هل تحجب أستانا جنيف؟

 

حبيب عيسى
النهار
15092017


انطلقت اليوم الخميس فعاليّات مؤتمر #أستانا 6 على وقع تقدّم بطيء ولكن ثابت في مسار ترسيم حدود تدريجيّة لمناطق خفض التوتّر. في هذا الإطار، سادت أجواء
التفاؤل جولة المحادثات السادسة حتى قبل انطلاقها، خصوصاً إزاء إقامة منطقة خفض تصعيد في محافظة إدلب،

بالرّغم من الإشكاليّات السياسيّة والأمنيّة التي تحيط بها. فإدلب تضمّ التجمّع الأكبر لعناصر “جبهة فتح الشام” (النصرة سابقاً) بعدما استطاعت التغلّب عسكريّاً على بقية فصائل المعارضة المسلّحة المعتدلة. وأجرى النظام السوريّ على امتداد الأزمة عدداً من “المصالحات” في مختلف مناطق النزاع، جمع على أساسها القوى المعارضة المسلّحة في المحافظة التي انتهت بسيطرة العناصر المتطرّفة عليها.

ومع ذلك، أعرب مسؤولون إقليميّون ودوليّون عن اقتناعتهم بأنّ جولة المحادثات الجديدة قريبة من التوصّل إلى اتّفاق في شأن #إدلب تحديداً والنزاع السوريّ عموما. فوزير الخارجيّة الروسي سيرغي #لافروف والموفد الأممي الخاص إلى #سوريا ستيفان #دي_ميستورا والقياديّ في المعارضة محمّد علّوش وغيرهم كانوا متفائلين باقتراب حلّ النزاع. حتى الرئيس التركيّ رجب طيّب #أردوغان صرّح الأسبوع الماضي بأنّ محادثات أستانا تقرّب النزاع السوري من مراحله النهائيّة.

واشنطن قلقة 

قبل مباشرة المحادثات الرسميّة، أجرى خبراء ديبلوماسيّون وعسكريّون وأمنيّون من مجموعة العمل المشتركة للدول الضامنة سلسلة من المشاروات التقنية، من أجل وضع أسس المحادثات بين النظام والمعارضة التي ستجري خلال هذين اليومين. وتشاور المجتمعون في طبيعة القوّات التي تريد الدول الثلاث إرسالها إلى مناطق خفض التوتّر.

وفيما كانت روسيا على لسان وزير خارجيّتها متفائلة بنجاح أستانا ومشدّدة في الوقت نفسه على أنّ مناطق خفض التصعيد موقّتة وهادفة الى المساعدة على وقف النار، كان الموقف الأميركي مشكّكاً في نيات #إيران،إحدى الدول الضامنة لهذه المحادثات. وأعلنت الولايات المتّحدة أنّها ستحضر المحادثات ممثّلة بالقائم بأعمال مساعد وزير الخارجيّة لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، وستشجّع على خفض منسوب العنف. لكنّ بيان السفارة الأميركيّة في سوريا أشار إلى بقاء #واشنطن “قلقة” إزاء مشاركة إيران تحت مسمّى “طرف ضامن” في مسار أستانا. وأوضح البيان أنّ النشاطات الإيرانيّة في سوريا ودعمها اللامحدود للرئيس السوريّ بشّار#الأسد ساهمت في تدهور الأوضاع أكثر وفي زيادة معاناة السوريّين.

أين يُصرف القلق؟

وفي جميع الأحوال، تبدو واشنطن غير راغبة في التورّط في النزاع السوري ولا في تحديد مصير الأسد أو المرحلة الانتقاليّة بقدر ما تريد إبعاد إيران عن المناطق الجنوبيّة المحاذية لإسرائيل وتأمين قواعدها العسكريّة شمال شرق البلاد، الأمر الذي يعني ترك الولايات المتّحدة مسؤوليّة رسم مسار التسوية في سوريا إلى #موسكو ومن ورائها #طهران و #أنقرة. وبناء على ذلك، تمكّن الروس من الإمساك بمعظم مفاتيح اللعبة من خلال تحوّلين: الأوّل عسكري وهو رجحان ميزان القوى لمصلحة الأسد، الثاني، وقد يكون الأهم، صياغة شبه تحالف بينهم وبين الأتراك من جهة وبين الأتراك والإيرانيّين من جهة أخرى. إضافة إلى العلاقة الحسنة التي تجمع موسكو وطهران، والمبنيّة على معادلة الدفاع عن الأسد.

زيارات مكّوكيّة

وكان وزير الخارجيّة الإيراني محمّد جواد #ظريف التقى الرئيس الروسي فلاديمير #بوتين خلال زيارته منتجع #سوتشي يوم الأربعاء بحسب المكتب الإعلامي للكرملين الذي لم ينشر تفاصيل عن مجريات اللقاء. وكان لافتاً أيضاً في السياق نفسه، إرسال الرئيس الروسي وزير دفاعه سيرغي#شويغو إلى سوريا للقاء الأسد بالتزامن مع فكّ الجيش السوريّ الحصار عن دير الزور. وقالت وزارة الدفاع إنّ الطرفين تباحثا في “الجوانب الملحّة من التعاون العسكريّ والتقني” كما تطرّقا إلى تطبيع الوضع الأمني في سوريا وإرساء مناطق تخفيض التوتّر.

أستانا والصواريخ المجنّحة

في سياق متّصل، صبّت تصريحات دي مستورا منذ بدايات الأزمة لمصلحة النظام، واستمّرت حتى هذه اللحظة، وقد أعطت الروس غطاء دوليّاً مهمّاً لمسار أستانا الذي يكاد يحجب مؤتمرات جنيف. وكان تساؤله أخيرًا عمّا إذا كانت الحكومة السوريّة ستقبل بالتفاوض مع المعارضة وما إذا كانت الأخيرة ستتقبّل فكرة أنّها لم تربح الحرب، مؤكّداً لهذا السياق. تضاف إلى ذلك نتيجة العمليّات العسكريّة الروسيّة على مجريات النزاع وضمان الأسد بقاءه في منصبه في المدى المنظور على الأقلّ.

من جهة ثانية، ومع انطلاق محادثات أستانا، أطلقت غوّاصتان روسيّتان في البحر المتوسّط سبعة صواريخ مجنّحة من طراز “كاليبر” مستهدفة مراكز قيادة ومخازن أسلحة لداعش في ريف #دير_الزور. وهذه العمليّة هي السادسة من نوعها منذ بدأ الروس تدخّلهم العسكريّ في سوريا، وهو نوع من إظهار روسيا نفسها ممسكة بقسم كبير من مسار مزدوج طويل الأمد في البلاد: مستقبل سوريا السياسيّ ومحاربة داعش.

مقايضة؟

ومع إشارة المعلومات الواردة من أستانا عن اتّفاق المجتمعين على ستّ مستندات من أصل سبعة والاستعداد للتوقيع عليها (الاختلاف هو حول ملفّ المعتقلين الذي قد يؤجّل لجولة لاحقة) أثيرت التساؤلات حول احتمال وجود مقايضة بين الأتراك والإيرانيّين في ما يتعلّق بإدلب. فقد سرت تكهّنات عن إمكانيّة مدّ الأتراك نفوذهم إلى تلك المحافظة مقابل قبلوهم بتثبيت الإيرانيّين نفوذهم جنوبي العاصمة السوريّة. يردّ الصحافيّ والكاتب السوريّ المعارض أحمد زكريّا على هذه التكهّنات مرجّحاً ألّا يكون هذا التوقّع صحيحاً. وقال في حديثه إلى “النهار”: “لا أعتقد أنّ هنالك صفقة ما بين تركيا وإيران لكون الطرف التركي يضغط بدوره مع فصائل المعارضة لضمّ منطقة جنوب العاصمة دمشق إلى مناطق تهدئة الصراع”.

بالنسبة إلى زكريّا، لا يمكن لأحد التنبّؤ بما ستكون عليه النتائج النهائيّة لمحادثات أستانا بسبب فشل الجولات السابقة كافة على مستوى فرض وقف شامل لإطلاق النار، إذ “بالرّغم من أنّ بعض المناطق شهدت هدوءاً ربّما من ناحية وقف إطلاق النار والعمليّات العسكريّة، إلّا أنّ مناطق أخرى مشمولة بالتهدئة تشهد خروقاً وتصعيداً من قبل قوّات النظام والميليشيات الإيرانيّة المساندة له”. ويشدّد الصحافيّ على أن لا اتفاق سيحصل من دون التوصّل إلى وقف شامل لإطلاق النار وإطلاق المعتقلين من سجون النظام وفكّ الحصار وإيصال المساعدات.

لا تناسب الحلّ السياسيّ

يتابع زكريّا حديثه إلى “النهار” معتقداً أنّ أستانا “لن تكون المكان الأصحّ لرسم ملامح الحلّ السياسيّ”. وردّاً على سؤال مرتبط بإمكانيّة حجب مسار أستانا لجنيف أضاف أنّ الأوّل لن يكون البديل عن جنيف لأنّه مجرّد مسار لرسم “المحدّدات النهائيّة للخريطة العسكريّة وتوزّع القوى في سوريا وخطوط الفصل بين الأطراف المتنازعة ومناطق النفوذ لكلّ الفاعلين على الأراضي السوريّة”.

تأثير متبادل

أمّا مسار جنيف فهو “خشبة المسرح السياسي” التي سيتمّ عليها إخراج البعد السياسيّ للحلّ في سوريا. لكن مع ذلك، يشير زكريّا إلى وجود تأثير متبادل بين المسارين “بالضرورة” لأنّ “المخرجات السياسيّة هي محصّلة للأوضاع والتموضعات العسكريّة وتوزّع القوى ولنا أن نتوقّع ان يواجه المسار السياسي الكثير من الصعوبات”. ومع توقّعه بأن تكون جولات جنيف أكثر صعوبة من ذي قبل، يفترض زكريّا “خروج وفد الهيئة العليا للمفاوضات بالامتناع عن التوقيع على صكّ التسليم بالمخرجات التي تعيد تأهيل النظام وإعادة تكريسه كحاكم لسورية” لأنّ انسحابها وإعلان براءتها من هذا الحلّ “أفضل من توقيع صكّ لن تستطيع تحمّل تبعاته في المستقبل.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*