبية التي اقرت في موازنة ٢٠١٨، مقابل اغفال رسمي لهذا التراجع وأسبابه، ترجم بعدم اللجوء الى أي إجراءات تحفيزية للاقتصاد او تحسين للجباية، او عصر للإنفاق، او الضغط في اتجاه تأمين موارد مالية جديدة، بل على العكس المضي في زيادة الانفاق بنسبة ٢٥،٧ في المئة ذهبت في غالبها الى دفع فارق سلسلة الرتب والرواتب وكلفة خدمة الدين العام.

أما الخطر الثاني فيتمثل بالاستمرار في اللجوء الى الاستدانة بقطع النظر عن كلفتها، في ظل خلو الخزينة من الأموال الكفيلة بتغطية الإنفاق المستجد وآخره ما أقره مجلس النواب للكهرباء وللأدوية، في ظل رفض المصارف الاكتتاب في سندات جديدة ما لم تكن بفائدة السوق، الامر الذي يرفضه وزير المال علي حسن خليل بحجة
رفض زيادة ارباح المصارف.

امام هذين الخطرين الداهمين، جاء تحذير البنك الدولي على لسان نائب رئيس البنك لشؤون الشرق الاوسط فريد بلحاج الذي زار لبنان خصيصا لإبلاغ المسؤولين اللبنانيين هواجسه وقلقه من إضاعة القروض الميسرة المعقودة للبنان في مؤتمر “سيدر”، والبالغة نحو ٤ مليارات دولار، منها نحو مليار لا يزال عالقا بين الحكومة المستقيلة والمجلس النيابي، ونحو مليارين معقودين على ذمة لبنان، يمكن، اذا طال امد ولادة الحكومة ان يغير البنك وجهة استعمالهما لمصلحة دول اخرى في حاجة لها، علما ان هذا التحذير لم يلق صداه في آذان المتمترسين وراء شروطهم.

يتعامل المسؤولون مع هذه المخاطر بخفة متناهية، تبرز من خلال التعطيل المتمادي لتشكيل الحكومة. وقد بلغ الامر بعض المراجع الى السؤال اذا كان “حزب الله” الذي تقف عنده اليوم عقدة التأليف مدركاً لحجم الاخطار المالية الداهمة، او ان تجاهل تلك الاخطار متعمد ويدخل ضمن استراتيجية اعادة النظر بالنظام الاقتصادي القائم من ضمن اعادة النظر العامة في النظام السياسي؟

وتذهب المصادر ابعد لتسأل ما اذا كان الحزب مطلع على معطيات وزير المال المالية التي دفعته الى الحديث عن خواء احتياط الخزينة من المال، الذي يهدد المالية العامة وقدرة الدولة على دفع الرواتب والاجور لموظفيها؟

مصادر في وزارة المال طمأنت الى ان الوزارة قادرة على دفع المستحقات للشهر الجاري. اما بالنسبة الى الشهر المقبل، فالعمل جار من اجل إيجاد آلية لتأمين استمرارية الاكتتابات، علما ان المصرف المركزي لا يعطي سلفات، بل هي من حساب الخزينة لديه (الحساب ٣٦). وتأمين هذه الاعتمادات لا يعني ان المشكلة لن تظل قائمة وبكلفة اكبر، ما لم تعالج في شكل جذري.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*