هل المطلّقة سلعة (سَكنْد هاند)، وهل الزّنوجة عاهة؟

غادة السمان
Dec 23, 2017
القدس العربي

قالت السيدة: كيف يمكن للأمير البريطاني هاري الزواج من امرأة مطلّقة هي الممثلة الأمريكية ميغان ماركل؟
قالت الثانية: ثم إنها تكبره سنًا؟
قالت الثالثة: ثم إنها من وسط سينمائي موبوء. إنها ممثلة نصف فاشلة!
قالت الرابعة: ثم إنها من جنسية أخرى. فهي أمريكية من عامة الشعب وهو أمير بريطاني.
قالت الخامسة: الأهم من ذلك كله أنها مطلّقة. هل يعقل أن يتزوج أمير ـ وسيم مثل هاري ـ تتمنى الزواج منه أجمل أميرات أوروبا الصبايا العذارى هل يعقل أن يختار امرأة كهذه.. ثم إن والدتها ووالدها مطلقان!!..
قالت السادسة: وفوق ذلك إنها ليست جميلة!..
قالت السابعة: لأنها من أصول زنجية! حماة الأمير هاري الآتية هي من نسل العبيد الزنوج!
سألتني صديقتي التي اقتادتني إلى تلك السهرة الباريسية: ما رأيك؟ لم أجب! وها أنا أنفجر كتابة كعادتي!

هل المطلقة امرأة (مستعملة مستهلكة)؟!

كان انتقاد السيدات وكلهن من أصول عربية ينصب على كون خطيبة الأمير هاري مطلقة. ولكن ماذا في ذلك؟
هل كون المرأة مطلقة تهمة مشينة؟ ماذا لو كان الزوج هو المسؤول عن دمار الحياة الزوجية؟ ثم إن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتكرر الأمر في الزواج الثاني، بل يعني أن المرأة إنسان، ولا يمكن تحويلها إلى نفاية لمجرد أن سبق لها الزواج.. والمرأة لا يجعل منها الطلاق ـ أيا كانت الأسباب ـ امرأة مستهلكة مستعملة (سكند هاند)!

(المطلقة) هدف جنسي سهل ومجاني للذكور؟

حسنا.. لنعترف.
في معظم بلادنا العربية ينظر الكثير من (الذكور) إلى المطلقة نظرة دونية، لكنهم يلاحقونها، فالعلاقة (الجنسية) معها مجانية، ولا تترتب عليها نتائج عقابية، كالعقاب بالزواج منها بتهمة فض بكارتها!
المطلقة العربية في عين بعض الذكور فرصة لعلاقة ممتعة من دون دفع (الثمن) الاجتماعي الباهظ، بينما الصلة بعذراء قد يترتب عليها حتى القتل لغسل الشرف (الرفيع) من الأذى.
أنا لا أدافع عن ميغان ماركل بل عن المرأة المطلقة عامة والعربية بالذات في مواجهة النظرة القاسية غير الإنسانية اليها. معظم الرجال العرب لا يرغبون عن الزواج من مطلقة، وموقفهم شبيه بموقف نساء تلك السهرة. ولكن كون المرأة مطلقة لا يعني أنها مستعملة او مستهلكة، فالمرأة إنسان، قد تزيدها التجارب تألقا كجوهرة، وليست سلعة يتم استهلاكها ولا سيارة (سكند هاند) ينقص ثمنها..

«خذوا عيني وشوفوا بها»!

ثمة أغنية تونسية جميلة جدا أحبها لحنا وصوتا، تقول كلماتها ما معناه: سألوني ما الذي يعجبك فيها، قلت للذين غاروا مني خذوا عيني وانظروا بها..
وسيدات السهرة اللواتي لم يجدن ميغان ماركل جميلة كان عليهن أن يتذكرن أن العاشق يرى الحبيبة بعينه هو وقد يجدها أجمل النساء ويريد أن يعطي الآخر عينه ليرى بها.
حسنا. ميغان قد لا تكون جميلة بمعنى (الصورة) او (النجمة السينمائية) ولكن الأمير هاري العاشق وجدها الأجمل وعلى المنتقدات النظر بعينه غليها!!
الأمير شارلز والد هاري سبق له أن وجد المطلقة زوجته الحالية أكثر جمالا من زوجته باهرة الجمال الأميرة ديانا وتزوجا ويعيشان بحب وبلا فضائح.
أما عن كون ميغان تكبر الأمير هاري سنا، فلا يبدو ذلك في عصرنا عقبة حتى في وجه إنجاب الأولاد، وشقيقة مايكل جاكسون جانيت أنجبت لزوجها العربي طفلا جميلا وهي في الخمسين..

مصادقة العصر والإنسانية

وما دام (القاضي راضي) كما نقول في الشام وهاري يُحب ميغان، لِمَ الاعتراض على ذلك في عصر صارت فيه المرأة كالرجل قد تتزوج ممن يصغرها سنا، وينجح الزواج كما في نموذج رئيس جمهورية فرنسا إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت التي تكبره سنا بنحو ربع قرن، وهي مطلقة، ولها أولاد بعضهم يكبر زوجها سنا.
أظن أن على الكثيرات والكثيرين مصادقة العصر وبعض قيمه، الأكثر عدالة حين يتعلق الأمر بالزواج من مطلقة، أو أكبر سنا من الزوج وأقل جمالا من بقية نجمات هوليوود(!) فعين العاشق ترى أن الحبيبة هي الأكثر جمالا وبهاء.. وكما يقول قيس ابن الملوح عن حبيبته ليلى: لم تزل ليلى بعيني طفلة/لم تزد عن أمس إلا أصبعا!
وشكرا للحب الذي يعيد العدالة الإنسانية إلى نصابها.. وباختصار أظن أن على مجتمعاتنا العربية إعادة النظر في رؤيتهم للمرأة المطلقة العربية، فهي ليست مستهلكة ولا (سكند هاند)، إنها إنسان، فشل زواجها، ولكل إنسان الحق في فرصة ثانية. أما انتقاد سيدات السهرة للأصول الزنجية لميغان ماركل فقد استفزني أكثر من أي شيء آخر.

متى «بابا نويل» الزنجي؟ و«ماما نويل»؟

باريس ترقص أضواءً بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة. «بابا نويل» هو سارق الأضواء من سيدنا المسيح صاحب الميلاد، ونجد «بابا نويل» في أحلام الأطفال وفي المخازن الكبرى والشوارع، فضلا عن احتلاله شاشات الأفلام التلفزيونية بالذات حيث ننام ونصحو على لحية بابا نويل البيضاء كما بَشَرَته وقبعته الحمراء ومركبته الطائرة بين الغيوم.
إنه «رجل أبيض» والكثيرون مثلي يفتقدون «بابا نويل» الزنجي، أسود البشرة، أم أن السيد نويل الحالي رمز لسيادة «الرجل الأبيض» الغابر على الزنجي؟
نفتقد أيضا «ماما نويل»؟ أليس في غيابها الرمز لسيادة الرجل على المرأة حتى في حقل أحلام الأطفال؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*