هل سيرة أسمهان حقيقية؟

أحمد شوقي علي|الأربعاء20/12/2017

يبرز غياب شكل البحث العلمي عن المؤلفات المتاحة عن أسمهان
لا يبدو الكاتب والأكاديمي المصري نبيل حنفي، الذي يعكف حاليًا على إعداد كتاب عن مسيرة أسمهان الفنية، مقتنعًا بأي من الروايات التي صيغت حول حياتها الصاخبة أو رحيلها المأسوي، ولعله لا يُظهر اهتمامًا بتتبع تلك السيرة من الأساس، فالحضور القوي للأميرة السورية في وعي المتلقي العربي، يعود في رأيه إلى فرادة تجربتها الموسيقية وحدها، والتي تكاد تخلو المكتبة العربية من مؤلف جاد يؤرخ لها بشكل علمي ودقيق، حسب قوله.


تملك أسمهان سيرة تؤطرها المتشابهات، فمثلما ولدت في الماء على متن إحدى السفن البحرية، عادت إليه لتلقى حتفها في ترعة للري بعد انقلاب سيارتها في العام 1944، ومثلما يحوم الغموض حول حادث وفاتها، فإن غموضًا مشابه يكتنف التاريخ الحقيقي لميلادها؛ إن كان في عام 1912 كما يثبته محمد التابعي الذي دون سيرتها، أو 1917/1918 كما تذهب بعض المصادر التي تستند إلى سيرة والدها فهد الأطرش، وعلى الرغم من أهمية ذلك التاريخ في تحديد العمر الذي عاشته، فإن 32 عامًا -بحسب أول تقدير لتاريخ ميلادها- عاشتها أسمهان شهدت الكثير من الأحداث، قد لا يدركها من عاش ضعفي عمرها، ويكفي أن نذكر أن الذين يعتبرون حادث موتها تصفية جسدية، يصوبون أصابع الاتهام إلى المخابرات البريطانية والمخابرات الألمانية، وكل من: الملك فاروق، وأمه الملكة نازلي، ووكيل ديوانه أحمد حسنين باشا، وأم كلثوم والمخرج أحمد سالم، يكفي أن نذكر هؤلاء المتهمين بقتلها، ذلك لنتخيل الصورة المدهشة التي كانت عليها تلك الحياة.

لكن نبيل حنفي، الذي يعكف منذ منتصف التسعينات، على تأليف كتابه عن أسمهان، لا يستبعد أن تكون وفاتها نتيجة حادث سير رتبه القدر، دون تدخل من أي شخص آخر، وفي الوقت نفسه لا يبدو مطمئنًا للتوصيف الذي بدت عليه تلك الحياة، التي رسم ملامحها صديقها الصحافي المصري محمد التابعي، والتي جمعته به قصة حب، في كتابه “أسمهان تروي قصتها”، الذي استقت منه كل الروايات التالية عليه معلوماتها عن سيرة أميرة الغناء، ويقول حنفي في حديثه لـ”المدن”: عندما تقرأ كتاب التابعي بإمعان، تكتشف أنه ليس مذكرات ولا سيرة ذاتية لنجمة من نجوم الغناء، ولكنه أشبه بتصفية حسابات شخصية، حتى أنه يحتوي على الكثير من الأخطاء التاريخية، والمعلومات المتضاربة التي يصعب تصديقها”.

ويشير صاحب “الغناء المصري” إلى أنه قد تعرض بالانتقاد في مقدمة الكتاب، الذي أوشك على الانتهاء من تأليفه، إلى الأعمال التي تناولت سيرة أسمهان، وفندها، قائلًا: أُعيد إنتاج أفكار التابعي من خلال مُؤَلَفين، تاليين عليه، الأول لسعيد أبو العينين بعنوان “أسمهان لعبة الحب والمخابرات”، وصدر في سلسلة كتاب اليوم، عن مؤسسة الأخبار المصرية، والثاني ألفه الكاتب السوري سعيد الجزائري، تحت عنوان “أسمهان ضحية الاستخبارات”، دار رياض الريس. حيث اعتمد الكتابان بشكل كامل على حكاية التابعي، ثم أضاف الكاتبان إليها بعض الإثارة. التوثيق غائب تمامًا في الكتب الثلاث، وعندما نتحدث عن رواية تخص اشتغال أسمهان بالعمل المخابراتي، فإنه لا بدّ من وثائق تدعمها. هذه الوثائق إن كانت موجودة فقد مرة عليها أكثر من سبعين عامًا، وبالتالي أصبحت متاحة للجمهور، فلماذا لم يصدر –حتى الآن- عن جهاز رسمي من أجهزة المخابرات التي أشيع أن أسمهان تعاملت معها، وثيقة واحدة تشير إلى هذا الموضع، على عكس وثائق أخرى كثيرة ظهرت تخص عمل المخابرات الأجنبية في الشرق الأوسط إبان الحربين العالميتين، منها مثلا ما أظهرته الخارجية البريطانية عن نشأة جماعة الإخوان وتمويلها”.

وفي حين يصنف حنفي الكتب الثلاثة الماضية باعتبارها رواية واحدة، فإنه يضعها في مقابل رواية عائلة أسمهان: “وسردها أخوها فريد في مذكراته بنسختيها؛ الأولى التي صدرت في مطلع الستينات بعنوان “دموع فريد الأطرش”، والثانية التي نشرت أولًا كحلقات في مجلة الموعد (نهاية الستينات)، ثم جمعت في كتاب صدر من دار الشروق المصرية، بعد وفاته، تحت عنوان “فريد الأطرش لحن الخلود”، وتأتي تلك الرواية بشكل عام مناقضة لرواية التابعي، فعلى حين أظهرتها الأخيرة كمدمنة كحوليات ولعب القمار، بدت شخصيتها على النقيض في رواية أسرتها، التي تعتبرها مناضلة دافعت عن استقلال وطنها”.

وأشيع عن أسمهان تعاونها مع كل من المخابرات الإنكليزية والفرنسية لإقناع عشيرتها في جبال الدروز للوقوف ضد دول الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية،  ثم تحولها لاحقًا لدعم دول الحلفاء عبر التعاون مع المخابرات الألمانية، ويفسر التابعي ذلك التحول غير المنطقي، من خلال سيناريو فيلم كتبه باللغة الإنكليزية، نشرته صحيفة أخبار الأدب المصرية عام 2007، حين يبرر لجوءها للألمان كمحاولة للتخلص من البريطانيين الذين سعوا لتصفيتها جسديًا.

ولا تبدو مشكلة الأكاديمي المصري مع دقة التوثيق التاريخي لأحداث سيرة أسمهان فقط، وإنما يبدي عدم الرضا ذاته تجاه الأعمال الأخرى التي تناولت منجزها الفني، حيث يرى إنه بالرغم من جدة “كتاب “أسرار أسمهان” للكاتبة شريفة زهور، الأميركية من أصل جزائري، وبالرغم مما عابته المؤلفة على كتاب التابعي في كثير من مادته، إلا أن كتابها يفتقر أيضًا للمصادر، والمعلومات الواردة فيه جاءت في صيغة الانطباعات الشخصية، من نوع “سمعت كذا أو قرأت كذا”. من ناحية أخرى فإن كتاب اللبناني فيكتور سحاب، والذي يحمل عنوان “السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة”، يخصص فصله الأخير لأسمهان، وبالرغم من احتوائه على تحليل جيد لصوتها وموسيقاها، لكنه يعاني نقصًا في رصده لأغانيها كما يضم كثير من المعلومات الخاطئة”، فيما يعتبر صاحب “معارك فنية” أن ” الكتابة عن أسمهان لم تأخذ شكلًا علميًا إلا عند اثنين فقط؛ كمال النجمي الذي كتب فصلًا رائعًا صدر أولا في مجلة الكواكب، ثم ضمه لكتابه الأول بعنوان “الغناء المصري”، الصادر في عام 1968؛ تحدث خلاله عن الأثر الذي أحدثته في الغناء، حيث إنه ركز على الزاوية التي يعرفها وهي الموسيقى. كذلك فعلت رتيبة الحفني في كتابها عن محمد القصبجي، “الموسيقي العاشق”.

ولعل ذلك الحرص الذي يبديه نبيل حنفي (مواليد 1949) على “الشكل العلمي”، تفسره خلفيته المهنية، حيث يعمل كأستاذ متفرغ في كلية الهندسة في جامعة المنوفية، والتي سبق وأن رأس قسم الميكانيكا فيها حتى أحيل إلى درجة المعاش منذ 8 أعوام، وبالرغم مما تفرضه مهنته من مجال بحثي، فإن حنفي أصدر 11 مؤلفًا، تسعة منهم حول التأريخ الفني والأدبي، منها مثلا: فريد الأطرش ومجد الفيلم الغنائي، معارك فنية، الغناء المصري أصوات وقضايا، نجوم العصر الذهبي لدولة التلاوة، حكايات أسرة أرمنية – من الشتات إلى المجد، وهكذا غنى المصريون.

ويبرز غياب شكل البحث العلمي عن المؤلفات المتاحة عن أسمهان، كدافع رئيس لحنفي للشروع في تأليف كتابه، الذي يقول إنه “في الكتب السابقة كلها غاب التوثيق الحقيقي لمسيرة أسمهان الفنية. هل قدمت تلك الكتب -مثلا- إحصاءً لعدد الأغاني التي غنتها؟ وكم هو العدد الحقيقي لتلك الأغاني؟ هل 50 أم 40 أغنية؟ هناك أغان كثيرة ضاعت، ولا يعرف عنها شيء. كذلك سجلت أسمهان أغان كثيرة في فترة صباها، قبل أن تتزوج وتسافر بداية الثلاثينات، أين تلك الأغاني، وما حكايتها؟ أسعى في كتابي لتوثيق منجز أسمهان الفني، وأن أصل على الأقل إلى رقم دقيق لعدد الأغاني التي غنتها. أغنياتها مبعثرة ولا يعرف أحد كم عددها، ولا تاريخ صدورها ولا الجهات التي أنتجتها، وقد استطعت توثيق أعمالها كلها تقريبًا، حتى التي ضاعت ولم يكن يعرف عنها شيئًا. وقد اعتمدت في سيرتها على الوثائق المتاحة في مصر والوطن العربي، ولن أتطرق لتفاصيل الجاسوسية، فمن الصعب –بالنسبة اليّ- الاطلاع على الوثائق البريطانية، لأن ذلك يتطلب السفر إلى لندن، وتقديم طلب رسمي، ربما يقابل بالرفض”.

وبحسب السيرة المروية عن أسمهان، فإنها قد تزوجت من ابن عمها الأمير حسن الأطرش في بداية الثلاثينات، وانتقلت معه إلى جبل الدروز في سوريا، ليستقرا هناك، في زواج استمر ست سنوات، حظيت خلاله بابنتها الوحيدة كاميليا، ثم انفصلت عنه عام 1938 (تطلقا رسميا عام 1939)، لتعود إلى القاهرة وتستأنف مشوارها الفني، وهو المشوار الذي شهد مشاركتها في السينما بفيلمين وإنجازها العديد من أغنياتها الخالدة.

ويشير حنفي إلى أن تراث أسمهان ينقسم إلى ثلاثة مراحل: “مرحلة ما قبل الزواج، ومرحل الانطلاق ما بعد العودة من جبل الدروز، ومرحلة العمل في السينما، والأخيرة سهل جمعها، لأن أسمهان مثلت في فيلمين، وشاركت في فيلمين آخرين بصوتها فقط. أما غير الموثق فما شاركت به في الإذاعة وما سجلته من إسطوانات. وقد استطعت حصر ذلك الإنتاج من خلال تتبع أعداد مجلة الراديو المصري. أما الاسطوانات فوثقتها من خلال تتبع المواد الإعلانية التي كانت تصدر في صحف تلك الفترة، وبعض المصادر الأخرى”.

يضم كتاب نبيل حنفي المرتقب، 12 فصلًا، وقد نُشرت أجزاء منه على هيئة 4 مقالات في مجلة الكواكب، في الفترة من 2004 إلى 2017، تمثل ثلاثة فصول من مادته، لكنه بالعودة إلى أول تلك المقالات، الذي نٌشر تحت “أسمهان.. أميرة الغناء العربي”، يكتشف القارئ اعتماد حنفي في جزءٍ كبير من مادة مقاله، على كتاب محمد التابعي بالإضافة إلى كتابي سعيد الجزائري وفكتور سحاب الذين انتقدهم سابقًا، لكنه يفسر ذلك الأمر، بأنه عندما بدأ في التخطيط للكتاب، منتصف التسعينات، بينما كان يعد كتابه عن فريد الأطرش، كان مؤمنا بكل ما جاء في كتاب التابعي، لأنه كان الوثيقة المتاحة أمامه، ومع استمرار البحث واكتشافه كثير من المصادر الأخرى التي تدحض ما ذهب إليه مؤسس مجلة “آخر ساعة”، اضطر إلى إعادة كتابة كثير من فصول كتابه، حتى أنه أعاد كتابة الفصل الخاص بنشأة أسمهان نحو ثلاث مرات حتى الآن.

يطمح نبيل حنفي أن يصنع في كتابه ببلوغرافيا لأعمالها، ترصد تواريخ صدور تلك الأغاني، ومنتجيها، ومؤلفيها وملحنيها، وكذلك إضافة ملحق خاص بالكلمات “هناك قصائد وأزجال غنتها لكنها غير معروفة، سيكون من الرائع جمعها في الكتاب”. كذلك يبدو أن المؤلف سيرصد وقائع التأثير الذي أحدثته التجربة الأسمهانية لدى معاصريها من مطربات أو حتى لدى اللاتي جئن بعدها، ويتضح ذلك من خلال مقاله المنشور في عدد الكواكب في 21 يوليو الماضي، والذي جاء تحت عنوان “حدوتة معطف أسمهان”، حيث إنه استقى عنوانه من مقولة ديستويفسكي: “لقد خرجنا جميعا من معطف غوغول”، ليشير إلى الذين خرجوا بظنه من عباءة أسمهان، ويقسمهم وفق تصنيفه إلى فئتين: “تضم الأولى الأصوات الغنائية التي تشترك مع صوت أسمهان في بعض أو كثير من الخصائص المميزة، وهي أصوات تنقسم أيضاً بين مقلدات وغير مقلدات ممن تقارب أصواتهن صوت أسمهان في كثير من صفاته، بينما تضم الفئة الثانية مجموعة من المطربات اللائي أفدن من طرق الأداء التي ابتكرتها أسمهان في مشوارها القصير مع الغناء”، وقد خص كل مغنية منهن بترجمة رصد فيها سيرهن الذاتية وحلل فيها أصواتهن وموسيقاهن، ورتبهم ترتيبًا زمنيًا من حيث الظهور، وقد ضم إلى الفئة الأولى كل من: “نازك – نادية فهمي –سهير فهمي- فجر – عزيزة جلال – وعد”، وضم للفئة الثانية :”جيهان- أحلام- فايزة أحمد – فيروز – ماجدة الرومي – كريمة الصقلي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*