هل تُراجع إيران سياساتها جرّاء الاحتجاجات؟

 

سركيس نعوم
النهار
11012018

“سيكون تحريفاً وكذلك صفعة للشعب الإيراني القول أن مطالبه كانت اقتصاديّة فقط. الشعب له مطالب اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة”. هذا الكلام قاله قبل أيّام قليلة
رئيس الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة الإصلاحي الشيخ حسن روحاني استناداً إلى وكالة “تسنيم” الإخباريّة. وهو يعني أن اتّهام المحافظين المُتشدّدين في إيران والمُمسكين بمفاصل السلطة السياسيّة والدينيّة والعسكريّة والاقتصاديّة “أميركا وبريطانيا والسعوديّة وإسرائيل” بالتدخّل ليس دقيقاً، وأن التمسّك بنظريّة إصرار أعداء إيران “على إطاحة جمهوريّتها الإسلاميّة” لم يعد في محلّه. صحيح أن هؤلاء اعترفوا بلسان مرجعيّاتهم “أن التظاهرات الشعبيّة التي سارت” احتجاجات مشروعة حُوّلت عن أهدافها من أعداء إيران في الخارج من أجل جعلها تمرّداً يطيح النظام الإسلامي”، وأكّدوا إحباط هذه المحاولة. وهذا يحصل لربّما للمرّة الأولى في تاريخ النظام المذكور. لكن الصحيح أيضاً هو الحاجة إلى إجراءات تزيل أسباب مشروعيّة الاحتجاجات الشعبيّة، وهو ثانياً عدم رمي مسؤوليّاتها على الخارج والاعتراف بأن للشعب الإيراني مطالب مُحقّة سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، كما قال روحاني وحق التعبير عنها بالتظاهر، وهو ثالثاً أن الخارج المُعادي للنظام الإسلامي قد تخلّى عن سياسة إطاحته قبل عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، وصار يبحث عن وسيلة تفاهم وتعايش معه. وظهر ذلك عندما اتّخذ الأخير قراره الشجاع بالتفاوض مع إيران على ملفها النووي بعدما صار مُقلقاً بل مُخيفاً للمنطقة وللعالم، مُقتنعاً بأن انتهاءه إلى اتفاق سيفتح الباب أمام حوار تفاوضي حول أزمات هذه المنطقة وحروبها الأهليّة وغير الأهليّة يُنهيها، ويرسي نظاماً إقليميّاً جديداً تكون لها فيه وأيضاً للدول الإقليميّة الكبرى أدوار مُهمّة تحفظ مصالحها الحيويّة. وفي هذا المجال يمكن الإشارة، ورغم تغريدات الرئيس ترامب المُحبّذة لـ”التغيير” في إيران عند بدء التظاهرات الاحتجاجيّة، إلى أن مسؤولاً أميركيّاً قال في تصريح له أن بلاده ليست مُهتمّة بتغيير النظام الإسلاميّ أو إطاحته.

طبعاً لا يشكّ أحد في أن القيادات العُليا في طهران وفي مقدّمها المرشد والوليّ الفقيه تعرف كل ذلك، وتعرف أن التظاهرات قد تجنح إلى العنف عموماً وخصوصاً في العالم الثالث، وأن المُتضرّرين من النظام قد يستغلّونها وهؤلاء موجودون في إيران بل من أبنائها. طبعاً قد يكون بعضهم مُعادياً للنظام وربّما “مُدرّباً” من أعدائه على تحريك الجماهير. لكن المُعطيات كلّها تُشير إلى أن الاحتجاجات الشعبيّة فاجأت الخارج كلّه الصديق والحليف والعدوّ، وأظهرت أنه لم يكن مُستعدّاً لاستغلالها لأنّه لم يكن مالكاً خطّة واضحة قابلة للتنفيذ. الجهة الوحيدة التي لم تفاجأ كانت إيرانيّة وهي المحافظون المُتشدّدون على تنوّعهم. وظهر ذلك في أوّل أيّام التظاهر إذ تعاملت معها القوى الأمنيّة بتساهل كما نقلت وسائل الإعلام. وعاد ذلك إلى أمرين: الأوّل اعتراف هؤلاء بمشروعيّة أسباب الاحتجاج. والثاني عدم اعتراضهم عليه وفي الشارع لأنّهم ظنّوا وفي ظلّ احتدام المعركة بينهم وبين الإصلاحين أنّه سيُطيح بالإصلاحيّين ورمزهم الرئيس روحاني. وعندما رأوا خطورة هذه اللعبة على الفريقين الإسلاميّين المُنتميَيْن إلى النظام استعملوا الشدّة، ولكن بغير طريقة الرئيس الأسد في سوريا لأنّهم يعرفون أن الدم يَسْتَسقي الدم وأن إهراقه يدخلهم دوّامة بالغة الصعوبة.

وقد يكون مُفيداً هنا الإشارة إلى التظاهرات الحاشدة عام 2009 التي سارت احتجاجاً على “تزوير” لانتخابات رئاسيّة أفادت الرئيس نجاد، وإلى انها كادت أن تدفع أركان النظام إلى “قَوْننة” نظام الحزبيَيْن في إيران الذي أفرزه النظام الإسلامي نفسه. لكنّهم عدلوا عن ذلك بعد طول بحث لأسباب متنوّعة أبرزها الاحتفاظ بالسلطة العسكريّة والدينيّة والسياسيّة والإقتصاديّة من أجل تنفيذ مشروعهم الإقليمي الطموح عندما تسنح الفرصة. وقد سنحت بعد انطلاق “الربيع العربي” بل بعد تحوّله بجهود إيران والسعوديّة وقطر وتركيا وسوريا الأسد عواصف وأعاصير. وسارت إيران خطوات مُهمّة على طريق تنفيذ المشروع المذكور. لكن إنجازه لا يزال يحتاج إلى الكثير من الحروب وقد يزيد النقمة الشعبيّة. فهل هي مُستعدّة لذلك؟ علماً أن ضمان موقع إقليمي لها مُهم جدّاً وضروري لحفظ التوازن في المنطقة، ولمنع عودة الساحة الإسلامية السُنيّة مفتوحة بالكامل أمام المُتشدّدين حتى التكفير والعنف. ويقتضي ذلك إعادة النظر في مواقفها الإقليميّة (إسرائيل لا تدخل في هذا الباب)، وزيادة منسوب الديموقراطيّة والحرّيات بدلاً من تقليصه، و”إراحة” الحياة الإجتماعيّة، وتأمين حاجات الشعب وضرب الفساد. فهل تفعل؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*