هل على لبنان أن يقلق من العقوبات في ظل فراغ قاتل وجهوز مفقود؟

لم تطل فترة السماح التي تتوافر عادة لعهد رئاسي في بداية انطلاقته، ولم يُتح لسيد العهد أن يستمتع بزخم انطلاقة كان يفترض ان تحققها تسوية سياسية قادت الى انهاء شغور رئاسي طال لأكثر من عامين ونصف العام، وانجاز تشكيل حكومة ائتلافية اختارت لنفسها استعادة الثقة شعاراً.

وفي الوقت الضائع الفاصل عن جلسة الخامس عشر من ايار، موعد انعقاد الجلسة التشريعية التي ستفصل في مصير الاستحقاق النيابي، تثير الضغوط المتنامية على “حزب الله” قلق الاوساط السياسية والمالية نظراً الى المخاطر التي ستترتب عنها، فيما السلطة السياسية غائبة عن أي تحرك جدي ومسؤول يجنب لبنان الخضوع مجددا لسيف العقوبات الاميركية. والخطر اليوم أكبر لأن المشروع المقترح قد وسَع قاعدة استهدافاته ليصيب بنية “حزب الله” وبيئته الحاضنة وحلفاءه في الثنائية الشيعية وفي التيارات والاحزاب السياسية الاخرى.

واللافت أنه منذ الكشف عن المشروع الذي قُدم عبر مسودتين احداهما للسناتور ماركو روبيو والثانية لرئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، اقتصر التحرك الرسمي على مواقف للاعلام، فيما تداعت جمعية المصارف الى عقد اللقاءات والتشاور في الخطوات الواجب القيام بها، وخلصت الى توجه وفد منها الى واشنطن منتصف أيار المقبل (تأخر بسبب طلب المواعيد والحرص على وجود كل المسؤولين في العاصمة)، في حين أعطى رئيس المجلس نبيه بري توجيهاته لارسال وفد نيابي برئاسة وزير المال علي حسن خليل للقيام بجولة استطلاع وشرح لتداعيات المشروع على لبنان، ستكون في الفترة ذاتها وبعد انتهاء الجلسة التشريعية في 15 أيار.

لكن الوقت يمر، وقد أنجزت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي التعديلات التي ستضم الى قانون “حظر تمويل حزب الله” الصادر في 2015.

هل في النسخة المحدثة ما يبرر القلق السائد داخلياً؟

نعم، لأكثر من سبب وسبب تتصل بتبدل المزاج الاميركي بعد انتخاب دونالد ترامب، وتحول السياسة الاميركية الخارجية حيال المنطقة من المرونة التي اتسمت بها ادارة باراك أوباما الى التشدد والتضييق مع قرار ترامب العودة الى المنطقة من بابها العريض.

فخطورة العقوبات الجديدة انها تسمي للمرة الأولى قيادة “حزب الله” بالاسم: الأمين العام وأعضاء المكتب السياسي، النواب، الوزراء والكوادر الأولى، كما تسمّي حركة “أمل”، وأي هيئات يرتأي وزير الخزانة الأميركي اضافتها.

وفور صدور القانون، يطلب وزير الخزانة الى اللجان المختصة في الكونغرس اعداد تقرير حول تقديرات الثروة الصافية لهؤلاء وتفصيل مصادرها ووجهة استعمالها وتوظيفها.

لا يتغير الوضع اليوم كثيرا عما كان قبيل صدور القانون في نسخته الاولى. فمعظم التدابير المقترحة اليوم كانت مقترحة سابقا، بل كان ثمة أسوأ منها، وأبرزها أمران:

الاول، ان القانون كان يستهدف لبنان بشكل عام، وقد أدت المفاوضات التي أجراها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الى شطب اسم لبنان والاكتفاء بتخصيص العقوبات بالحزب. والامر الثاني اتصل بشمول العقوبات كل العمليات المالية بأي عملة كانت بما فيها عملة البلد، باعتبار ان القانون لا يقتصر تنفيذه على لبنان بل يطاول كل العمليات المرتبطة بالحزب في أي دولة في العالم وبعملتها. ونجح سلامة ايضا في استثناء العمليات بالليرة تحت عنوان انها تمس سيادة البلد.

والمفارقة ان المسودة الجديدة عادت الى كل هذه الاجراءات التي كان نجح لبنان في تلافيها. وتعزو مصادر مالية ذلك الى سببين: اولها انه بعد نحو 3 أعوام على تطبيق القانون، لم يحقق القانون أهدافه بحماية النظام المالي الأميركي، وتجفيف المنابع المالية للحزب. والثاني ان الادارة الأميركية الجديدة قررت الذهاب أبعد في خطواتها نحو التضييق على الحزب وصولا الى خنقه وعزله.

فخطورة التعديلات المقترحة اليوم انها باتت أوسع واكثر استنسابية بحيث انها تطاول أي شخص يدور في فلك الحزب، قريب او حليف او حتى خصم في السياسة ما دامت تربطه بالحزب حسابات مالية مشتركة (البلديات مثلا).

والأخطر ان توسيع لائحة المستهدفين والاستنسابية في التطبيق، سيخلقان شرخاً كبيراً على مستوى المجتمع والبيئة الحاضنة للحزب، بما ان لائحة العقوبات لن ترحم احدا كما هو ظاهر!

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*