هكذا يلتقي ضباط لبنانيون واسرائيليون…”ملاكمة سياسية” ولا مصافحة


رضوان عقيل
النهار
14122017

سلّطت التغريدة الاخيرة للكاتب أسعد ابو خليل الضوء على اللقاءات التي تعقد بين ضباط من الجيشين اللبناني والاسرائيلي في الناقورة تحت مظلة القوة الدولية. وطلب وزير العدل سليم جريصاتي من القضاء اجراء التعقبات في حق ابو خليل الذي خوّن المؤسسة العسكرية وطالب بنزع سلاحها والابقاء على سلاح “حزب الله” فقط. وجاء فتح هذا الموضوع بعد اعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب مدينة القدس عاصمة لاسرائيل ونقل سفارة بلاده من تل ابيب اليها، وقد حضر ملفها الساخن في الاجتماع الاخير بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي.

هذه الاجتماعات ليست وليدة اليوم، بل كانت تعقد في اعوام سابقة بموجب “اتفاقية الهدنة” التي وقعت في 23 آذار من العام 1949 في اشراف الامم المتحدة في رأس الناقورة. ولم يلتقِ الضباط آنذاك وجها لوجه بل في غرفتين منفصلتين، الا ان حصل العكس عند توقيع “اتفاق 17 أيار”. وبعد تموز 2006 اصبحت تعقد على نحو منتظم.

درج الطرفان على عقد الاجتماعات شهرياً او عندما تدعو الحاجة في اشراف “اليونيفيل”. وكان العميد ماهر الطفيلي يرأس الوفد اللبناني المؤلف من مجموعة من الضباط. وارتفع مستوى اهمية هذه الاجتماعات بعد العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 وولادة القرار 1701 الذي ترعاه الامم المتحدة وتعمل على حسن تطبيق مندرجاته، مع العلم ان الاسرائيليين اقدموا على خرق هذا القرار مئات المرات برا وبحرا وجوا.

وتولى رئاسة الوفد اللبناني بعد الطفيلي اللواء عبد الرحمن شحيتلي، وتلاه العميد محمد جانبيه الذي تقاعد قبل شهرين ليتسلم من بعده هذه المهمة العميد مالك شمص. تعقد هذه الاجتماعات في احدى القاعات في الناقورة في حضور قائد “اليونيفيل”. وتجلس الوفود الثلاثة على مقاعد طاولة مرسومة على شكل   توضع عليها فناجين القهوة ومياه وعصائر. وتستمر هذه الجلسات ما بين ثلاث واربع ساعات وتتخللها فترة استراحة. وبعد مقدمة من قائد القوة الدولية الذي يحضّر جدول اللقاء بمساعدة عدد من الضباط، يترك لكل وفد الادلاء بما يحمله في جعبته من تسجيل للخروق المتبادلة بين الطرفين اللذين يتسلحان بمجموعة من الحجج المدعمة بالصور. ويرسل الاسرائيليون ضباطا يعرفون طبيعة لبنان السياسية والعسكرية جيداً وهم خبراء في الاستراتيجيا والتخطيط ويجيدون فنون المناورة والتغطية على خروق قواتهم، ويعملون جاهدين على اثبات ان “حزب الله” هو من يقدم على خرق الـ1701 ويعمل على بناء التحصينات العسكرية في البلدات الحدودية وغيرها. ويقابله الوفد اللبناني الذي يعد ملفاته في شكل جيد ومدروس، بالخروق التي ينفذها الجيش الاسرائيلي مع السعي الى عدم تكرارها.

وفي احدى المرات عرض الوفد الاسرائيلي صورة شاب بثياب مدنية كان على مقربة من موقع اسرائيلي على الحدود واتهمه بأنه من “حزب الله”. ورد عليه الضابط اللبناني بسؤال: “كيف عرفتم ان هذا الشاب من الحزب وهو يتنقل على ارض لبنانية؟ ربما يكون من عناصر المخابرات اللبنانية. اليس من حقنا ممارسة سيادتنا على ارضنا؟”. ويعترض الاسرائيليون على امور صغيرة احيانا من نوع التقاط صورة لعناصر من “اليونيفيل” يتحدثون مع ركاب سيارة ترفع علم “حزب الله”. وكان الرد ان قطاعات واسعة من الشعب اللبناني تؤيد الحزب وترفع راياته فوق السيارات والمباني بدءاً من الحدود وصولاً الى بيروت ومناطق لبنانية عدة.

رسائل غير مباشرة

وعلى رغم القوة العسكرية التي يستند اليها الضابط الاسرائيلي، الا ان نظيره اللبناني لا يظهر امامه في موقع الضعيف بل يقابله بالندية نفسها وبروح مشبعة بالقوة والمواجهة. وفي احدى المرات خاطب رئيس الوفد اللبناني نظيره الاسرائيلي بدعوته الى اعتماد “قوة المنطق” بدل اتباع منهج “منطق القوة”. وثمة تعليمات يتلقاها الوفد اللبناني من مراجع رسمية بهدف اطلاع “اليونيفيل” عليها لترسلها الى الامم المتحدة وتثبيت نقاط القوة اللبنانية والعمل على تعزيزها في وجه اسرائيل، ومنها الحفاظ على ثروة لبنان النفطية في البحر واشراك الامم المتحدة في هذا الملف ليضمن لبنان الحفاظ على ثروته. وثمة رسائل غير مباشرة تلقاها الجانب الاسرائيلي على شكل تحذير في ايام عز الحرب السورية والخشية من تسلل مقاتلين من المعارضة السورية الى الاراضي اللبنانية نحو بلدات العرقوب من جهة الجولان وتحت انظار المواقع الاسرائيلية، وان هذا الفعل قد يشعل كل الحدود. وفي الاجتماع الثاني اكد الوفد الاسرائيلي انه لن يسمح بوصول المسلحين الى المناطق اللبنانية الحدودية.

ويشدد الجانب اللبناني على اهمية مواصلة هذه القناة غير المباشرة مع الاسرائيليين في الناقورة بغية إيصال وجهة النظر اللبنانية الى الامم المتحدة وعدم اكتفائها بالنظرة الاسرائيلية، وان الغياب عن هذا النوع من الاجتماعات يشكل انتصاراً للحجج الاسرائيلية واستفرادها في التأثير على وفد “اليونيفيل” المشارك. وعند تقديم اللبنانيين حججهم واثباتاتهم للخروق الاسرائيلية ويتم حشر رئيس الوفد المخوّل وحده بالكلام، يكثر من تناول شرب الماء ويعمل على التقرب من نظيره اللبناني والتودد اليه من نوع “الجنرال فلان معه حق وعرض المسألة بشكل جيد”، لكنه يتبع كلامه بـ”رشق” من عبارات من نوع “ولكن” و”غير دقيق”.

ولا يقلل الضباط اللبنانيون من صعوبة جلوسهم في غرفة واحدة مع الاسرائيليين. وهم لا يبادلونهم ولو ابتسامة بل يقتصر الحديث معهم على نقاط البحث المطروحة لا اكثر. ويردد احدهم انه قبل يوم من موعد اللقاء مع الاسرائيليين يشعر بالتوتر والقلق لانه تربى في المؤسسة العسكرية على عدم تقبّل ضباط العدو ورؤيتهم امامه يعملون على “ملاطفة” الوفد اللبناني والتقرب منه. ويرفضون مصافحة الاسرائيلي وهم يخوضون معه “ملاكمة سياسية” على حلبة الناقورة، وإن كان ابطالها بثياب مرقطة. ويبقى ما يميز حجج الضباط اللبنانيين مقارعتهم الاسرائيلي بقوة لانهم أصحاب حق.

Radwan,aakil@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*