هل تتقاسم أميركا وإيران النفوذ في العراق؟

سركيس نعوم
النهار
16012018

في جلسة استطلاعيّة مع لبنانيّين قريبين من طهران هدفت إلى معرفة أسباب ما جرى في إيران أخيراً وفي مقدّمها التظاهرات الشعبيّة الاحتجاجيّة على الفقر والفساد التي صوّب مشاركون فيها سهامهم إلى النظام وأبرز رموزه، جرى استعراض سريع في البداية إلى الوضع في كل من العراق وسوريا وتطوّراته المحتملة في ضوء مؤتمر “سوتشي” الذي يُفترض أن يضمّ قريباً نظام الأسد و”معارضيه”، كما في ضوء الانتخابات النيابيّة المُرتقبة في بلاد الرافدين واستمرار “الوجود الأميركي” العسكري فيها وتمسّك واشنطن به.

عن العراق قال القريبون أن فيه مشكلات داخليّة كثيرة وكبيرة وخطيرة. هناك مشكلة أكراده التي تفاقمت بعد خطأ الاستفتاء على اعلان الدولة أو استقلالها الذي ارتكبه قادتهم رغم النصائح الأميركيّة بالتروّي، والذي قد يُفقدهم الحكم الذاتي الواسع الذي مارسوه بحماية واشنطن منذ أيّام (الراحل) صدام حسين بعد طرد قوّاته من الكويت. وهناك أيضاً مشكلة الفساد التي تشمل المشاركين في السلطة من مُوالين ومعارضين ومدنيّين وعسكريّين والمُبعدين عنها سواء في كردستان أو في المناطق السُنيّة. وهناك ثالثاً مشكلة الانتخابات النيابيّة والتنافس بل التقاتل على تولّي السلطة أو “الاستيلاء” عليها ولا سيّما بين الزعامات السياسيّة والدينيّة المُنتمية إلى الطائفة الشيعيّة التي تشكّل غالبيّة مريحة من الشعب العراقي. وهناك رابعاً تمسّك إيران الإسلاميّة الموجودة بقوّة في العراق بالكيانات الحزبيّة والسياسيّة والعسكريّة والميليشياويّة (الحشد الشعبي الذي تحوّل جزءاً من المؤسّسة الأمنيّة العسكريّة) والدينيّة، وسعيها المحموم إلى جمعها في تحالف أو أكثر يفوز في الانتخابات فيحكم العراق بمشاركتها أو بحمايتها ويقصي الجهات العربيّة والدوليّة المُعادية. ونتج عن هذا التمسّك نوع من التنافس بينها وبين العربيّة السعوديّة التي تحاول العودة إلى العراق ليس من خلال المُكوِّن السُنّي فقط بل أيضاً من خلال الغالبيّة الشيعيّة التي ترغب، رغم اعترافها بفضل إيران عليها بإنقاذها من صدام حسين ومن حكم الأقلّية لها وجرّاء تمسّكها بعروبتها، في الانفتاح على العرب لحاجتها إليهم في إعادة إعمار ما هدّمته الحروب في بلادها، كما في استعادة استقلاليّة ما عن إيران تُبقيها عمقاً استراتيجيّاً للشيعة، وتُساهم ربّما في الوقت المناسب في إعادة الوصل المُنقطع منذ 1979 بين الرياض وطهران. في ضوء ذلك كلّه يرى القريبون من طهران أنفسهم أن العراق هو حاليّاً بين وضعين. الأوّل خروج القوّات الأميركيّة مع نفوذ بلادها من أراضيه وتحوّل العراق المُوحّد سواء بفيديراليّة ضعيفة أو قويّة أو بمركزيّة قويّة على صعوبة ذلك وربّما استحالته، وفشل السعوديّة في العودة إليه أو في تأسيس “حالٌ سعوديّة” في أوساط شعبيّة من سُنّة وشيعة، ونجاح إيران في تحويله وهو المدى الحيوي المباشر والأكثر أهميّة لها، تحوّله أحد أبرز أعضاء “محور المقاومة والممانعة” الذي تحاول تأسيسه من زمان وتتولّى قيادته حاليّاً على “تشلُّعه”. أمّا الوضع الثاني فهو حصول تقاسم نفوذ فعلي في العراق بين أميركا وإيران الإسلاميّة. وما يجعل ذلك مقبولاً إيرانيّاً، وإن على مَضَضْ، صعوبة طرد قوّات الأولى لأنّها ساهمت في تحرير العراق من “داعش” مع آخرين، ولأن احتلالها إيّاه عام 2003 فتح باباً لدخول إيران إيّاه واسعاً وإمساكها بغالبيّته وقسم من أقلّياته، ولأن دخول حرب عسكريّة مباشرة معها أمرٌ محفوفٌ بأخطار كبيرة وكثيرة، وأخيراً لأن تقاسم النفوذ المُشار إليه لا يُنهي المشروع الإقليمي الطموح لإيران ويبقي تواصلها مع غالبيّة شعب العراق، وكذلك تواصلها الجغرافي مع “الهلال الشيعي” الذي تريده أن يضم إلى طهران بغداد ودمشق وبيروت وغزّة، وربّما اليمن إذا يسّر لها الله ذلك. ومن شأن ذلك تكوين انطباع عند شعوب المنطقة المأزومة بالحروب والانقسامات أن الحلّ النهائي لمعاناتها ليس قريباً.

ماذا عن سوريا والاحتمالات الممكنة والمُرتقبة لتطوّر أوضاعها؟

يُجيب اللبنانيّون القريبون من طهران أنفسهم أن أمام سوريا ثلاثة أوضاع مُحتملة. الأوّل تسليم الولايات المتحدة بدور روسيا الواسع فيها عسكريّاً من خلال قاعدتَيْها الجويّة والبحريّة في حميميم وطرطوس ووجود مستمرّ لقوّة عسكريّة فيها مع عدم استبعاد إضافة قواعد أخرى. واحتمال تسليمها ببقاء الأسد ونظامها وإن “مُرَوْتشاً” في “مؤتمر سوتشي”. كما احتمال تسليم إسرائيل بذلك لأنّ ما في اليد حيلة مع استمرار رفضها وجوداً عسكريّاً إيرانيّاً على أرض سوريا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*