“نيّةُ العاشق… هي خيرٌ من عبادة”: السّخرية من الحبّ العذري في التراث الإسلامي

على الرّغم من الشّهرة العظيمة التي أصابت العشّاق العذريين في أواخر العصر الجاهلي مروراً ببداية الإسلام حتى العصر العباسي، إلّا أنّ أسطورتهم خبت نارها وذرّ رمادها، فقد عدّ النقّاد أنّ علي ابن أديم كان آخر العشّاق الذين ماتوا بسبب عشقهم!

ذكر لنا التاريخ شعراء عاشقين إلّا أنّهم لم يموتوا، كأبي العتاهية الذي ذاع صيت حبّه لـ(عتبة)، كذلك أبي النواس بغزلياته الرائعة ومن الضرورة ذكر كلّ من أبي تمام والبحتري والمتنبي.

بشار بن برد يتهكم بحق الحبّ العذري فيصف حماراً مات “عشقاً”

ها هو بشار بن برد (69- 168 هـ) صاحب المقولة الذهبية: (والأذن تعشق قبل العين أحياناً) يسطّر عدّة أبيات في التهكّم المرير بحقّ العشق العذري كما يذكر لنا الأصفهاني صاحب موسوعة الأغاني، فقد وصف حماراً عاشقاً مات من ولهه بأتانٍ (أنثى الحمار):

سَيِّدي خُذ بِي أَتاناً/ عِندَ بابِ الأًصبَهاني

تَيَّمَتني بِبَنانٍ/ وَبِدَلٍّ قَد شَجاني

تَيَّمَتني يَومَ رُحنا/ بِثَناياها الحِسانِ

وَبِغُنجٍ وَدَلالٍ/ سَلَّ جِسمي وَبَراني

وَلَها خَدٌّ أَسيلٌ/ مِثلُ خَدِّ الشَيفَراني

فَلِذا مِتُّ وَلَو عِش/ تُ إِذاً طالَ هَواني.

وفي الرِّواية أنّ بشاراً جاء مغتماً، فسئل ما بكَ يا أبا معاذ! فقال: مات حماري، فرأيته في المنام، فقلتُ له: لِمَ متَ؟ ألم أكن أحسن إليك؟ فقال الحمار من مجزوء الرمل الأبيات المذكورة أعلاه.

أقوال جاهزة

شاركغردكان إلى جانب متن التراث العربي المعروف والشائع، هامشٌ، يقف موقف الناقد والساخر والمتهكّم من تلك الأخبار التي توارثها الأخلاف عن الأسلاف

شاركغرد” قل لمن يبكي على رسم درس/واقفاً، ما ضر لو كان جلس” هكذا نقد أبو نواس التقليد الشعري المعروف بـ”الوقوف على الأطلال”

وعُرف عن أبي النّواس نقده اللاذع للأطلال والوقوف عليها ومقولته الساخرة:

قل لمن يبكي على رسم درس   واقفاً، ما ضر لو كان جلس

كما تابع هجومه وفتح بلاد العشّاق العذريين؛ حتّى أنّه استبدل ” القانون” الحدّ الثالث بمعادلة العشق بـ”القوّاد”، فهو الذي يجمع بين العشّاق.

وانتقد حديث (الأرواح جنود مجندة) الذي فسّر حالة العشق العذري، ولدينا خبران عنه؛ الأول في موسوعة الأغاني، والثاني في كتاب مروج الذهب.

قال أبو النواس ساخراً:

ولــقد كنّــا رويْنـــا    عن سعد عن قتادة

عن زرارة بن أوفى    أن سعد بن عبادة

قال: من ناك حبيباً    فاز منه بالسعادة

وإذا مـــات مُحِــبّــاً    فله أجر الشهادة

والذي يجمع إلْـفَين    على حسن الإرادة

بوقــار وســكـــون      وتأتٍّ للمرادة

هو في ذلك حكيم     زعمت ذاك جرادة.

وجرادة التي ذكرها أبو النواس هي قوّادة كانت في بغداد!

وقال:

نيّة العاشق، فاعلم    هي خير من عبادة

إنّمـــا الدنيــــا ثلاثٌ     ليس فيهن زيادة

فحبـيـب ومـــــحبّ     ثم ثلّثْ بالقيادة

أتــــرى ذلك صوابـاً     نتبع منه سدادة

قد روى ذاك صوباً      وأبان عن جنادة.

أمّا مناسبة قول الأبيات، فقد كان عبد الواحد بن زياد، وهو من علماء الحديث، في مجلسه، وقد كَثُر عليه أصحاب الحديث يريدون معرفة صحّتها، فقال:

ليسأل كلّ رجل عن ثلاثة أحاديث، وليذهب بعدها، وهكذا إلى أن جاء دور أبي النواس، فقال له، سلْ ياغلام، فأنشد أبو النواس شعره، فقال له عبد الواحد بن زياد: قمْ، عليك لعنة الله، فرد عليه أبو النواس: والله لا أتيت مجلسك، وأنت ترد الصحيح من الأحاديث.

لابدّ من القول: إنّ أبا النواس لم يتهكّم على الطلول والعشاق العذريين فقط؛ بل طال نقده “العنعنة” (أو السند وذكر الرواة الذين نقل عنهم الحديث) التي قامت عليها ثقافة الحضارة الإسلامية.

اشتهر العشق العذري باستحالة شفائه حتّى على يد الكهّان والعرّافين والأطباء، لكنّ النقد لأسطورة العذريين، لم يوفّر جانباً.

فها هو أبو عبيدة بن عبدالله بن زمعة يشفي (نصيباً) من عشقه، فقد جاءه أحدهم وقال له: إنّ نصيباً في الفراش منذ ثلاثة أيام! فذهب إليه ووجده قد تسنّم جبلاً. فلمّا عرفَ نصيب أبا عبيدة نزل من مكانه.

فقال له أبو عبيدة: إنّما يهتّر (أي يصبح أحمقاً خرفاً، ويفقد عقله) إذا عشق من انتسب إلى بني عذرة، فأمّا أنت، فما لك وهذا؟ فاستحى نصيف وسكن، إلا أنّ أبا عبيدة سأله هل قلت في ذلك شيئاً، فأجب نصيف، بنعم وأنشد:

دعا أهله بالشام برقٌ فأوجفوا   ولم أر متبوعاً أضرّ من المطر

لتستبدِلن قلبًا وعيناً سواهما   وإلّا أتى قصداً حشاشتك القدر

خليلي فيما عشتما أو رأيتما   هل اشتاق مضرور إلى من به أضرّ

نعم ربما كان الشقاء متيّحــاً   يغطي على سمع ابن آدم والبصر.

وهنا، أخذه أبو عبيدة إلى بيته، فأطعمه وكساه، فعاد من عنده منشداً:

أصاب دواء علتك الطبيب  خاض لك السلو ابن الربيب

وأبصر من رقاك منفثات    وداؤك كان أعرفَ بالطبيب.

يدلّنا هذا الخبر على أمرين، يحتاج الكشف عنهما إلى الذهاب إلى ما وراء الظاهر!

فالأول يربط الحبّ العذري بقبيلة بني عذرة، لكن تلك القبيلة تكاد أن تكون كما إرم ذات العماد التي عاد منها عبد الله بن قلّابة بحبات البندق التي هي جواهر، وقصّ رحلته العجبية على الخليفة معاوية.

عاد منها عبد الله بن قلّابة بحبات بندق هي جواهر، وقصّ رحلته العجبية على الخليفة معاويةــ الأساطير التي نسبها العرب لقبيلة بني عذرة، والتي ينسب لها العشّاق العذريين.

ومع ذلك لم يستدل أحدٌ على مكانها، فالتدقيق التاريخي كما يذكر الباحث الطاهر لبيب في كتابه (سسيولوجيا الحبّ العذري) يقول لنا: لا يمكن إثبات أنساب عظماء العذريين كعروة ابن حذام والمجنون وحتى جميل- يا للسخرية – لكنّ كثيرة عزّة – رواية أشعار جميل – له نسب صحيح كعمر بن أبي ربيعة الذي كان على خلاف مع منهج العذريين في الحبّ.

وهكذا عندما استنكر أبو عبيدة حديث نصيبٍ وأنكر عليه أنّه من العذريين كأنّ كان يقول له: ما لكَ وحديث الخرافة!

والأمر الثاني يؤكّد ما ذهبنا إليه في التأويل، أيّ شفاء نصيب من حبّه العذري! وهذا ما ينقض موضوعة أنّ مرض الحبّ العذري لا يمكن الشفاء منه.

تأخذنا تلك الأمثلة إلى موضوعة جدّ مهمة إلى أنّ متن التراث العربي المعروف والشائع كان إلى جانبه هامش، يقف موقف الناقد والساخر والمتهكّم من تلك الأخبار التي توارثها الأخلاف عن الأسلاف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*