هل تملأ الحكومات بطونها حين تُجوّع العقول؟!

 


إبراهيم نصر الله
Jan 25, 2018
القدس العربي

 

لو كان ثمة عقل للحكومات العربية، لكانت دعمت الكتاب وسهلت وصوله للناس، وفتحت حدودها له، وحوّلت موظفيها العاملين في مجال الرقابة، للعمل في مؤسسات أخرى، قد تساعد كثير منهم في أن تتفتح عقولهم، هم الذين يمكن أن نطلق عليهم صفة الضحايا، لا لشيء، إلا لأنهم حُشروا طوال أعوام وأعوام في أضيق الزوايا، باحثين عن كلمة هنا أو كلمة هناك، ليقوموا بعزلها عن السياق العام، لكي يمهدوا الطريق لسياسة الأنظمة، من أجل إعدام أي كتاب مشتبه به، حتى قبل أن تثبت إدانته.
لو كان ثمة عقل للحكومات العربية، لسهلت وصول الكتب للمدارس، ودعمت الكتابة، وصناعة النشر، وأخرجت وزارات الثقافة ومطبوعاتها من حالة الموت السريري، فلا كتبها توزع عادة، ولا مجلاتها، ولا ميزانياتها قادرة على مساعدة أي جديد في أن يولد، وإن كان ثمة ميزانيات، فهي تكفي لأن تبقيها قادرة على التنفس، لا على النهوض والسير لتغدو نَهَرًا من أنهار الحياة.
لو كان لدى الحكومات العربية عقل، لأدركت أن الثقافة يمكن أن تكون صناعة كبرى، تسهم في دخلها الوطني، وتعززه، لا ماديا وحسب، بل إنتاجيا، وحضاريا، لأن من ينتجون هم الذين يعرفون، ويفقهون، ويرون أكثر من مدى كثير من الكتب المدرسية الفقيرة، التي يُحشر رأس الطلاب فيها، كما تُحشر رؤوس الخيول في أكياس العلف المعلقة في آذانها.
يورد الكاتب البرتغالي أفونسو كروش في نهاية روايته (هيا نشتر شاعرًا) بعض الأرقام عن الدور الاقتصادي التي تلعبه الثقافة في حقولها المتعددة في الحياة الاقتصادية البرتغالية، فيقول: إن قطاع الثقافة يعادل 2٪ من المنتج العام في البرتغال ونحو 1.7٪ من القيمة الإضافية الخام، ويسهم بـ 2.7 مليار يورو في السنة متجاوزا قطاعات كالزراعة والصناعات الغذائية، وذلك حسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء. وفي أرقام أخرى فإن هذا القطاع يشغّل 127 ألف شخص، متفوقا على الصناعات النسيجية والغذائية والمشروبات..
لا نريد أن نظل في البرتغال، ولكن كل تلك الأرقام تعيدنا إلى مربّعنا الأضيق من ذلك الأفق الذي تتمتع به دوائر المطبوعات، لأن هذه الحكومات التي لم تستطع أن تنشئ صناعات أو قطاعات زراعية منتجة تكفي مواطنيها، تحوّلت إلى حكومات متسوِّلة بالقوة، لأن على المواطن أن يدفع لها إلى ما لا نهاية، ضرائب مضاعفة، وضرائب على الضرائب، إلى أن وصل الأمر إلى فرض ضريبة على الكتب، كما تفتقت عنه العقلية الرسمية الأردنية التي لم يعد ينقصها إلا أن تنشر دوريات ضريبة في الشوارع، لتجبر الناس بالقوة، على إفراغ ما في جيوبهم، بعد أن عملت الحكومات على إفراغ عقول الناس، بتصحيرها للتعليم، وتسخيفها للعقل، وعزلها الطلاب عن عالم يتسع بعلمه ومعرفته واختراعاته، ومنطقه، فأوصلتنا إلى زمن باتت فيه قدرة الدواعش ومشتقاتهم ميسرة لالتهام عقول شبابنا وتحويل أوطاننا إلى حقول دم وموت وتخلف ودمار.
الحكومة الأردنية تقرُّ إذا ضريبة مقدارها 10٪ على كل مواطن يريد أن يشتري كتابا، أن يعرف، أن يفهم، أن يضيء عقله، الذي لا يضاء أي وطن لو تمّ تعتيمه، في وقت تقوم فيه الحكومة برفع الضريبة عن الجهل، ودعمه، وهي تعمل على رعاية كل أولئك الذين يعيشون عالة على اقتصادها، بالبطالة، أو بالبطالة المقنعة، أو بانعدام الفكر الخلاق الذي تقوم عليه أية تنمية.
.. والحكومة بذلك تعيّن نفسها كاتبا ثانيا لأي كتاب نكتبه، وليس غريبا أن تضيف اسمها قريبا على غلاف كل كتاب يصدر، كمؤلف ثان! فإذا كان معظم الكتاب العرب لا يتقاضون أكثر من 10٪ حقوق تأليف، هذا إذا حصلوا على حقوق، فإن الحكومة ستأخذ ما يأخذه الكاتب، مع أننا اعتدنا منها أن تعكر صفو حياة الكتّاب، وتحرمهم من أي فرص حقيقية للعمل، والنشر المحترم في وسائلها المختلفة التي تتحكم فيها، واعتدنا منها ألا تحمي الكتاب، فهي تغض النظر، عينا وأدوات تنفيذية، عن ملاحقة أولئك الذين لا يدفعون للكتّاب حقوقهم، والذين يزورون في عدد النسخ المطبوعة، والذين يقرصنون كتبنا ويبيعونها على الأرصفة. ومن المفارقات أن من يريد إرسال كمية قليلة من الكتب إلى الخارج فإن عليه أن يحصل على موافقة من دائرة المطبوعات والنشر، التي تتأكد من سعر الكتاب ودار النشر، والمنشأ، واسم المؤلف وعدد الصفحات، لكن كتبنا المزوّرة تدخل من دون تدخّل يمنع تسريبها إلى السوق، وكل كتاب يعتبر، اليوم، جيدا يتم تزويره وبيعه.
لا تتردد الحكومة وأجهزتها في إغلاق أي مطعم أو محل تجاري، وإلغاء رخصته إذا ما تبين أنه يبيع بضاعة مسروقة، ولكنها لا تقوم بإغلاق مكتبة تبيع كتبا مسروقة، لأن ذلك ليس من حق أصحاب هذه (المَسْرَقَة!)، وليس من حق من اتخذوا السرقة حرفة، ويكفي أن يمرّ أي شخص ببسطات الكتب والأكشاك وعديد المكتبات ليرى أن حجم الكتب المقرصنة فيها يفوق عدد الكتب الأصلية، كما أن كثيرا من المؤسسات ترعى معارض لأناس يكوِّنون ثرواتهم من الكتب المزورة التي تباع في تلك المعارض علانية؛ وللحقيقة هنا فإن هذه المعضلة من مسؤوليات اتحادات الناشرين أيضا.
الدولة تدفع نفقات التعليم، لكنها تأخذ ضريبة على أي إمكانية للتفكير. ومن يعرف سوق الكتاب اليوم، يعرف أن الفئة الأكثر إقبالا عليه هي فئة الشباب والشابات بشكل خاص، فهل تريد الحكومة أن تدفعهم إلى مكان آخر يُغرقون عقولهم فيه، وليس ثمة هناك سوى بحيرات من طين الجهل، التي دفعت منطقتنا الكثير في السنوات الأخيرة بسببها: دماء وأموالا وأرواحا وخوفا ونفقات أمنية.
كنا نتمنى أن تستطيع الحكومة الأردنية، وكثير من حكوماتنا العربية أن تنشئ لها صناعة، وزراعة، ومراكز أبحاث واختراعات لكي يكون لنا في هذا الكون بعض من كرامة حضارية، لكنها، وهي التي كان شغلها الشاغل على الدوام، سحق كل صاحب رأي في السنوات السبعين الأخيرة، وكل من يملك بصيرة، لم تكتف بذلك، لأنها باتت مقتنعة أخيرا بأن (الوقاية خير من العلاج) والوقاية هنا وأد الفكر والتنوير في مهده، إذ تقوم بتقييد حركة الكتب، لا عبر حدودها وحسب، بل تقييد حركتها في عقول مواطنيها.
وبعد:
كان الشعار الذي رفعه المحتجّون على القرار، بليغ إلى أقصى الحدود:
لا لتجويع العقول.
فهل ستملأ الحكومات بطونها حقا، حين تُجوّع العقول؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*