هل قتلت الحضارة الأميركية أوروبا؟

01082017
“إيلاف” تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية
ميسون أبو الحب

كانت أوروبا منارة حضارية حتى تسللت السطوة الأميركية لغويًا وثقافيًا وتغلغلت في عمق المجتمعات الأوروبية التي وجدت نفسها ضعيفة أمام الطوفان الحضاري الجديد القادم بتوحش ليحتل الصدارة.

إيلاف: ما معنى تعبير حضارة؟ وكيف تولد هذه الحضارة؟ كيف تموت؟… كل هذه أسئلة قديمة قدم الإنسان نفسه، لكنها تعود إلى الواجهة اليوم مع بروز ما يدعى بظاهرة الحضارة الأميركية، وهو الموضوع الذي تناوله الكاتب والمفكر الفرنسي ريجيس دوبريه في أحدث كتاب له.

تأثير كامل
يقع كتاب “حضارة، كيف أصبحنا أميركيين” في 240 صفحة، دار غاليمار للنشر، 19

بعد نصف قرن نوم!

يتحدث الكاتب أيضًا عمّا يدعوه بـ “بصمة ناعمة”، حيث يتسلل التأثير الأميركي وسطوته بشكل إنسيابي غير ملحوظ، لينتهي إلى أخذ موقع وشغله رغمًا عن كل شيء.

كما يعرض العديد من الحقائق والوقائع، ويعطي أدلة وأمثلة ومراجع عديدة، ويطرح قصة شخص كان في العشرين من العمر في عام 1960، ثم نام ليستيقظ في عام 2010، ويتوجه إلى الحي، الذي كان يرتاده كثيرًا خلال فترة شبابه، وهو الحي اللاتيني. وهناك يبحث عن المقاهي التي كانت تنتشر في زمانه، ليجد مكانها مطاعم ماكدونالد للأكلات السريعة أو محال أزياء على الطريقة الأميركية، بواجهات فيها كتابات بالإنكليزية. حتى المكتبات التي كانت منتشرة في الحي إختفت كلها تقريبًا، وحلت محلها محال تتعامل بالمعلومات الرقمية.

يعتبر الكاتب أن “الثقافة تبني مواقع”، فيما “تعبّد الحضارة شوارع”، ترافق ذلك هراوات وأساطيل ضخمة وجيوش وطائرات، ثم طائرات مسيرة اليوم. ويشير إلى أن للولايات المتحدة 2000 موقع عسكري موزعة على خمس قارات، ولكن الأهم هو أن هناك 35000 مطعم ماكدونالد للأكلات السريعة، موزعة هي الأخرى في مختلف أنحاء العالم.

تبدل مواقع
يتساءل: “ترى هل توقفت أوروبا عن إنتاج الحضارة؟”. ثم يذكر بما حدث في عام 1919 عند انعقاد مؤتمر فرساي، ويقول إن الولايات المتحدة لم تكن تدرك في ذلك الوقت بأنها ستتحوّل إلى القوة الأولى في العالم، ولكن الرئيس الأميركي في ذلك الوقت وودرو ويلسون أصرّ على أن تكتب المعاهدة بالإنكليزية أيضًا.

ويقول دوبريه: “حتى تلك اللحظة، كانت في الغرب حضارة أوروبية مع فرع أميركي. ثم في السنوات الخمسين اللاحقة ستظهر حضارة أميركية مع فرع أوروبي”. وكانت الفرنسية حتى ذلك الوقت هي لغة الدبلوماسية في كل مكان، ثم توقفت اعتبارًا من ذلك التاريخ.

يشير كذلك إلى تغلغل الطريقة الأميركية في كل مكان، ويشمل ذلك المؤسسات الرسمية الفرنسية، حيث حلت كلمات انكليزية محل فرنسية، حتى على الصعيد الرسمي.

طقس ماكرون الأميركي
أحد الأمثلة استبدال تعبير “الطائرة الرئاسية” بتعبير “ساركو 1″، ثم هناك مفهوم السيدة الأولى، وهو مفهوم جديد في فرنسا. ومما يشار إليه أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يدل ذراعيه إلى الجانبين، وهو يستمع إلى نشيد المارسيليز، كما كانت العادة، بل وضع يده على صدره في موقع القلب، على الطريقة الأميركية تمامًا.

الكاتب طرح أمثلة عديدة وكثيرة، لكنه استخدم نفسًا ساخرًا فيها لا رافضًا ولا منتقدًا، مشيرًا إلى أن هذه الحال لا تنطبق على فرنسا وحدها، بل على دول أوروبية عديدة، ويشمل ذلك ألمانيا وبولونيا وغيرها، حيث تحوّلت كلها إلى نسخة أخرى من الولايات المتحدة، لكنه يلاحظ أيضًا أن هذا الوضع الجديد غير مرفوض، بل تشعر المجتمعات المحوّرة هذه بنوع من السعادة، وكأنها أصبحت تجد نفسها أكثر فأكثر في خضم تقلبات عالمية ضخمة ومؤثرة.

ما الحضارة؟
يعتقد دوبريه أنه من الصعوبة بمكان تعريف كلمة حضارة، لأن أي تعريف يعني تحديدها زمنيًا ومكانيًا، وينطبق الأمر على التاريخ وعلى الحياة. لكنه يقول إن التفاعل هو سمة حضارة حية، ما يعني أن الحضارة تتغير مع تغيّر الزمن انطلاقًا مما تتأثر وتؤثر به لدى الآخرين. ويرى دوبريه أن كل حضارة تولد قبل كل شيء بفضل حركة، كما إن الحضارة هي في الأساس تعبير عن وعي جمعي. أي هي “نحن” التي يمكن استخدامها بالتالي على مستوى “أنا”.

ويقول دوبريه “لا توجد حضارة من دون مدينة”، ويقارن بين الثقافة والحضارة، قائلًا إن الحضارة تتحرك، فهي إذن هجومية في حين أن الثقافة لا تأتي برد فعل، وبالتالي فهي دفاعية. أما متطلبات الحضارة فهي أكثر من مجرد لغة ودين، بل هي إمبراطورية تملك كل عوامل الثقافة والقوة والقدرة على التأثير والتغيير.

يتابع موضحًا: “يفرض التفوق نفسه عندما تدوم البصمة أكثر من دوام الهيمنة، وعندما يطول أمد الهيمنة أكثر من طول أمد الإمبراطورية نفسها”. معنى هذا أن الحضارة تحقق أهدافها في التأثير والتغيير عندما تتوقف عن الحاجة إلى سيطرة استعمارية أو ميدانية كي تفرض بصماتها. يقول دوبريه أيضًا “الحضارة أيديولوجية قبل كل شيء، وهي ما يتفق عليه مجتمع ما، ويعتبره حقيقيًا في لحظة معينة من دون الحاجة إلى الكثير من التفكير، باعتبار أن الرد بديهي تمامًا”.

أعداد الحضارات
ماذا عن عدد الحضارات في تاريخ البشرية؟. إختلف العدد حسب المؤرخين، فالبريطاني آرنولد توينبي أحصى حوالى عشرين، خمس منها كانت مهمة في القرن التاسع عشر، وهي (الإسلامية والصينية واليابانية والهندية ثم الغربية).

أما الفيلسوف الألماني أوزوولد شبينغلر فأحصى ثماني حضارات (البابلية ثم المصرية والصينية والهندية وحضارة أميركا الوسطى ثم الحضارة الإغريقية الرومانية وبعدها العربية ثم الغربية).

وتحدث فرناند بروديل عن ثلاث عشرة حضارة، منها أربع أوروبية، وهي اللاتينية والإغريقية والشمالية والروسية. وصامويل هانتنغتون تحدث عن سبع حضارات أو ثماني، وهي: الغربية والأميركية اللاتينية والإسلامية والصينية والهندية والسلافية الأرثوذوكسية واليابانية والأفريقية.

هذا ويرى البعض أن الحضارة الأوروبية بدأت تحتضر في عام 1911 عندما نشر بول فاليري “أزمة العقل”، ثم انتهت في عام 1996، عندما نشر هانتنغتون كتابه “صدمة الحضارات” … ونقرأ “في عام 1900 كان الأميركي مجرد أوروبي منفي. وفي عام 2000 وقف الأوروبي في مهب الريح كأميركي محبط – أو في انتظار تأشيرة دخول”.

أعدت «إيلاف» هذا التقرير بتصرف نقلًا عن موقع «ميديا بارت». المادة الأصلية منشورة على الرابط:

https://blogs.mediapart.fr/bernard-gensane/blog/150617/regis-debray-civilisation-comment-nous-sommes-devenus-americains

يوضح دوبريه في مقدمة الكتاب الفرق بين الحضارة والثقافة، ثم يعرض حقائق من دون إصدار أحكام عليها ومن دون اتخاذ موقف لا بالرفض ولا بالقبول، ومن ذلك تأثير المفردات الأميركية على اللغة الفرنسية، ثم انتشار ثقافة الصورة بدلًا من ثقافة الكلمة، وتغير النظم القانونية والضوابط الخاصة بالدولة، وحتى الاستمارات الانتخابية، التي أصبحت تشبه إلى حد بعيد تلك المستخدمة في الولايات المتحدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*