هل سحب الجيش البساط من تحت الحزب فاستدرجه إلى تحدي الحكومة بملفي سوريا والعسكريين؟

سابين عويس
 26 آب 2017 

هو الاكثر خطورة لأنه كشف فيه عن عمق العلاقة الاستراتيجية التي تربطه بالنظام السوري والتي دفعته إلى الذهاب بعيدا في تحديه للدولة اللبنانية، عندما وسّع دائرة ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لتشمل الجيش السوري، متجاهلا أن مكونات الثلاثية لبنانية، فيما المكون الجديد غير لبناني. أما الأكثر حردا، فلأنه عكس حالا من الانزعاج تعتري الحزب من التعاطف الوطني والعربي والدولي غير المسبوق مع الجيش في حربه ضد الارهاب، في تجاهل تام لدور الحزب ولتضحيات عناصره في هذه الحرب.

والسؤال الذي شغل الاوساط السياسية أمس تمحور حول الاسباب التي دفعت نصرالله إلى الخروج عن طوره، رغم النبرة الهادئة التي اتسم بها خطابه، ليرسم مشهدا سياسيا جديدا يحمل في طياته توجها تصعيديا ينذر برفع سقف المواجهة على المستوى الحكومي، ولا سيما أن التحديين اللذين وضعهما في رسم الحكومة غير قابلين للصرف داخلياً، ولن تكون بمنأى عن تداعياتهما.

فهو لم يقف عند تحدي الحكومة بتعديل جوهري في بيانها الوزاري المتصل بثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، والتي وضعت حصرا في وجه العدو الاسرائيلي، فيما إدراج الجيش السوري لا يأتي ضمن سياق محاربة إسرائيل – الامر غير المطروح أساساً – بل في سياق مواجهة الارهاب. بل ذهب أبعد في تحديه الحكومة بدعوتها إلى التقدم بطلب رسمي والتنسيق العلني مع النظام السوري في شأن مصير العسكريين المخطوفين لدى “داعش”.

وهذان التحديان من شأنهما، في رأي مصادر سياسية، أن يحرجا الحكومة التي يتمثل فيها الحزب، ويسقطا سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها حيال الملف السوري.

وفي رأيها أن نصرالله أراد بذلك توجيه رسالة صارمة إلى الحكومة ترمي إلى إبراز أهمية العنصر السوري في المعادلة اللبنانية الداخلية، وتعذر التوصل إلى أي تسويات من دون المرور القسري أو الطوعي عبر دمشق. علما ان ثمة من له قراءة مغايرة ترى في كلام نصرالله جائزة ترضية للنظام واعترافا بالجميل والعرفان للدور الذي اضطلع به في المعركة ضد “داعش”، من دون ان يكون له امتدادات مستقبلية في التسوية المقبلة على سوريا.

أياً تكن القراءات المتفاوتة لما أراد نصرالله توجيهه من رسائل إلى الداخل كما إلى الخارج، فإن معطيات عديدة دفعت الرجل إلى قول ما قاله.

وبحسب المصادر، لقد بات يدرك مجموعة معطيات ارتسمت في الافق منذ خوضه معركته ضد “جبهة النصرة” في جرود عرسال.

– أولها أن إعطاء الجيش الضوء الاخضر اليوم للقيام بعمليته ليس وليد ساعته، بل هو نتيجة مخاض طويل من الاعداد لهذه اللحظة التي تجلت في توفير القرار السياسي للمؤسسة العسكرية، الامر الذي كان متعذرا في حكومة الرئيس تمام سلام وفي ظل الشغور الرئاسي. وهو ليس بعيدا عن سياق التسوية الاقليمية الحاصلة والرامية إلى إعطاء الجيش دورا أساسياً وحصريا في الامن اللبناني الداخلي وعلى طول الحدود مع سوريا.

– ثانيها ان لبنان الرسمي لن يذهب تحت أي ظرف أو مسمى إلى إضفاء أي شرعية على نظام الاسد، مهما بلغت التنازلات التي يقدمها رئيس الحكومة أو تياره السياسي، والتي دفع ثمنها انفراط عقد الحركة الاستقلالية. علما أن زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان، في حيز منها، هي لشد عصب هذه الحركة ولم شملها، منعا لمزيد من الانزلاق الطوعي نحو المعسكر الايراني.

أما ماذا سيكون رد الحكومة على كلام السيد، فتؤكد مصادر وزارية مطلعة أن الحكومة لن تدخل في رد، حتى لو كان الكلام موجها إليها، على قاعدة سياسة النأي المعتمدة، لأن أي كلام على طاولة مجلس الوزراء في هذا الشأن سيبرز الانقسام السياسي بين مكوناتها.

وتعول المصادر على الجيش والاجواء الجيدة جدا التي يتمتع بها داخل الحكومة، كاشفة عن صرف مجلس الوزراء اعتمادات بقيمة 10 مليارات ليرة كان سبق أن طلبها الجيش لزوم تجهيزات، في مؤشر للدعم المطلق له. وإذ تؤكد في هذا المجال أن لا خطة واضحة موضوعة لتأمين مصادر التمويل لتجهيز الجيش وتأمين حاجاته كي يتمكن من تنفيذ خطة الانتشار في المناطق المحررة وإقامة التحصينات التي يحتاج إليها، أشارت إلى أن هذا الموضوع لم يطرح بعد للنقاش، ولكن لبنان يدرك حجم المساعدات الدولية المخصصة للجيش للقيام بدوره كاملا.

أما في مسألة التفاوض مع النظام السوري، وإذا كان شرطا لمعرفة مصير العسكريين المخطوفين، فأكدت المصادر أن الحكومة تعتمد قنوات أمنية غير معلنة لمواكبة هذا الموضوع، لكنها لن تقبل بأي استغلال لهذا الملف الانساني من أجل الضغط في اتجاه تطبيع العلاقة مع سوريا.

قد يكون الخطاب الأخير للامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الاكثر خطورة وحردا منذ اعتمد سياسة الاطلالات الاعلامية للتعليق على الاستحقاقات والملفات المطروحة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*