هدايا سلامة للحريري: 575 مليون دولار بين عامي 2013 و2016

(هيثم الموسوي)

ناصر الأمين
الأخبار 21022017

نشرت «الأخبار» في عددها ٣١٠٠ (الأربعاء ٨ شباط ٢٠١٧)، تقريراً بعنوان «سلامة أجرى هندسة مالية سرية»، كشفت فيه، نقلاً عن مصادر مصرفية، أن العمليات التي نفّذها مصرف لبنان مع المصارف تحت مسمى «الهندسة المالية»، اعتباراً من أول حزيران الماضي، والتي درّت أرباحاً على بعض المصارف وكبار مودعيها بما لا يقل عن 6 مليارات دولار حتى الآن، بدأت فعلياً قبل هذا التاريخ بوقت طويل، عبر عمليات خاصة نفّذها المصرف المركزي لبنك «ميد»، أو بنك البحر المتوسط، الذي يملكه الرئيس سعد الحريري، ودرّت عليه أرباح استثنائية طائلة، وذلك في إطار دعم واضح للحريري، لمساعدته في الخروج من أزمته المالية بواسطة المال العام… كالعادة، جوبهت هذه المعلومات بالتشكيك، بل إن البعض تبرّع بنفي حصول مثل هذه العمليات من دون أن يكون على اطلاع كافٍ يسمح له بالجزم، ما أسهم بزيادة منسوب التشويش.

ولكن في المقابل، تسرّبت وثيقتان (ذات طابع رسمي) تؤكدان حصول العمليات المذكورة في خلال الأعوام 2014 و2015 والنصف الأول من عام 2016، أي قبل فتح الباب أمام مصارف أخرى للغرف من أرباح «الهندسة المالية» وتعظيم أرباحها ورساميلها وإطفاء خسائرها وتكوين المؤونات لتغطية قروضها العاطلة. ليس هذا فحسب، بل إن وثيقة ثالثة، اطلعت عليها «الأخبار» من دون أن يؤذن لها بنشرها، تؤكّد أنّ عمليات مماثلة خاصة ببنك الحريري جرت في عام 2013، ودرّت نحو 82 مليون دولار أميركي أرباحاً استثنائية!

الوثيقة الأولى

تتضمن الوثيقة الأولى تقريراً أعدّته وحدة الرقابة على الأسواق المالية ورفعته إلى رئيس وأعضاء مجلس هيئة الأسواق المالية، بتاريخ 28 تموز 2016، ويتناول نتائج «تدقيق محدود النطاق لبنك البحر المتوسط ش.م.ل (المصرف)، المرخّص من قبل مصرف لبنان بموجب الرخصة رقم 22، والذي تناول بشكل أساسي نشاط التداول بسندات الحكومة اللبنانية المصنفة بالكلفة المطفأة»، أي «نشاط التداول» نفسه الذي سُمّي لاحقاً «الهندسة المالية»، وهو يقوم على شراء المصرف المركزي سندات خزينة صادرة بالليرة عن وزارة المال وشهادات إيداع بالليرة صادرة عنه وبيع سندات يوروبوندز وشهادات إيداع بالدولار بالقيمة نفسها، ما يحقق للمصرف المشارك أرباحاً استثنائية فورية، ما كان يمكن تحقيقها من «نشاط التداول» المعتاد!
بحسب التقرير المذكور، حقق بنك البحر المتوسط أرباحاً استثنائية قُدّرت بنحو 154 مليون دولار نتيجة 183 عملية تبادل سندات بالليرة وسندات بالدولار مع مصرف لبنان في خلال عامي 2014-2015. وصلت قيمة هذه العمليات الاسمية إلى 2.6 مليار دولار.

الوثيقة الثانية

تتضمن الوثيقة الثانية رسالة من رئيس مجلس الإدارة – المدير العام لبنك البحر المتوسط، محمد الحريري، إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بتاريخ 18 تموز 2016، وتتعلق بعملية نفّذت بتاريخ 27 أيار 2016، ونتجت منها أرباح بقيمة 38.8 مليون دولار أميركي، بعد اقتطاع عمولة مصرف لبنان. يطلب الحريري من سلامة، في هذه الرسالة، استثناء العملية المذكورة من مضامين القرار الوسيط رقم 12290 الخاص بالهندسة المالية، والذي يلزم المصارف المشاركة باستعمال الأرباح المحققة في تكوين المؤونات، بما يتوافق مع المعيار الدولي للتقارير المالية 9 (IFRS9)، أي عدم توزيعها. تبرر الرسالة طلب بكون العملية المذكورة جرت قبل فتح مصرف لبنان باب الهندسة أمام المصارف الأخرى، اعتباراً من حزيران 2016، وهذا تأكيد إضافي لقيام سلامة بتنفيذ «هندسة مالية» خاصة بالحريري قبل فتحها للمصارف الأخرى.

هدية من نوع آخر

تكشف مصادر مطلعة أن هدايا سلامة للحريري لم تقتصر على ما سُمي الهندسة المالية، بل تجاوزتها إلى عمليات من نوع آخر، إذ في عام 2014، باع مصرف لبنان إلى بنك البحر المتوسط شهادات إيداع (أداة مالية قابلة للبيع، لها مدة استحقاق محددة وسعر فائدة ثابت)، بلغت قيمتها العادلة 500 مليون دولار، ولكن تقاضى منه ثمناً لها يبلغ 458.81 مليون دولار. بكلام آخر، أعطى مصرف لبنان ما يقارب 41 مليون دولار هدية إضافية لبنك البحر المتوسط.

575 مليون دولار أرباحاً استثنائية

هذه الوثائق والمعلومات تشير بما لا يقبل الشك إلى أن بنك البحر المتوسط حقق أكثر من 275 مليون دولار، أرباحاً استثنائية فورية من «الهندسة المالية» التي خصّه بها سلامة بين عام 2013 وأيار 2016. تُضاف هذه الأرباح الطائلة إلى نحو 300 مليون دولار من الأرباح الاستثنائية التي حققها البنك من «الهندسة المالية» بين حزيران وكانون الأول من العام الماضي، منها نحو 200 مليون دولار حصل عليها مودعون كبار (من ضمنهم الحريري نفسه) وظّفوا ودائع بالدولار عبر هذا البنك مقابل عمولات بلغت 32% وسطياً. بمعنى أوضح، ضخ سلامة ما لا يقل عن 575 مليون دولار من المال العام الى بنك البحر المتوسط ما عدا الأرباح السنوية المتكررة التي يجنيها البنك من خلال توظيفاته في دين الدولة.

تقرير وحدة الرقابة على الأسواق المالية

إلى: السادة رئيس وأعضاء مجلس هيئة الأسواق المالية
من: وحدة الرقابة على الأسواق المالية
التاريخ: 28 تموز 2016
الموضوع: تدقيق محدود النطاق حول نشاط التداول في بنك البحر المتوسط
المرجع: 16/و ر/97

قامت وحدة الرقابة على الأسواق المالية بإجراء تدقيق محدود النطاق لبنك البحر المتوسط ش.م.ل (المصرف)، المرخّص من قبل مصرف لبنان بموجب الرخصة رقم 22، والذي تناول بشكل أساسي نشاط التداول بسندات الحكومة اللبنانية المصنفة بالكلفة المطفأة.

نشاط التداول بالسندات الحكومية

طلبنا عمليات بيع سندات يوروبوندز (دولار أميركي) وسندات خزينة بالليرة اللبنانية مصنفة «بالكلفة المطفأة» نفذها المصرف خلال عامي 2014 و2015. وركّزنا على العمليات التي تفوق قيمتها التعاقدية مبلغ 500 ألف دولار أميركي.
بلغ عدد العمليات التي تم إبلاغنا عنها، والتي تتوافق مع المعيار المحدد أعلاه، 183 عملية تداول مجموع قيمتها التعاقدية 2.6 مليار دولار نتج منها أرباح رأسمالية بقيمة 154 مليون دولار أميركي خلال فترة السنتين (2014-2015). تمت هذه العمليات مع جهة تابعة هي (Medfinance Services LTD)، مصرف لبنان ومصارف ومؤسسات محلية وأجنبية عديدة.

حددنا، في خلال المراجعة، معاملتين معنونتين بالليرة اللبنانية نفذتا مع مصرف لبنان، أسفرت عنهما أرباح بقيمة 132,525,792,344 ليرة لبنانية. وقد انعكست هذه الأرباح في التقارير المالية المدققة الخاصة ببنك البحر المتوسط (الملحق 1). وتم تبادل هذه السندات بيوروبوندز حكومية بالدولار الأميركي، حيث كان مصرف لبنان الطرف المقابل. الرجاء مراجعة المعلومات المذكورة أدناه:

بناءً على استفسارنا، قام قسم التدقيق الداخلي في بنك البحر المتوسط بتزويدنا بالمعلومات المذكورة أدناه:

موجز نتائج التدقيق الداخلي في بنك البحر المتوسط:

1. تمت عمليات التبادل أعلاه بعد الحصول على موافقة مدير الخزينة (السيد عادل جبر) وبعد تحقق مديرية الخزينة من أن المبالغ متوافقة مع السقوف المحددة من قبل لجنة إدارة الموجودات والمطلوبات.
2. تحقق دائرة المخاطر من أن القيمة التعاقدية المتداولة متوافقة مع السقوف المحددة من قبل لجنة إدارة الموجودات والمطلوبات.
3. تحقق السيد عادل جبر من أن العمليات المذكورة أعلاه قد نفذت في الوقت ذاته.

نتائج تدقيق وحدة الرقابة على الأسواق المالية:

1. قام بنك البحر المتوسط بعمليات شراء وبيع سندات حكومية معنونة بالليرة اللبنانية ومصنفة بالكلفة المطفأة.
2. قام بنك البحر المتوسط بعمليات شراء وبيع سندات حكومية معنونة بالدولار الأميركي ومصنفة بالكلفة المطفأة.
3. قام بنك البحر المتوسط بعمليات مبادلة أدوات مالية بالليرة اللبنانية (مشمولة في النقطة الأولى) بأدوات مالية بالدولار الأميركي مع مصرف لبنان في نفس اليوم.
أكدت مراجعتنا حقيقة قيام بنك البحر المتوسط بعمليات تداول على أدوات مالية مصنفة بالكلفة المطفأة من محفظته الخاصة وبشكل نشط.
4. نود أن نشير إلى أننا طلبنا من بنك البحر المتوسط، عدة مرات، تزويدنا بنموذج العمل الذي يجب أن يتضمن نسبة من محفظة الأدوات المالية الخاصة بالمصرف محتفظ بها لجمع تدفقات نقدية تعاقدية مقابل تحقيق أرباح عبرعمليات بيع وفقاً للقواعد المحددة في المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9. زودنا المصرف فقط بالسياسات المحاسبية وخطط الاستثمار، ولذلك لم نتمكن من التحقق مما إذا كانت عمليات البيع منسجمة مع نموذج عمل المصرف أو لا.
5. وفقاً للتقارير المالية العائدة إلى بنك البحر المتوسط: «الأرباح الناتجة من إلغاء الاعتراف derecognition بالسندات الحكومية تعود في الأساس إلى عمليتي تصفية سندات حكومية لبنانية قيمتهما الاسمية الإجمالية 221.5 مليار ليرة لبنانية (سندات بقيمة 178 مليار ليرة لبنانية استحقاق حزيران 2023 وسندات بقيمة 43.5 مليار ليرة لبنانية استحقاق أيلول 2023) و201.9 مليار ليرة لبنانية (سندات بقيمة 100 مليار ليرة لبنانية استحقاق حزيران 2022، سندات بقيمة 51.3 مليار ليرة لبنانية استحقاق كانون الثاني 2025 وسندات بقيمة 50.6 مليار ليرة لبنانية استحقاق أيار 2025) ليبلغ مجموعها ما يعادل إجمالي التدفقات النقدية المستقبلية غير المخصومة من أصل وفوائد حتى الاستحقاق».

توصيات

■ يجب على بنك البحر المتوسط تزويد وحدة الرقابة على الأسواق المالية بنسخة عن نموذج العمل الذي من المفترض أنه تم تزويد مفوضي المراقبة به. بالإضافة إلى ذلك، نطلب من مفوضي المراقبة تزويدنا بكتاب يفيدون فيه ما إذا كانت عمليات التصفية المذكورة أعلاه منسجمة مع نموذج العمل أو لا.
■ يجب على بنك البحر المتوسط التقيد بقواعد المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 الذي يحدد السيناريوهات التي تسمح للمصرف ببيع أدوات مالية مصنفة بالكلفة المطفأة. ولما كان بنك البحر المتوسط نشطاً في مجال التداول بالأدوات المالية المصنفة بالكلفة المطفأة، نوصي بإحالة هذا الملف على لجنة الرقابة على المصارف لتقويم ما إذا كان نشاط التداول منسجماً مع المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9.
بكل احترام،
خليل غلاييني
رئيس وحدة الرقابة على الأسواق المالية

ملحق

الاعتراف derecognition بالسندات الحكومية اللبنانية تعود في الأساس إلى عمليتي تصفية سندات حكومية لبنانية قيمتهما الاسمية الإجمالية 221.5 مليار ليرة لبنانية (سندات بقيمة 178 مليار ليرة لبنانية استحقاق حزيران 2023 وسندات بقيمة 43.5 مليار ليرة لبنانية استحقاق أيلول 2023) و201.9 مليار ليرة لبنانية (سندات بقيمة 100 مليار ليرة لبنانية استحقاق حزيران 2022، سندات بقيمة 51.3 مليار ليرة لبنانية استحقاق كانون الثاني 2025 وسندات بقيمة 50.6 مليار ليرة لبنانية استحقاق أيار 2025) ليبلغ مجموعها ما يعادل إجمالي التدفقات النقدية المستقبلية غير المخصومة من أصل وفوائد حتى الاستحقاق. إن الأرباح المعترف بها من هاتين العمليتين، بعد حسم عمولات بمبلغ 20 مليار ليرة لبنانية و55.1 مليار ليرة لبنانية، على التوالي، بلغت 132.5 مليار ليرة لبنانية و64.1 مليار ليرة لبنانية على التوالي.
أجرت المجموعة، في خلال عام 2015، عدة عمليات بيع ومبادلة أخرى على سندات حكومية لبنانية وشهادات إيداع مصدرة من مصرف لبنان نتجت منها أرباح بلغت 15.9 مليار ليرة لبنانية و34.4 مليار ليرة لبنانية على التوالي.

رسالة من محمد الحريري إلى رياض سلامة

بيروت 18 تموز 2016
رقم: 184-7/16/CGM-G
سعادة حاكم مصرف لبنان
الأستاذ رياض سلامة المحترم

الموضوع: عملية بيع أدوات مالية سيادية بالليرة اللبنانية وشراء أدوات مالية بالعملات الأجنبية متمايزة عن العمليات المشمولة بالقرار الوسيط رقم 12290.
تحية وبعد،
خلال لقائنا بسعادتكم في أيار 2016، أطلعناكم على حاجة أحد عملاء مصرفنا إلى تحويل ودائعه من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي. وتفادياً لتخفيض احتياط مصرف لبنان بالعملة الأجنبية، تم التوافق معكم على أن تتم عملية التحويل هذه عن طريق بيع سندات خزينة بالليرة اللبنانية استحقاق 2031 بما يعادل 66 مليون دولار أميركي واستعمال ناتج البيع لشراء دولار أميركي من مصرف لبنان والذي استخدم بدوره لشراء يوروبوند من مصرف لبنان بما يعادل 105 ملايين دولار أميركي. وهكذا تم بالفعل تنفيذ هذه العملية بتاريخ 27 أيار 2016. نتج عن هذه العملية تحقيق أرباح رأسمالية بقيمة بلغت 38.8 مليون دولار أميركي، بعد اقتطاع عمولة مصرف لبنان.
أوائل حزيران 2016، واستقطاباً للودائع الخارجية، أطلق مصرف لبنان برنامجه التحفيزي للمصارف لحسم سندات بالليرة اللبنانية مقابل شراء سندات بالدولار الأميركي، وقد تبع ذلك إصدار القرار الوسيط رقم 12290 لحث المصارف على تكوين مؤونات لمتطلبات المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9. علماً أن مصرفنا قد شارك في هذا البرنامج وأجرى لحسابه الخاص ثلاث عمليات بتاريخ 7 و8 حزيران 2016.
وحيث أن العملية المالية المنفذة بتاريخ 27 أيار 2016 متمايزة عن العمليات المشمولة بالقرار الوسيط رقم 12290، يطلب مصرفنا من سعادتكم تعزيز استثناء هذه العملية من مضامين القرار وذلك للأسباب التالية:
– قيام المصرف بإجراء العملية مع مصرف لبنان مع نهاية شهر أيار 2016 بعد التوافق مع سعادتكم، وذلك قبيل الشروع بالبرنامج التحفيزي الذي أطلقه مصرف لبنان مع بداية شهر حزيران 2016 لاستقطاب الودائع الخارجية، علماً أن المصرف قد شارك بالبرنامج التحفيزي من خلال ثلاث عمليات أجريت في 7 و8 حزيران 2016 والتي تخضع حكماً للقرار الوسيط 12290.
– قيام المصرف بإجراء هذه العملية بناء على طلب أحد الزبائن بتحويل أرصدته من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي، وقد أجريت هذه العملية حتى لا يضطر المصرف إلى شراء الدولار الأميركي من مصرف لبنان مما يؤدي إلى انخفاض احتياط العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان.
– يهدف البرنامج التحفيزي لمصرف لبنان إلى استقطاب أموال جديدة (Fresh Funds) بالدولار الأميركي، بينما تم تمويل العملية التي أجراها المصرف عن طريق شراء دولار أميركي من مصرف لبنان.
ونحن على استعداد لتزويد سعادتكم بأية معلومات إضافية، آملين من سعادتكم الموافقة على طلبنا تعزيز استثناء العملية التي تمت مع مصرف لبنان بتاريخ 27 أيار 2016 من مضامين القرار الوسيط رقم 12290 للأسباب الواردة أعلاه.
محمد الحريري
رئيس مجلس الإدارة – المدير العام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*