هل من عقوبات أميركية مالية جديدة على لبنان؟

 

موريس متى

15 آذار 2017
النهار

لم تمض ايام قليلة على تنفيذ الادارة الاميركية الجديدة وعودها بفرض عقوبات على أفراد وكيانات إيرانيين رداً على ما وصفته بسلوك طهران الاستفزازي، حتى عاد الى الواجهة الحديث عن إمكان فرض عقوبات أميركية على لبنان، ضمن مساعي إدارة الرئيس دونالد ترامب للسيطرة على توسع النفوذ الايراني في المنطقة من باب تضييق الخناق أكثر على “حزب الله”.
منذ إنطلاق حملته الانتخابية، وضع ترامب في قائمة أولوياته الرئاسية إلغاء الاتفاق النووي الايراني، ومراجعة السياسة الخارجية الاميركية للرد بشكل أقسى على إيران وحلفائها في المنطقة. فلم تمض أيام على توليه مهماته رسمياً في البيت الابيض حتى فرضت عقوبات طاولت 25 فرداً وكياناً إيرانياً، وصفتها الإدارة الأميركية بأنها مجرد خطوات أوّلية، وأكدت أنها لن تغض الطرف بعد الآن عن الأعمال العدائية لطهران. واللافت ان العقوبات شملت 3 شركات لبنانية مملوكة أو خاضعة لسيطرة مساعدين لحسن دهقان إبرهيمي، وهو مسؤول إيراني يعمل مع فيلق “قدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، ويدير عملياته في الخارج من العاصمة اللبنانية بيروت، وقد طالته العقوبات ايضاً بحسب وزارة الخزانة. ومما يعيد لبنان الى واجهة العقوبات من جديد، إتهام الخزانة بعض أفراد ووسطاء وكيانات شملتهم العقوبات بإتخاذ الأراضي اللبنانية مجالاً لنشاطهم لدعم شبكة يديرها رجل الأعمال الإيراني عبد الله أصغر زاده، وهو أبرز الداعمين لمجموعة “شهيد همت” الصناعية، التابعة لكيان إيراني يدير برنامج إيران للصواريخ الباليستية.
في مطلع العام الفائت، واجه لبنان إمكان فرض عقوبات جديدة على بعض كياناته المصرفية مما إستدعى يومها الاسراع في إقرار بعض القوانين والتشريعات، التي حملتها وفود من جمعية المصارف ومن مصرف لبنان وعدد من النواب الى الولايات المتحدة، لحثّ الادارة الاميركية على عدم الشروع في خطوة مماثلة. يومها، إستطاعت المفاوضات إبعاد هذا الكأس المرّة عن لبنان، ولكن، يبدو ان الامور قد تتغيّر في المرحلة المقبلة بعد المعلومات التي سُربت عن وجود مشروع قرار يخضع للدرس ومؤدّاه فرضُ حزمة عقوبات جديدة على لبنان للتضييق أكثر على “حزب الله”، وربما تشمل هذه المرة بعض المصارف اللبنانية. وفي هذا السياق، تقول مصادر على دراية بالملف ان بعض الكيانات اللبنانية قد تكون مشمولة باللائحة، خصوصاً في ظل التصعيد على خط الازمة الايرانية – الاميركية، ولم تستبعد ان تشمل العقوبات بعض كيانات مالية لبنانية لتأمينها تغطية لعمليات مشبوهة لمصلحة الحزب. وتشير المصادر، الى ان السلطات الاميركية تركز في تحقيقاتها عن الشركات والكيانات التي تنشط في مجال تحويل وغسل الأموال، والأعمال التجارية، وتهريب البضائع لمصلحة الحزب.
ولكن الاهم هو ما تسرّب من معلومات، عن تمني الديبلوماسية الفرنسية على الجانب الاميركي التنسيق مباشرة مع مصرف لبنان وحاكمه رياض سلامة، قبل الشروع في أي إجراء قد يطال مؤسسة مصرفية أو مالية لبنانية، لقدرة المركزي على التوصل الى صيغة معينة تساهم في تجنيب القطاع أي اهتزاز في مرحلة سياسية ومالية واقتصادية وأمنية دقيقة تمر فيها البلاد. ويعتبر الجانب الفرنسي ان لبنان استطاع تخطي ازمات مشابهة في الماضي القريب، وخير مثال، ما حصل مع البنك اللبناني الكندي.
التحذيرات من إمكان فرض عقوبات جديدة على لبنان، أشارت اليها أيضاً صحيفة “وول ستريت جورنال” الاميركية، التي اعتبرت أن تزايد دور “حزب الله” في الداخل اللبناني والسوري يمكن أن يعرض لبنان لعقوبات أميركية قد تشمل هذه المرة بعض مصارفه. الرد اللبناني جاء سريعاً على لسان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي أكد ان لبنان أقر كل التشريعات المصرفية التي طلبتها الولايات المتحدة في ما يتعلق بمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب وتبادل المعلومات، بالاضافة الى مشاركته الاساسية في إتفاق “فاتف” العالمي والذي يحصّن لبنان في ما يتعلق بتجفيف مصادر تمويل المنظمات الذي تصفها واشنطن بالارهابية. كما قام المركزي بإصدار التعاميم والقرارات التي تصبّ في هذا الاتجاه وبخاصة ان معظم عمليات القطاع المصرفي اللبناني مع الخارج وتمويل تجارة لبنان الخارجية وتحويلات اللبنانيين، تم بالدولار الأميركي وعبر حسابات المراسلة مع المصارف في نيويورك وما يقارب 65% من الودائع في المصارف اللبنانية هي بالدولار، وأي خرق لهذه القوانين يهدد بفصل لبنان عن المنظمة المالية الاميركية. وكان اعضاء من مجلس الشيوخ ومن بينهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية السيناتور الجمهوري بوب كوركر، قد بعثوا برسالة الى ترامب حضّوه فيها على معاقبة ايران اقتصادياً لوقف خطواتها الاستفزازية في المنطقة. أما كوركر، فقد سمع خلال زيارته الاخيرة الى بيروت، تأكيداً من السلطات المصرفية اللبنانية التزام كل التعاميم والقوانين الدولية لناحية مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب.
ولكنّ ثمة طرقاً عدة يمكن للإدارة الاميركية أن تضغط فيها على “حزب الله” من باب الضغط على لبنان ومنها:
– فرض عقوبات على مصارف لبنانية، لإتهامها بخرق القوانين الاميركية في ما يتعلق بتوفير التغطية اللازمة لإتمام عمليات مالية لمصلحة “حزب الله”، أو حتى جماعات تصنفها الادارة الاميركية بالارهابية. رغم أن لبنان أُبلِغَ في العديد من المناسبات انّ الخزانة الاميركية لن تمسّ القطاع المصرفي اللبناني لاحترامه القواعد المصرفية العالمية، ومنها خصوصاً تلك المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
– تقليص الدعم للجيش اللبناني، رغم إبلاغ قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال جوزف فوتيل في زيارته الاخيرة للبنان رئيس الجمهورية ميشال عون استمرار بلاده التزام دعم الجيش اللبناني لمكافحة الإرهاب وإرساء الاستقرار.
– اللجوء الى تدابير ديبلوماسية تتعلق بإعطاء تأشيرات دخول للبنانيين لدخول الاراضي الاميركية، بذريعة ان الحكومة اللبنانية ومجلس النواب يضمان قوى سياسية تصفها الادارة الاميركية بالارهابية.
– وقف الوكالات الاميركية تمويل بعض المشاريع الانمائية في لبنان او خفضه. ويمكن هنا التذرع بالتصريحات التي أدلى بها الرئيس ميشال عون الاخيرة تجاه سلاح “حزب الله”، والذي اعتبرته الأمم المتحدة خرقاً لقرار مجلس الأمن 1701.
-فرض عقوبات على أفراد وشركات لبنانية، تحظّر عليهم الوصول إلى النظام المالي الأميركي أو التعامل مع الشركات الأميركية.
قد لا تعكس التدابير الاميركية الجديدة المحتملة مساراً جديداً في السياسة الاميركية تجاه لبنان، بل تكون استمراراً لسياسة قديمة تنتهجها واشنطن ضد “حزب الله” الذي تعتبره “منظمة إرهابية”، وفرض عقوبات على شركات ورؤوس اموال كبيرة يعني وجود توجّه جديد لفتحِ معركة مالية كبيرة ضد الحزب، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحوّلات جيوسياسية مصيرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*