هل حقاً الليرة بخير؟

سلوى بعلبكي
النهار
07092017

ليس مستغرباً خوف البعض على وضع الليرة في ظلّ أزمات سياسية أو أمنية معتادة قد تمرّ بها البلاد، وقد حدث أن تعرضت العملة الوطنية لضغوط قاسية بفعل التقلبات السياسية والأمنية والشغور الرئاسي والتخبط الحكومي، ما استدعى في كلّ مرة تدخلاً إنقاذياً من مصرف لبنان. ولكن المستغرب اليوم أن يتم الحديث عن أزمة قد تواجهها الليرة في وضع مستقر نسبياً لا يشبه الحقب الماضية التي سبقت انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة.

فلم هذا الكلام الآن؟ وما الهدف منه؟ وما هو وضع الليرة حالياً؟

يستغرب الخبراء الذين تحدّثت إليهم “النهار” الحديث عن انخفاض قيمة العملة الوطنية وتالياً زعزعة الاستقرار في القطاع المصرفي، فيما وضع بعضهم هذا الكلام في إطار “طموح شخصيّ” سعياً لمواقع محددة ومعروفة الأهداف.

لم يجد الخبير الاقتصادي مازن سويد أي داع للقلق في هذه المرحلة تحديداً لا على النموّ ولا على الليرة، مستنداً بذلك إلى المؤشرات الحقيقة للاقتصاد التي تبين ارتفاعاً في معدّلات النموّ بين 1 إلى 2%، وقد تصل إلى 3% في عام 2017، إذا كانت الحركة السياحية في آخر السنة كما هي في أوّلها.

هذا بشأن النموّ… أما في ما يتعلق بالليرة فإنّ معدل الاحتياطي الأجنبي لدى مصرف لبنان مرتفع جداً، وهذا يشكل قوة دفاع لها. وينطلق سويد من سياسة تثبيت سعر صرف الليرة التي يعتمدها مصرف لبنان ليجدد تأكيده أنه ليس من مبرر للقلق إطلاقاً. وهو إذ يشير إلى مدارس اقتصادية تعتقد أن تحرير الليرة يعود بالفائدة على الاقتصاد لكونه يخفف من وطأة الدين العام ويزيد من الصادرات، يؤكد أنه ليس مع هذا التوجه تماماً كما مصرف لبنان الذي ليس في نيته التراجع عنها لاقتناعه بأنّ التخلي عن سياسة تثبيت الليرة لن يعود بفائدة على الاقتصاد.

يجزم سويد أنّ السياسة النقدية لن تتغير إلا في حالتين: الأولى باقتناع مصرف لبنان أنّ تثبيت سعر الصرف غير مفيد للاقتصاد وهذا الأمر مستحيل، والثانية هي حالة عدم قدرة مصرف لبنان على الدفاع عن هذه السياسة، وهذا أيضاً أمر مستحيل. وهذا الاقتناع الذي يبديه سويد نابع من الجهد الذي يبذله مصرف لبنان للمحافظة على السياسة النقدية لكونه يدرك “أنّ هذا الأمر هو ركن أساسي من أركان الاقتصاد”. وإذ ذكّر بمرحلة انهيار أسعار العملة التي كانت أحد أسباب تفاقم الحرب الأهلية في لبنان، قال: “إنّ هذا الأمر من الخطوط الحمراء اقتصادياً وسيكون من الصعب جداً فرض أيّ تغيير في هذا الاتجاه”.

كلام سويد أيده الخبير الاقتصادي مروان اسكندر مضيفاً “أنّ ما يقال عن سعر صرف الليرة هو كلام غير منطقي واضعاً إياه في إطار الطموح الشخصي للوصول إلى سدّة رئاسة مصرف لبنان. ويستند إلى عوامل عدة تؤكد ثبات قيمة الليرة، ومنها موجودات مؤسسة ضمان الودائع التي تناهز المليارين ومئتي مليون دولار ومصرف لبنان الذي تناهز موجوداته الأجنبية الـ 3 مليارات دولار، عدا عن قيمة الذهب ليصبح مجموع الموجودات نحو 17 مليار دولار”. وما يطمئن اسكندر أيضاً هو أنّ نحو 75% من الدين العام هو دين داخلي إن كان بالدولار أو بالليرة اللبنانية، وتالياً “لا أعتقد أنّ اللبنانيين يريدون إفلاس دولتهم”، ليخلص إلى القول: “إنّ ما يحكى عن وضع الليرة هو كلام لا يتعدى لكونه كلاماً تهويلاً”. ويلاحظ اسكندر أنّ “ثمة تحريضاً مستمراً على حاكم مصرف لبنان، ولكنّ خلفياته أصبحت معروفة ويتجلى بطموح البعض أن يكونوا في موقع رئاسة مصرف لبنان. ووفق اسكندر، فقد وجد هؤلاء في الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان سبباً إضافياً للهجوم على الحاكم، ولكن برأيي هذه الهندسة جنبت لبنان أزمات مصرفية بكلفة أقل مما ستكون عليه لو وقع أي مصرف بأزمة مشابهة لبعض المصارف الأوروبية والأميركية. فالبنك الأوروبي تكبد نحو 6 آلاف دولار نتيجة تدخله لشراء مصارف أفلست في قبرص واليونان، فيما تكبّدت أميركا نحو 14 آلاف مليار دولار أي ما يقدر بنحو 70% من الدخل القومي”.

بالرغم من عدم الاستقرار السياسي والفراغ الرئاسي والشلل المؤسسي والخروق الأمنية في لبنان في الأعوام الماضية والركود الاقتصادي وعدم وجود إدارة سياسيّة جامعة لتطبيق الإصلاحات البنيويّة، بالإضافة إلى الوضع الجيوسياسي المتفجر في المنطقة، استطاعت المصارف بالتعاون مع مصرف لبنان، المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، من خلال المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة والاستقرار في الماليّة العامة.

ويعود هذا الاستقرار برأي كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، نسيب غبريل، إلى أنّ المصارف قادرة على الاستمرار في مدّ الاقتصاد بمختلف قطاعاته العامة والخاصة بالسيولة، بدليل أنّ التسليفات المصرفية للقطاع الخاصّ بلغت 58 مليار دولار حتى نهاية حزيران الماضي. كذلك هي قادرة على تمويل حاجات الدولة للاستدانة، إذ سلّفتها 36 مليار دولار حتى نهاية شهر حزيران، وهي قادرة على دعم قدرات مصرف لبنان من الاحتياطي بالعملات الأجنبية من خلال الاحتياطي الإلزامي وشراء شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف لبنان وإيداع ودائع إضافية بلغ مجموعها 89 مليار دولار حتى نهاية حزيران. بالإضافة إلى الحفاظ على مستوى مرتفع من السيولة، إذ بلغت نسبة التسليفات إلى الودائع 37% نهاية حزيران وهي من أفضل مؤشرات السيولة عالمياً”.

ويعزو غبريل نجاح المصارف في تأدية هذه المهامّ إلى استمرارها في استقطاب الودائع، إذ بلغت ودائع القطاع الخاصّ في القطاع المصرفي 168 مليار دولار أي ما يوازي ثلاث مرات حجم الاقتصاد اللبناني وهي مستمرة في الارتفاع، إذ ارتفعت الودائع في الأشهر الستّة الأولى من السنة الجارية ما يقارب 5 مليارات و500 مليون دولار.

انطلاقاً من هذا الواقع، يؤكد غبريل أنّ الوضع سليم، وأنّ التحدي أمام المصارف يكون عندما يحصل خروج للودائع بمبالغ ضخمة وعلى فترة طويلة من الزمن، لافتاً إلى أنه على مدى الأعوام الـ 13 الماضية، التي كانت حافلة بالأحداث الأمنية والسياسية، شهد لبنان ثلاث حالات فقط لخروج ودائع من المصارف، وفي حالتين من الثلاث حصل ضغط على سعر صرف الليرة، لكن مصرف لبنان نجح، بالتعاون مع المصارف، في المحافظة على استقرار سعر صرفها: الحالة الأولى جاءت بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مباشرة، إذ حصلت تحويلات في الودائع من الليرة إلى الدولار وخروج هذه الودائع من لبنان على مدى شهرين ما أدّى إلى ضغوط على سعر صرف الليرة، لكن بعد وضوح الصورة الجيوسياسية توقف هذا المنحى. الحالة الثانية هي خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 إذ حصلت ضغوط على سعر صرف الليرة جراء التحويلات في الودائع من الليرة إلى الدولار وخروج هذه الودائع من لبنان، لكن عند إعلان وقف إطلاق النار توقّف هذا المنحى. أما الحالة الثالثة فكانت عند إسقاط حكومة سعد الحريري عام 2011 حين حصل خروج للودائع لكن لم تحصل ضغوط تذكر على سعر صرف الليرة. ويختم غبريل أنه “منذ ذلك الوقت لم نشهد خروجاً ملموساً للودائع من القطاع المصرفي”.

إذاً، لا العدوان الإسرائيلي على لبنان ولا تداعيات الأزمة السورية ولا سبحة الاغتيالات، استطاعت أن تمسّ استقرار سعر صرف الليرة كما الثقة بالجهاز المصرفي. لذا، يرى غبريل أنّ تهويل بعض اللاهثين إلى أضواء الإعلام، والمتنكّرين في أزياء “الخبير”، والمتلطين بالنظريات الهشّة والبعيدة من الواقع، والتوّاقين إلى المناصب العامّة لن يستطيع المسّ بالثقة التي يمتاز بها القطاع المصرفي وبالاستقرار النقدي والمالي والاقتصادي، والأهمّ الاجتماعي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*