هل يتحوَّل الوارث رجل دولة وإن بعد 13 سنة؟

سركيس نعوم
02072018
النهار

المملكة العربيّة السعوديّة لم تُقصِّر مع آل الحريري وتحديداً مع الشخصيّة الاستثنائيّة التي أدخلتها العمل السياسي اللبناني من الباب الواسع الرئيس (الشهيد) رفيق الحريري. فهي فتحت له الأبواب بل شرّعتها بعدما لمست كفاءاته العمليّة وشخصيّته القويّة وقدرته على نسج العلاقات الاستثنائيّة مع الأقوياء في العائلة التي أسّستها قبل عقود، رغم التباينات التي كانت تحصل بينهم حيال عدد من القضايا والمسائل الداخليّة في معظمها. وهو وظَّف كل إمكاناته وعلاقاته لخدمة مصالحها، وكان صادقاً معها وهي كانت كريمة معه. تماماً مثلما فعل مع سوريا حافظ الأسد يوم بدأ يدخل ميدان السياسة في وطنه الأم لبنان، وذلك جرّاء وجودها فيه سياسيّاً وعسكريّاً ومخابراتيّاً بموافقة العرب والعالم. علماً أنّ هذه الموافقة انحسرت مع الوقت. وقد وُصِفَ في حينه بأنّه وزير خارجيّة سوريّا. وكان طبعاً يستحقّ هذا الوصف لأن ما بذله من أجل خدمة مصالحها الوطنيّة وحتى “النظاميّة” (من نظام) لم يكن في مقدور وزير خارجيّتها “الأصلي” القيام به. كان الحريري من المهارة بحيث صار صلة الوصل بين السعوديّة وسوريا ولا سيّما في مراحل توتّر علاقاتهما أو برودها. وعزّز ذلك رصيده فيها كما عزّزه عند الأسد الأب. لكن الصداقة والموضوعيّة تقتضيان الإشارة إلى أن ثقة المملكة به كانت مُطلقة. أمّا ثقة مؤسّس نظام آل الأسد به فلم تكن كذلك لأسباب متنوّعة قد يكون أبرزها إثنان. الأوّل طبيعة النظام القائمة على الشكّ، وعلى عدم منح أحد سواء من أهله أو من شعبه أو من الخارج ثقة مُطلقة تلافياً لنمو طموحات سياسيّة غير مسموح بها. أمّا الثاني فهو ان الأسد المؤسِّس لم يكن مع نظامه جمعيّة خيريّة همّها الأساسي وقف حرب لبنان أو حروبه، ومساعدة أبنائه على إعادة بناء دولتهم ومؤسّساتها ثم الانسحاب منه بعد انجاز المُهمّة الإنسانيّة والوطنيّة والقوميّة وقبل ذلك الأخويّة. بل كان صاحب استراتيجيا تشمل العالم العربي كلّه. وعندما تأكّد بعد سنوات أنّ تنفيذها ليس في مقدوره لأسباب متنوّعة وضعها جانباً من دون أن يتخلّى عنها ووضع استراتيجيا أخرى تشمل “الهلال الخصيب” ودوله التي كانت في رأي كثيرين جزءاً من بلاد الشام. وأهمّها طبعاً إلى سوريا لبنان والأردن والعراق وفلسطين (القضيّة الفلسطينيّة)، بعدما أضاعها أهلها وأشقّاؤهم العرب دولاً وشعوباً، وهم يعيشون اليوم آخر مراحل تصفيتها.

أمّا أهميّة “الشهيد” رفيق الحريري فتكمن في تعلّقه بلبنان الوطن وبتعايش طوائفه ومذاهبه، ورغبته الشديدة في إنهاء حروبه التي دامت نيّفاً و15 سنة، وفي إعادة بناء دولته لأنّها المدخل الوحيد لإعادة إعماره. وتكمن أيضاً في أنه وطّد علاقتيه السعوديّة والسوريّة من أجل تحقيق هذه الأهداف وكاد أن ينجح لكن اختلاف “أجندتي” الرياض ودمشق أنهى حلمه، بل أنهى حياته بعدما حقَّق الكثير من المُنجزات العمرانيّة في الداخل. علماً أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن أهداف السعوديّة لم تكُن ماسّة بلبنان الكيان والوطن والاستقلال و”التعايش” بين طوائفه ومذاهبه ربّما لأنّها بعيدة منه جغرافيّاً.

ما الهدف من الحديث عن الرئيس رفيق الحريري اليوم بالطريقة المبيّنة أعلاه. وبعد مرور نحو 13 سنة على استشهاده، ورغم أنّه ارتكب أخطاء أحياناً في تقويم الأشخاص والدول وفي المُبالغة في التفاؤل والثقة بأخصامه وأعدائه كما ومؤيّديه ومُحبّيه، كما في تغاضيه عن ارتكابات كبيرة لهؤلاء هؤلاء مُجتمعين ومُنفردين؟ الهدف هو إعادة تذكير اللبنانيّين أن رفيق الحريري يعني لبنان السيّد المستقلّ والدولة الديموقراطيّة الحُرّة فيه، ولإثبات أن هدفه وإن كان أحياناً يجافي الحقيقة هو أن قيامة لبنان اقتصاديّاً في ظلّ وجود سوريا فيه وسيطرتها عليه ستكون كافية لخروجها منه. ذلك أن شعبه ليس موحّداً في الأساسيّات كما في الهامشيّات من القضايا، مثل الشعب الألماني والشعب الياباني اللّذين كان يعطيهما مثلاً في مناقشاته مع أصدقائه والقريبين منه. والهدف أيضاً هو إعادة تذكير ابنه سعد الحريري بكلِّ ذلك بعد الذي مرّ به، وهو ليس قليلاً، من مِحَنٍ ومصائب وكوارث ماليّة وسياسيّة، منذ أن قرّرت العائلة أو ربّما جهة أخرى أكبر وأكثر وزناً منها بعد “الاستشهاد” أن يكون هو الوريث السياسي. ذلك أن المرحلة الحاليّة بتعقيداتها الكثيرة الداخليّة والطائفيّة والمذهبية والإقليميّة والدوليّة والإسرائيليّة والعربيّة مليئة بالعُقد والصعوبات. فضلاً عن أن معالجتها تستلزم إرادة صلبة وعزماً وقراراً جديّاً وأهدافاً ثابتة واستراتيجيا وطنيّة لا شخصيّة وخطّة تطبيقيّة لها. كما تستلزم اقناع الزعماء الكبار في المجتمع الدولي الذين “يَستلطفونه” بأنّه على قدر المسؤوليّة المُلقاة على عاتقه حالياً تماماً مثلما كان والده. وإقناع المملكة العربيّة السعوديّة بأنّه “المواطن” والشقيق والحليف الموثوق والمؤهّل والقادر على النهوض بلبنان وعلى مساعدتها إذا احتاجت إليه. وإقناع المعسكر الآخر المؤلّف من “حزب الله” في الداخل والأسد الوارث السلطة في سوريا مثله وإيران الإسلاميّة، رغم عدم تخلّيه عن لبنان هدفاً استراتيجيّاً، بالقدرة على التواصل والحوار من أجل المحافظة على الحدّ الأدنى الباقي في لبنان وهو قليل، إلى أن يحين أوان الحلول الكبرى في المنطقة. ويومها تكون الدولة اللبنانيّة شريكاً في تقرير مصيرها وشعبها أو بالأحرى شعوبها.

هل يستطيع الرئيس سعد الحريري الإبن والوريث القيام بذلك كلّه، أم أن قدر الوارثين السياسيّين هو الإخفاق والفشل في تحقيق الأهداف أو ربّما في تحديدها؟ علماً أن احتفاظ الوارث أي وارث بالسلطة كالأسد مثلاً لا يعني نجاحاً. وعلماً أيضاً أن النجاح الأوّلي للوارث يكون بالتحوّل رجل دولة. وعلماً رابعاً أن الوارث غالباً ما يظلِمُه المورِّثُ أو بالأحرى شبحه وذكراه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*