هل دقّ الخطر أخيراً باب الليرة اللبنانية؟

بسام حسن- خبير اقتصادي

النهار
05102018

      الليرة اللبنانية.

يكثر في هذه الأيام الحديث عن مأسوية الوضع النقدي في لبنان، ويجزم البعض بأن البلد على شفير الانهيار التام وأن العملة الوطنية تقترب من حافة الهاوية. حتى إن كُثُراً من أصحاب هذه النظرية بدأوا بالتنبؤ بأسعار جنونية للدولار الأميركي. فما حقيقة ذلك؟ وهل إن هذه النظرة مبنيّة على أسس علمية أم إنها محض حديث سياسي مُغرِض؟

وحتى نُقارب ذلك من منظورٍ اقتصادي بحت، علينا أن نفهم حركة العرض والطلب المتعلقة بالدولار الأميركي إذ إن الاقتصاد اللبناني اقتصاد “مدولر” حيث تبلغ نسبة الودائع بالدولار الأميركي من مجمل ودائع القطاع المصرفي نحو 70% وفقاً لمصرف لبنان

 وهذا ليس بمُستغْرب أبداً بل انه نتيجة مباشرة لبنية الاقتصاد اللبناني. فلبنان يستورد معظم حاجاته من الخارج، والقلم الذي أخطّ فيه هذا المقال والسيارات التي نستقلها والخلوي والكومبيوتر والــ الآيباد”  والدواء والديزل، وما إلى هنالك من سلع لا نستطيع حصرها في هذه السطور، كلها مستورد من الخارج. فميزان لبنان التجاري  في عجز بلغ في نهاية العام 2017 نحو العشرين مليار “دولار أميركي بحسب وزارة المالية اللبنانية (مصلحة الجمارك)، وبالطبع، فإن لبنان يدفع فاتورة الاستيراد هذه بالعملة الصعبة وتحديداً بالدولار الأميركي، لذلك فهو بحاجة دائمة إلى هذه العملة.

ولكن هذا ليس بجديد فحتى في أيام “العز” حين كان لبنان سويسرا الشرق فقد كان يسجل عجزاً في ميزانه التجاري وهنا مكمن الطلب على العملة الخضراء. وهو ليس وليد الأمس القريب بل هو متجذر في بنية لبنان الاقتصادية. فلبنان لم يكن أبداً بلداً صناعياً أو زراعياً كألمانيا او هولندا، على سبيل المِثال، وقد ارتكز اقتصاده تاريخياً على السياحة والخدمات وكان بحاجة إلى الدولار الأميركي لاستيراد حاجاته على مرّ تاريخه الحديث. وهنا لا بد من السؤال عن مصدر هذه الدولارات، فمن أين يأتي لبنان بها حتى يدفع فاتورة الاستيراد تلك؟ في الواقع هنالك عدة مصادر يحصل لبنان من خِلالها على العملة الصعبة وأهمها التالي:

‌ب) السياحة والتي تشكل مصدراً آخر للعملات الصعبة سواء تلك المتعلقة بالسياحة الاجنبية أو حتى تلك التي يقوم بها المغتربون اللبنانيون. ومما لا شك فيه انها تأثرت بالمقاطعة الخليجية للبنان من ناحية وبالأزمات السياسية والأمنية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط على وجه العموم وسوريا على وجه الخصوص من ناحية أخرى. وأخيراً وليس آخراً، فإن السياحة تأثرت سلباً بتقهقر البنى التحتية الداعمة لها في لبنان من مواصلات وكهرباء وانترنت وصرف صحي وما إلى ذلك. كما أن التلوّث البيئي الذي نشهده ساهم إلى حدّ كبير في تراجع السياحة وحرم لبنان من مداخيل أساسية.

ج‌) قطاع الخدمات وبخاصة الاستشفاء والتربية والمصارف والتي ما زالت تعتبر من الأفضل في منطقة الشرق الأوسط (ولنا حديث بالأرقام عن المصارف في ما يلي).

د‌) اقتصاد الظل  وهو عبارة عن الأنشطة غير المنظورة (غير الرسمية) والتي لا تمرّ عبر المصارف كتجارة المخدرات والأموال النقدية التي تحصل عليها بعض الأحزاب او الجهات السياسية. وبالرغم من انه لا يوجد إحصاء دقيق لحجم هذه الأنشطة وكمية الأموال التي تدخلها إلى لبنان فإننا نعتقد بانها ليست هامشية.

إذاً، هذه بعض المصادر التي يحصل بها لبنان على العملة الصعبة وهي، وبالرغم من المشاكل التي تعترضها والتي تطرقنا إليها آنفاً، لم تتدهور إلى الحدّ الذي يحلو للبعض تصوره والدليل على ذلك أرقام المصارف. فلبنان يتربع في المرتبة الرابعة بعد المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وقطر في حجم الودائع المصرفية بحسب نشرة”بلان بانك 2018″ كما يظهر جليّاً في الجدول التالي:

وهذا دليل على ثقة المودعين بالقطاع المصرفي اللبناني مقارنة بدول تفوقه استقراراً وموارد وإمكانيات كالأردن وعمان والمغرب مثلاً.

كما ان المصارف اللبنانية حافظت على مستوى عالٍ من السيولة كما يبينه الجدول التالي بحسب المصدر نفسه:

والأهم من كل ذلك أن المصارف اللبنانية التزمت أعلى معايير الحيطة والحذر في تسليفاتها ولم تندفع إلى إعطاء قروض لا تستوفي المعايير التي وضعها مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف إن لناحية نسبة القروض إلى قيمة المشاريع الممولة  او لناحية الضمانات المطلوبة إزاء هذه القروض. وعليه، فإن الديون المتعثرة قياساً لمجمل التسليفات بلغت في العام 2017 نسبة 6.7% كما يبينه الجدول التالي بحسب بيلان بانك 2018 أيضاً:

وكل ذلك دليل على مناعة القطاع المصرفي وقدرته على مواجهة العواصف والأنواء. زد على ذلك الاحتياطات بالعملات الأجنبية التي يملكها مصرف لبنان والتي تشير أرقامه بأنها بلغت نحو 43 مليار دولار أميركي إذا استثنينا موجودات المصرف المركزي من الذهب، وهذا كاف وحده بأن يضمن استقرار النقد لفترة طويلة.

طبعاً هذا كله لا ينفي وجود تحديات جمّة تواجه لبنان وعلى رأسها إعادة تكوين السلطة التنفيذية ووضع خطة استراتيجية تتصدى للمشاكل البنيوية التي يواجهها الاقتصاد اللبناني والكامنة بالدرجة الأولى بالفساد الذي ينخر مفاصل الدولة وبتضخم القطاع العام وبالعجز الفاضح في قطاع الطاقة، والذي زاد عبئه بعد ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً، وبالعجز في ميزانية الدولة مع غياب تام للمشاريع المنتجة والذي أدى إلى تقهقر في البنى التحتية مما أثر على مناخ الاستثمار بشكل عام وهذا كله غيض من فيض، ونحن لا نحاول التخفيف من وقعه وكل ما نحاول قوله بأن هذه المشكلات لم تستجدّ بين ليلة وضحاها وهي قائمة منذ سنوات، تزيد حدتها حيناً وتنخفض حيناً آخر، ولكن في الوقت عينه فإنها لا تعني أن البلد على شفير الانهيار التام وان العملة الوطنية بخطر داهم وان المصارف مأزومة وقد بيّنا عكس ذلك بلغة الأرقام.

وبالختام، فإن الامل يحدونا بأن يستغل ساسة هذا البلد الاستقرار الأمني الذي ينعم به لبنان مقارنة بالمحيط، ويترفّعوا عن صغائر الأمور وينظروا بجدية إلى ما آلت إليه أحوال البلاد ويضعوا خطة اقتصادية شاملة لا تبقى حبراً على ورقِ وتكون مدخلاً إلى مستقبل مشرق وواعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*