هل أدرك سنّة لبنان دخوله العصر الشيعي؟

سركيس نعوم
22 كانون الأول 2017
النهار


أدرك سنّة لبنان عام 2006 وبعد نجاح “حزب الله” في منع إسرائيل من تحقيق أهدافها من حرب تموز وفي مقدمها التخلص منه نهائياً، أدركوا أن بلادهم بدأت دخول العصر الشيعي بتأييد قسم مهمّ من المسيحيين، بعد “التفاهم” الذي وقّعه في شباط من العام المذكور أعلاه أمينه العام السيد حسن نصرالله ومؤسّس التيار الوطني الحر” ورئيسه العماد ميشال عون. تعمّق هذا الإدراك مع التحرّك الشعبي الذي قام به “الحزب” في وسط العاصمة بيروت، والذي استمر أشهراً تعطّلت فيه الدولة وحوصرت الحكومة ورئيسها في السراي. بعد ذلك جاء تحرّك أصحاب “القمصان السود” ليؤكد لغير المقتنعين بهذه الحقيقة المستمرين في المراهنة على الخارج العربي والدولي للقضاء عليها أن رهانهم خاسر. وعندما وصل “الربيع العربي” إلى سوريا شعروا، وجهات مسيحية ومحمدية أخرى، أن الحقيقة المُشار إليها ليست قضاءً وقدراً، وأن نهاية نظام الأسد الحاكمها منذ عقود، والمتحالف مع “حزب الله” منذ أيام مؤسسه الراحل حافظ الأسد، والمقدم له كل العون الذي يحتاج إليه، سواء لمواجهة إسرائيل أو أعدائه في الداخل اللبناني، قد حانت. أغرى ذلك بعضهم (أي السنّة) في الانضمام الى هذا “الربيع” وخصوصاً بعدما انتقل وبجهود مباشرة من النظام وأعدائه، من ثورة شعبية سلمية الى انتفاضة مسلّحة، اقتناعاً منه بأن العالم الإسلامي السنّي العربي وغير العربي سيقف الى جانب الثورة وكذلك المجتمع الدولي وزعيمته أميركا.
لكن تدخّل “حزب الله” عسكرياً وبقوة بقرار من إيران في الحرب السورية ونجاحه وحده في حماية نظامها ورأسه من الانهيار حتى عام 2015، ثم تدخَّل روسيا عسكرياً الى جانبهما وتدفق المقاتلين الشيعة الى سوريا من العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها ذلك كلّه قلب المعادلات القائمة. إذ حقّق هؤلاء انتصارات ونجاحات دفعت سنّة لبنان الى الابتعاد عن التورّط العسكري المباشر دفاعاً عن الثورة لأنه أساساً لم يكن فاعلاً، باستثناء قلّة، ودفعت قياداتهم السياسية الى العمل مباشرة وعلى نحو غير مباشر مع الشيعة عموماً وسائر “شعوب” لبنان لمنع انتقال النار السورية الى لبنان. ونجحوا في ذلك، لكنهم أدركوا أن النجاح يعود الى رفض القادر على خوض حرب ناجحة في لبنان حرباً كهذه، والى عجزهم والآخرين عن الانخراط في أي حرب أهلية، كما الى عدم رغبة عقّالهم في ذلك. وإدراكهم هذا جعلهم أكثر اقتناعاً ببدء العصر الشيعي في لبنان. علماً أن الإشارة هنا واجبة الى أن بداية العصر الشيعي كانت يوم حرّر “حزب الله” الأراضي اللبنانية التي كانت تحتلّها إسرائيل باستثناء مزارع شبعا وقرية الغجر. وربما كان التحرير المذكور الدافع الأول الى اتخاذ الجمهورية الاسلامية الايرانية قرار تصدير ثورتها الى العالم العربي، عبر تنفيذ مشروعها الطموح الذي كان ملك الأردن أول من سمّاه “الهلال الشيعي”. ويشتمل هذا الهلال على إيران والعراق وسوريا ولبنان. وكانت غزة أي فلسطين وقضيتها المحقّة والمقدسات الاسلامية “المغناطيس” الذي حاولت طهران بواسطته جذب تأييد العرب والمسلمين لهلالها. لكنها لم تنجح في ذلك رغم اقترابها من النجاح في إقامة “الهلال” وفي جعل التواصل بين دوله وعواصمها حقيقة واقعة. لماذا الكلام عن هذا الموضوع اليوم؟ يعرف الجميع في لبنان وخارجه أن لا علاقة لي بالطائفية والمذهبية من قريب أو بعيد، وإن كان بعض المغرضين يظن إنني بالخوض فيهما تفصيلاً لبنانياً وإقليمياً أشجع عليهما. علماً أن التركيز عليها هو لإظهار دورهما في القضاء على الدولة العادلة المدنية الديموقراطية السيدة المستقلة. وهو أمر قام به المسيحيون على تنوّعهم والمسلمون من سنّة وشيعة ودروز كل بدوره. وهو لا ينبع من موقف سلبي من الشيعة أو من محاباة أو من رغبة في تحريضهما على بعض خدمة للمسيحيين الذين صاروا أقلية، كما يعتقد ضعاف النفوس. ودافعه الأساسي إظهار ما يعتمل في نفوس السنّة اللبنانيين الذي يمكن أن يتحوّل مع الوقت ومع تغيّر ظروف دولية وإقليمية ناراً وباروداً وثأرا. ودافعه الأساسي الآخر هو تبصير الشيعة اللبنانيين، بعد الاعتراف بحرمانهم السابق الطويل وبتضحياتهم حين كانوا والسنّة واحداً من أجل عروبة لبنان ودولة المساواة فيه واجبات وحقوقاً، وبعد الاعتراف بدورهم شبه الأوحد في تحرير لبنان من إسرائيل أنّ المذهبية المتأصلة منذ قرون كثيرة أعادت تقسيمهم.

كيف يشعر السنّة في لبنان اليوم؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*