هل تجتاح الصين كوريا الشماليّة بالنيابة عن الولايات المتّحدة؟

بعد فترة هدوء نسبيّ تخطّت الشهرين، عادت التجارب الصاروخيّة لكوريا الشماليّة كي تُقلق العالم بعدما أطلقت بيونغ يانغ صاروخاً بالستيّاً هو الأطول مدى مقارنة مع الصواريخ السابقة، إذ بإمكانه الوصول إلى كلّ الأراضي الأميركيّة وربّما أبعد. ووصف وزير الدفاع الأميركي جايمس #ماتيس تلك التجربة بأنّها “خطر على العالم أجمع”، بينما ردّ الرئيس الأميركي دونالد #ترامب قائلاً: “سنهتمّ بالأمر” قبل أن يعود لاحقاً ويصف #كيم جونغ أون ب “الجرو الصغير”. لكن هل يمكن للصين أن تعرض “خدماتها” على الولايات المتّحدة كي “تهتمّ هي بالأمر” عبر “اجتياح” جارتها في سيناريو غير تقليديّ لمعالجة هذه الأزمة؟

جورج عيسى
المصدر: “النهار”
01122017

منذ تصاعد احتمال اندلاع الحرب في شبه الجزيرة الكوريّة، بدأ قسم من الباحثين يرجّح عدم اقتصار التدخّل العسكري – قصفاً أم اجتياحاً – على الجانب الأميركي. ويرى هذا البعض أنّ الصين ستتحرّك تلقائيّاً في بعض السيناريوهات التي يمكن أن تنشأ عن نزاع عسكري محتمل على الأراضي الكوريّة. لكن في هكذا إطار، لن يأتي “اجتياح” الصين لجارتها، ردّاً على إنزال أميركي محتمل للإطاحة بالزعيم الكوري، بل ربّما أيضاً كتحرّك إزاء عدد من الاحتمالات الطارئة الأخرى.

“خيار أخير”

من جهة أولى، يربط الباحثون التدخّل العسكري الصينيّ المحتمل بطبيعة النزاع وتحديداً بهويّة صاحب القرار بإطلاق الشرارة الأولى لهذه الحرب. الباحث في الشؤون الأمنيّة جون دايل غروفر يرى مثلاً أنّ التحرّك الصيني العسكريّ سيكون محدوداً في حال كانت كوريا الشماليّة هي من شنّت اعتداءات على قواعد أميركيّة في الهادئ أو على #اليابان و#كوريا_الجنوبيّة. ويرى غروفر في مؤسّسة الرأي الأميركيّة “ذا ناشونال إنترست” أنّ الاجتياح الصينيّ المحتمل لكوريا الشماليّة، كلّياً أو جزئيّاً، هو “الخيار الأخير” لأنّه بطبيعة الحال سيكون مكلفاً جدّاً.

لعدم الحسم بالاستنتاج

الصحافيّ والباحث في الشؤون الكوريّة دوريان مالوفيتش، أكّد خلال حديث مع “النهار” أنّ الصين “قلقة وغير سعيدة” بما يقوم به كيم. لكنّ الصحافيّ لا يحبّذ تعبير “اجتياح” بقدر تفضيله لعبارة “رد فعل” صينيّ تجاه “نزاع كبير” محتمل في شبه الجزيرة الكوريّة. ورأى، كما غروفر، أنّ ردّ الفعل هذا سيختلف في حال أطلق كيم الحرب أم واشنطن، علماً أنّ استراتيجيّة الزعيم الكوري الشماليّ تقوم على “عدم المبادرة إلى الهجوم أوّلاً” بحسب رأيه. مالوفيتش، ناشر الشؤون الآسيويّة في صحيفة “لا كروا” الفرنسيّة، ذكّر بوجود اتفاقية تعاون موقّعة بين الصين وكوريا الشماليّة سنة 1961 وتتضمّن بعض البنود الدفاعيّة وبموجبها يمكن لبيجينغ أن تتدخّل لحماية جارتها إذا تعرّضت الأخيرة للهجوم أوّلاً. لكن مجدّداً يدعو الباحث إلى عدم الحسم بالاستنتاجات في هذا الاتّجاه أو ذاك. ولفت النظر إلى أنّه من بين الاحتمالات، لجوء الصين، إثر نشوب نزاع تسبّبت به بيونغ يانغ، إلى خلق منطقة عازلة بعمق حوالي 40 كيلومتراً داخل الأراضي الكوريّة، مجتازة بذلك نهري “يالو” و “تومان” الحدوديّين.

مشكلة الدول الكبرى مع كوريا الشماليّة ليست في شخص رئيسها المثير للجدل وحسب بل تتخطّاه لتطال ترسانة نوويّة وبالستيّة كبيرة. ولا شكّ في أنّ أيّ زعزعة لاستقرار ذلك النظام سيدفع السؤال حول مصير هذه الترسانة إلى الواجهة مجدّداً، خصوصاً بالنسبة إلى الصينيّين. فالجدير الذكر في هذا السياق هو أنّ الجزء الأكبر من مصانع ومختبرات هذه الأسلحة موجود على الحدود الصينيّة لا الحدود الكوريّة الجنوبيّة، وهذا ما يجعل التحرّك الصينيّ أكثر من مجرّد احتمال وارد في حال سقوط كيم.

للرئيس الصينيّ أجندة أخرى

ومع ذلك، طرح مراقبون آخرون احتمال دخول الصين الأراضي الكوريّة من أجل السيطرة على هذه الأسلحة حتى بدون وجود خطر على النظام فيها. وبالرغم من محدوديّة هكذا احتمال، يعدّد البعض أسباباً مختلفة قد تجد فيها الصين تبريراً للجوء غير مسبوق إلى القوّة ضدّ حليف باتت تنظر إليه بيجينغ بمقدار لا بأس به من الشكّ. الأستاذة المساعدة في الشؤون الأمنيّة داخل جامعة “جورج تاون” أوريانا سكايلار ماسترو أعدّت دراسة في “معهد الولايات المتّحدة للسلام” تشير فيه إلى أنّ بيجينغ لم تعد ملتزمة بالحفاظ على نظام #كيم جونغ أون. واستندت في ذلك إلى انحياز رئيس البلاد شي #جينبينغ لإعادة توحيد الكوريّتين من خلال سلام متدرّج حتى ولو عنى ذلك فقدان كوريا الشماليّة لسيادتها، لافتتة النظر إلى استطلاعات رأي صينيّة مؤيّدة لابتعاد بلادهم عن بيونغ يانغ. من هنا، يمكن للصين أن تتدخل من أجل السيطرة على المنشآت النوويّة لمنع الولايات المتّحدة من ضربها الأمر الذي سيعني نزوحاً كبيراً للسكّان من كوريا الشماليّة إلى الصين بحسب ماسترو المتخصّصة أيضاً في الشؤون العسكريّة الصينيّة.

الخوف كبير من اللاجئين

تفادي موجة لجوء مثل هذه، هو بحدّ ذاته مدعاة تفكير جدّيّ لدى الصينيّين من أجل التحرّك. وعلى أيّ حال، يرى كثر أنّ الصين لا تستطيع تحمّل أعباء مئات الآلاف وربّما الملايين من اللاجئين في حال اندلاع نزاع عسكريّ، أكان تقليديّاً أو نوويّاً. وهي في الأساس، شدّدت خلال السنوات الأخيرة الحراسة الأمنيّة على الحدود، عبر تكثيف الدوريّات وتعزيز السياج الحدودي منعاً لعبور الكوريّين الشماليّين الذين يعانون أصلاً من ظروف اقتصاديّة صعبة جدّاً. فمن جهته، يؤكد غروفر أنّ تدفّقاً فجائيّاً للاجئين من غير الناطقين باللغة الصينيّة باتّجاه المصانع المحلّية في شمال شرق البلاد سيخلق ضغطاً كبيراً على الإدارات والأسواق المحلّيّة الأمر الذي قد يؤدّي إلى خلق توتّرات إثنيّة بين الوافدين والسكّان المحلّيّين. بالاستناد إلى هذا المعطى، تصبح إقامة منطقة عازلة لإيقاف أو لإدارة اللاجئين هدفاً عسكريّاً للصين التي تدرّبت على هذه العمليّات بحسب ما يؤكّده غروفر.

تجربة تاريخيّة مشابهة؟

يقارن البعض هكذا سيناريو بسياسة شبيهة اعتمدتها الولايات المتّحدة منذ أكثر من ثلاثين سنة في غرينادا. ففي سنة 1983 اجتاحت واشنطن الجزيرة وتخلّصت من الحكومة الثوريّة اليساريّة المتطرّفة خلال بضعة أسابيع ثمّ أجريت انتخابات ديموقراطيّة في تلك الجزيرة. انطلاقاً من تلك التجربة، يعتقد الباحث ريتشارد هاريس في صحيفة “ساوث شاينا مورنينغ بوست” أنّ بإمكان الصين اعتماد مقاربة شبيهة باحتلال كوريا الشماليّة. فجيش بيونغ يانغ “جائع” ولن يستطيع الصمود أمام الجيش الصينيّ الذي سيكون قد حقّق نتائج إيجابيّة متعدّدة من بينها، حفظ الصين لمنطقة آمنة على حدودها خصوصاً عبر إبعاد الأميركيّين عن أي تورّط عسكريّ. وهذا يرضي العاصمتين الكبريين معاً: واشنطن لأنها ليست راغبة بحرب ذات تكاليف مرتفعة، وبيجينغ لأنّها تكتسب مصداقيّة داخليّة وتقيم نوعاً من التوازن مع أميركا في التدخّلات الخارجيّة، إضافة إلى إبعاد خطر الإشعاع النووي عن بلادها.

قد يبدو هذا السيناريو غير تقليديّ، لكن في أزمة سياسيّة وعسكريّة هي الأخرى غير تقليديّة، تتنوّع الطروحات لتصل إلى معالجات قد لا تبدو مألوفة في نهاية المطاف. وبالرّغم من ذلك، لا يعني هذا الطرح أنّه سيصبح أمراً واقعاً حكماً، ففي ملفّ كهذا، وكما أكّد مالوفيتش ل “النهار”، يصعب الجزم بمسار الأحداث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*